معلومات عامة

قصة الهامستر السوري الذي غزا العالم

قد يعود الفضل في انتشار هذا الهامستر في جميع أنحاء العالم لباحث واحد فقط.

هامستر سوري في جحره

هناك العديد من الطرق لتخلّد اسمك وإرثك في التاريخ، وبالنسبة لعالم الأحياء اليهودي (إسرائيل أهاروني) الذي عمل في القدس أيام سيطرة الدولة العثمانية عليها، فإن إرثه سيدوم بمنح الأسماء العبرية للحيوانات التي تعيش في فلسطين ”الأرض المقدسة“، خاصة تلك الحيوانات غير المعروفة، وفي كثير من الأحيان كان ذلك يعني مطابقة أوصاف الحيوانات المكتشفة في القدس وحولها حديثاً مع تلك الأنواع المذكورة في التوراة، لكن الأسماء العبرية للحيوانات لم تكن إرثه الدائم الوحيد، فقد أمسك بحيوان بري غير معروف حينها وعمل على تكاثره، ليكون لذلك أثر كبير على العالم والقارض الصغير نفسه.

في ربيع عام 1930 قام (أهاروني) بعدة رحلات إلى تلال شمال سوريا بالقرب من حلب تحديداً، وكان الغرض من سعيه هذا بسيطاً: أراد إمساك نوع من الثدييات النادرة التي تعرف بالعربية باسم «القداد الذهبي»، ولم يكن الغرض من العثور على الحيوان هو سبغه باسمه العبري في التوراة فقط، بل كان هناك دافع آخر، إذ اعتقد أحد زملاء (أهاروني) وهو عالم الطفيليات (شاؤول أدلر)، أن هذا الحيوان قد يكون مشابهاً بما يكفي للإنسان كي يستخدم في مختبرات البحث الطبي، خاصةً لدراسة داء الليشمانيات الطفيلي الذي كان وما يزال شائعاً في المنطقة.

كانت الرحلة مليئة بالتحديات وكان أهمها (أهاروني) نفسه، فرغم أنه كان عالم أحياء جيد فذلك لا ينطبق على السفر، إذ إنه بحسب ما قال صديق له أثناء توثيق قصة (أهاروني): ”جبان حقيقي، دائم القلق حيال وسائل النقل، والطقس وقبل كل شيء، حيال كونه أقل الناس ارتياحاً في الرحلة، ومع ذلك كان فضولياً للغاية، مفعماً بالحاجة لاكتشاف أشياء جديدة، ما منعه من التوقف أو التراجع“.

الباحث في علوم الحيوان (إسرائيل أهاروني): في عام 1930 قام عالم الأحياء (إسرائيل أهاروني) بتنظيم رحلة استكشافية إلى تلال سوريا بالقرب من حلب لجمع بعض حيوانات القداد الذهبي.

الباحث في علوم الحيوان (إسرائيل أهاروني): في عام 1930 قام عالم الأحياء (إسرائيل أهاروني) بتنظيم رحلة استكشافية إلى تلال سوريا بالقرب من حلب لجمع بعض حيوانات القداد الذهبي – صورة: ويكيميديا

كان مساعد (أهاروني) في رحلته صياد محلي اسمه (جورج خليل طحان) الذي سبق وأن رأى «القداد الذهبي» في المنطقة وسيقود العالِم إلى حيث يمكنه العثور عليه مرة أخرى، كما طلب (أهاروني) من الصياد أن يسأل أي شخص يلتقي به على طول الطريق إذا ما رأى الحيوان الصغير، وقد توجب على (طحان) البحث في المنازل واحداً تلو الأخر يوماً بعد يوم في محاولة إيجاد القارض في المكان.

