in

لم يتم تثبيت بعض شواهد القبور على سلاحف حجرية؟

شواهد القبور على أظهر السلحفاة في الصين

يرقد حكيم الصين (كونفوشيوس) في مقبرة تقع في غابة (تشوفو) Qufu، التي تبعد عن بكين بنحو 500 كلم، وتُعدّ هذه المقبرة من أكبر المدافن العائليّة في العالم، حيث دفن فيها ما يقارب الـ100 ألف شخص من سلالة هذا الحكيم، الذين ينحدرون من 80 جيلاً على التوالي.

في حين أن معظم شواهد قبور هذه المدافن عبارة عن كتل بسيطة، بعضها مرفوع فوق قواعد منحوتة على شكل سلاحف لتُشكل صروحاً مميزة. إن هذه المنحوتات ليست حكراً على (تشوفو)، فهي تنتشر على امتداد آسيا الشرقيّة، وتكثر في الصين، وقد ظهرت في بداية الأمر كقواعد لشواهد القبور.

يتموضع بعض هذه الصروح مباشرة فوق قبر الميت، والبعض الآخر يوضع في مكان مجاور لموقع الدفن، طبقا لـJoy Xu مدير متحف الفن الآسيوي في (سان فرانسيسكو)، فإن هذه الأضرحة غالباً ما توضع في أجنحة منفصلة، ويوضح أن الأشخاص الذين كانوا قادرين فعلاً على تحمل كلفة هذه الصروح كانوا من نخبة المسؤولين ومن أعلى المستويات، وما يؤكد هذا الأمر هو الصرح نفسه الذي يحفظ سيرهم ويشيد بإنجازاتهم.

إحدى السلاحف التي لم يتم الحفاظ عليها في مقبرة (شياو دان) في حي Ganjiaxiang في (نانجينغ) في الصين.
إحدى السلاحف التي لم يتم الحفاظ عليها في مقبرة (شياو دان) في حي Ganjiaxiang في (نانجينغ) في الصين. صورة: Vmenkov/Wikimedia Commons

يرمز وجود السلحفاة في شاهد القبر إلى كون الشخص المتوفي ذو محاسن عديدة، إضافة إلى أن السلحفاة تُعد في الثقافة الصينية إشارةً إلى طول العمر، وهكذا فإن استخدامها يدل على أن الشخص كان فاضلاً لدرجة أن روحه ستعيش إلى الأبد.

يُنظر للسلاحف على أنها مخلوقات قوية قادرة على تحمّل أوزان كبيرة، حيث تقول إحدى الأساطير أن سلحفاةً عملاقة تدعى (أوو) تحمل الأرض على ظهرها.

إن ظهور هذه الشواهد يقترن بالعصر الذهبي للثقافة الصينية، يقول Zu: ”ظهرت السلاحف التي تحمل الشواهد في عهد سلالة (هان)، وهي الفترة التي أخذت فيها الثقافة الصينية الشكل الذي نعرفه بها الآن“، ويضيف: ”تنوعّت استخدامات السلاحف لاحقاً، لكنها بدأت كحاملة لشواهد القبور، باعتبارها حاملة للسيرة الذاتية للشخص المتوفي، ليتمكن الأحفاد من تذكر أعمال أجدادهم العظيمة والإشادة بها“.

(بيكسي) سلالة Ming الحاكمة في معبد (كونفوشيوس) في (تشوفو)، الصين.
(بيكسي) سلالة Ming الحاكمة في معبد (كونفوشيوس) في (تشوفو)، الصين. صورة: Lou-Foto/Alamy

وضعت الألواح كذلك على ظهور السلاحف للتعريف بمختلف المعالم، بدءا بالمعابد وانتهاءً بالمنتزهات، ويتضمن كل لوح نقوشاً تؤرخ قصة كل معلم. تضم معابد (كونفوشيوس) و(يان هوي) اللذان يقعان قرب مدافن (كونفوشيوس) حوالي 25 نموذجاً من المنحوتات، وتعود إلى ما بين عهد عائلة (سونغ) Song و(تشينغ) Qing، وتسجل وثائق التجديدات الهيكلية فرقاً يقارب الـ800 عام ما بين أقدم وأحدث النماذج، حيث كانت أولى السلاحف ذات وجه ممتلئ وجميل يتجه نحو السماء وكأنها تلقي التحية على الزائرين، لكن النماذج اللاحقة تملك جسد سلحفاة ينبثق منها رأس تنين ذو فك مفتوح مكشراً عن أسنانه، ويمثل هذا النموذج أحد الأبناء التسعة لملك التنانين في الأساطير الصينيّة، ويدعى (القاهر بيكسي) Powerful Bixi.

ظهرت العديد من الصروح التي اتخذت شكل هذا الهجين (قوقعة سلحفاة ورأس التنين بيكسي) في عهد أسرة (هان)، على الرغم من امتلاكها لرموز تنانين خاصة بالعائلة.

يعود أحد الصروح الموجود في متحف (دالاس) للفنون إلى امرأة في الـ46 من عمرها لم يتم التعرف عليها، لكن وُجد أنها تعود إلى 219-316 بعد الميلاد. يرتفع شاهد القبر 55 سنتمتراً مرتكزاً على مخلوق يشبه السلاحف تماماً لولا وجود الأنياب والشارب، تقول (آن برومبيرج) المنسقة في متحف (سيسيل وآيدا غرين) للفنون القديمة والآسيوية، أن هذا الكائن الهجين هو واحد من بين أربعة مخلوقات أسطورية مركزية في الأبراج الصينية وتضيف: ”يوضح هذا الصرح كيف فهم الصينيون القدماء طبيعة الكون، ويشير وضعهم هذا الصرح للمرأة إلى أنها محمية ومباركة من قبل كائنات سحرية“.