لم يحالفهم الحظ حتى 12 أبريل 1930 بعد أن قادتهم سلسلة من المحادثات مع السكان إلى مزرعة شُوهد فيها الحيوان مؤخراً، وبالفعل انطلق الرجلان وعدد من العمال الذين أمدهم بهم شيخ محلي للإمساك بالحيوان الصغير سريعاً. بدأ (طحان) وبعض القرويين بالحفر في أرض الشيخ المزارع الذي بدا في حالة من الفزع على محصوله من القمح الذي كاد يُخربه الجميع، حيث حفرت الجماعة بعمق مترين ونصف حيث وجدوا عش الحيوان المنشود الذي وجدوا فيها قوارض صغيرة ذهبية ذات فراء ناعم.

كان (أهاروني) قد عثر على أم وصغارها العشرة، أي مبتغاه تماماً وما كان يبحث عنه، وسريعاً أعطاها الاسم العبري (أوجر)، لكن من هذه الناحية لن تجرِي الأمور كما يرغب (أهاروني)، فالعالم أجمع يعرف هذا الحيوان الآن باسم «الهامستر السوري»، أو الهامستر فقط.

الهامستر السوري

الهامستر السوري – صورة: Heidi & Hans-Juergen Koch/ Minden Pictures/Getty Images

اليوم لن تجد صعوبة أبداً في إيجاد الهامستر السوري، لدرجة أن إعطاء رقم دقيق عن تعداده أمر مستحيل، حيث ستراه في حجرات الدراسة وغرف النوم، وكما تصوّر (أهاروني) في مختبرات الأبحاث أيضاً، فهو يعيش في المنازل ويتنقل تحت الثلاجات، ويقطع آلاف الكيلومترات على دواليب الهامستر في كل مدينة على الأرض تقريباً.

اكتشف الهامستر السوري لأول مرة وتمت تسميته من قبل (جورج روبرت واترهاوس) في عام 1839، ولكنه لم يُشاهَد منذ ذلك الحين، فراح طي النسيان حتى قدوم العالم اليهودي (أهاروني).

أما بالنسبة لحيوانات الهامستر الأولى التي تبناها العالم، فهي أول مجموعة جرت دراستها بالتفصيل وبعناية، لكنه أراد ما هو أكثر من دراستها، أراد جعلها تتكاثر بحيث يمكن استخدامها كحيوانات مخبرية على نطاق واسع، حيث أنه كان يجري آنذاك استخدام نوع آخر من الهامستر للأبحاث في الصين، لكنها كانت غير قادرة على التكاثر في الأسر، ولذلك وجب جمعها من البرية في كل مرة، وكان (أهاروني) يعتقد لسبب ما أنه سيكون أوفر حظاً مع الهامستر السوري، وهذا ما حدث بالضبط.

لكن ليس بسهولة، فلم يستطع (أهاروني) اصطحاب كل حيوانات الهامستر إلى مختبره في القدس، ففي حقل القمح بدأت الأم عند وضعها في صندوق بأكل صغارها، وكما كتب العالم في مذكراته: ”رأيت الهامستر الأم تقطّع بقسوة قبيحة رأس صغيرها الذي اقترب منها“. كانت ردة فعل الصياد أن قتل الأم سريعاً حتى لا تأكل بقية صغارها، وهو ربما ما كان تصرفاً غير حكيم لأنه ترك الصغار وحدها غير قادرة على إطعام نفسها، فعاد (أهاروني) بتسعة فئران هامستر فقط إلى القدس، كل واحد منها لا حول له ولا قوة، وعيونها لم تُفتح بعد.

عمد العالم إلى تغذية الصغار بقطارة عين عادية، فجرت الأمور بشكل جيد لبعض الوقت، وربما جيد أكثر من اللازم، ففي إحدى الليالي تمكنت خمسة فئران هامستر كاملة النمو من مضغ طريقها خارج قفصها الخشبي ولم يُعثر عليها بعدها أبداً، وبذلك بقيت أربعة، وفي وقت لاحق أكل واحدٌ منها إحدى الإناث، وهكذا بقي هناك ثلاثة فقط، زوج من الإناث وذكر كبير، لذا كانت فرص نجاح مبتغى العالم تقل يوماً بعد يوم، لكن مساعده الذي كان يعتني بهذه الحيوانات الصغيرة فصلها عن بعضها وجهز غرفة خاصة مليئة بالقش لتتكاثر فيها، وضع أنثى واحدة في الغرفة وبعد أن وجدت بقعة هادئة في التبن وضع معها الهامستر الذكر الوحيد الباقي على قيد الحياة، وما هي إلا مطاردات قليلة ووقت قصير حتى تزاوج الكائنان الصغيران.

ومنذ ذلك الحين والثنائي يتكاثر وينجب حتى وصل عدد صغاره إلى 150 هامستر جميعهم من ثنائي وحيد أخير، ومنهم ولد الآلاف ثم عشرات الآلاف حتى وصل العدد إلى ما هو عليهم اليوم من فئران الهامستر، التي استعمرت العالم بعد أن جرى تهريب بعضها من القدس في جيوب المعاطف، وبعضها الآخر سلك الطرق التقليدية في أقفاص أو صناديق التعبئة، وقد انتشرت مثلما انتشر الناس في الرواية التوراتية؛ من ذكر وأنثى مُحددين، وبالتالي فإن كل هامستر ذهبي حالي على وجه الأرض ينحدر من الزوج الذي وجده ورعاه العالم (أهاروني).

منذ ذلك الحين كُتبت مئات وربما الآلاف من الأوراق البحثية حول هامستر المختبرات، وتم استخدامها لفهم الساعة البيولوجية والتواصل الكيميائي والجوانب الأخرى لبيولوجيا الثدييات الأساسية، لكن تأثيرها البحثي الأعظم كان في سياق الطب، فقد خدم الهامستر لفترة طويلة كواحد من أهم حيوانات التجارب والبحوث التي ساعدت في بناء فهمنا للأمراض البشرية وعلاجاتها، ومن المفارقات أن نجاح الهامستر في البحث الطبي شيء لم يتوقعه (أهاروني)، حيث أنّ تربية الهامستر في الأسر جعلها تعاني من اضطرابات خلقية في القلب (اعتلال عضلة القلب التوسعي على وجه الخصوص)، ما جعله مرض القلب الشائع بين فئران الهامستر المنزلية كما هو الحال لدينا نحن البشر، هذه المشكلة الصحية بالذات هي التي جعلتها نماذج حية مفيدة لدراسة الأمراض القلبية، وبذلك فإن هذه الكائنات الصغيرة، ربما أكثر من أي نوع آخر، تموت مثلما نموت، ولهذا السبب فمن المرجح أن يستمر استخدامها في المختبرات لمساعدتنا على فهم أنفسنا.

من ناحية أخرى فقد ثبت أن فهم الهامستر بحد ذاته أكثر صعوبة، فلا تزال الأنواع البرية من الهامستر غير مدروسة نسبياً، ولا يوجد حولها سوى الورقة البحثية التي نشرها (أهاروني) حول ما رآه في عام 1930 عن عمق الجحر والظروف المحيطة وماذا كان يأكل هذا القارض، وما زالت الملاحظات عن الهامستر السوري في البرية نادرة، فقد انطلقت عدة حملات للبحث في هذا الصدد، واحدة في عام 1981 وأخرى في عام 1997 والأخيرة في عام 1999، ولكن لم تحرز أي منها تقدماً يذكر، فلم يتم العثور على الهامستر السوري البري خارج الحقول الزراعية، وحتى في الحقول فهي ليست شائعة، ولا توجد إلا في جزء صغير من سوريا وليس في أي مكان آخر.

أين هي الآن؟ ربما في مكان بعيد عن المزرعة التي وجدها بها (أهاروني)، وربما في حقول القمح القريبة، لا أحد يعرف ولن نعرف إلا بإطلاق رحلة استكشافية جديدة للبحث عن هذا الكائن الصغير الذي ربما هاجر خارج البلاد كحال الكثيرين اليوم.

عدد القراءات: 6٬782