فتاة تقف بجانب (بيكسي) في معبد (داي) في (شاندونغ) بالصين.
فتاة تقف بجانب (بيكسي) في معبد (داي) في (شاندونغ) بالصين. صورة: Lou-Foto/Alamy

لا تزال العديد من تنانين (بيكسي) في (سيتو) موجودة، وتضم المجموعة المشهورة عالمياً 13 صرحاً من طراز حقبة الإمبراطورين (مينينغ) و(تشينغ) وذلك بالقرب من (بكين)، بالإضافة لوجود جناح يضم شاهداً مثبتاً على سلحفاة برأس تنين يبلغ وزنها 50 طناً، ويتضمن اللوح البالغ طوله 8 أمتار سيرة ذاتية تتحدث عن أعمال الإمبراطور الثالث من أسرة (مينغ)، ويدعى (تشو دي) الذي عرف باسم إمبراطور (يونغل).

وقد تم تكريم الحكام اللاحقين بطريقة مشابهة، على سبيل المثال يوجد (بيكسي) في مجمع الأضرحة المعروف باسم Dingling كقاعدة للنصب التذكاري لإمبراطور (مينغ) الرابع عشر الذي يدعى (وان لي) Wan Li.

يبقى ضريح (مينغ زياولينغ) Ming Xiaoling أكبر النماذج في الصين، ويقع في النصب التذكاري لمؤسس أسرة (مينغ) بالقرب من (نانجينغ). دُفن المؤسس وهو (تشو يويوان تشانغ)، والذي يدعى بالإمبراطور (هونغوو) في أواخر القرن الرابع عشر ميلادي، وقد نقشت انتصاراته العديدة على شاهد القبر، والذي عُرف لاحقاً باسم ”صرح ميزة الآلهة وفضائل القديس“. يبلغ طول (البيكسي) ثلاثة أمتار، وقاعدته مصممة وفقاً للمذهب الرواقي، وهي ذات شكل بصلي. إن ارتفاع القاعدة ذاتها أعلى من العديد من النماذج الأخرى، ويمتد شاهد القبر منبثقاً من القاعدة ليصل إلى ارتفاع ستة أمتار متجهاً نحو السماء.

النصب التذكارية في معبد بوذي في (تونغدوسا) في كوريا الجنوبية.
النصب التذكارية في معبد بوذي في (تونغدوسا) في كوريا الجنوبية. صورة: Michele Burgess/Alamy

ظهرت العديد من هذه الصروح في بلدان مجاورة للصين، مع مرور الوقت امتدت حضارة وثقافة الصين لتعبر الحدود مؤثرة في لغة ومطبخ وفن جيرانها، يقع أحد هذه الصروح المميزة في (جيونجو) في كوريا الجنوبية، ويعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، ويمثل إشارة لمكان دفن (تايجونغ مويول) حاكم مملكة (شيلا).

تختلف أشكال هذه الصروح من مكان لآخر، ففي اليابان على سبيل المثال يتوّضع في (كاماكورا) تمثال (بيكسي) يشبه التمساح، يحمل على ظهره لوحاً حجرياُ ضخماً ليفصل بين مقابر (شيماتزو تاداهيسا) و(موري سوميتسو)، وهما مؤسسا عشائر الساموراي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وإلى الغرب في محافظة (توتوري)، يتم إحياء ذكرى (الدايميو)، أو ما يعرف بالأباطرة العظماء من عشيرة (إيكيدا)، عن طريق ألواح مثبتة على سلاحف ذات قواقع دائرية سميكة.

لعل أروع هذه الصروح يقع في (أوكيناوا)، وهي مجموع الجزر الجنوبية في اليابان، إذ يوجد هناك ما يعرف باسم (كاميكوباكا) –وتعني مقابر قواقع السلاحف– وهي مدافن عائلية قديمة ذات أسقف على شكل قواقع سلاحف منحنية التي ترمز بشكلها إلى رحم الأم.

وضح (كلارنس غلاكن) عام 1955م في إحدى منشوراته في قوله: ”تقرن القواقع المنحنية في التقاليد الشعبية بعودة المرء بعد الموت إلى رحم الطبيعة، وهو حسب معتقداتهم الأصل الذي خلق منه الإنسان“، ويتابع (كلارنس) ملاحظاته مشيراً إلى أن هذه الرمزية قد أتت من الصين، وتحديداً من مقاطعة (فوجيان)، حيث تزيّن المقابر التي تستخدم قواقع السلاحف بزخارف هندسية.

تطورت على مر العصور الشعائر الجنائزيّة، وفي حين لم تختف رمزية هذه المجسمات فإن إنتاجها لم يعد كما في السابق، إذ أوجدت طرق أقل تكلفة ومجهوداً لإظهار أهمية المرء أو لتكريم أعماله، ومنها الطرق الرقمية.

في نهاية الأمر فإن هذه الشواهد المنحوتة بعناية فائقة والكائنات الإسطورية التي تحملها هي بمثابة أعمال فنية قديمة، وهي تذكير برغبة الإنسان الدائمة بتخليد ذكراه والعيش في ذاكرة الناس، لتمتد حياته حتى بعد موته.

جاري التحميل…

0