تاريخ

الوباء المفقود: لماذا لم يمرض الأوروبيون الذين غزوا القارة الأمريكية؟

عام 1492 وصل الأوروبيون إلى القارة الأمريكية (أو القارتين الأمريكيتين حسب أي تصنيف تفضل) للمرة الأولى باستثناء وصول الفايكنغ سابقاً، ومع هذا الاكتشاف العظيم والذي حدث بشكل لم يخطط له مسبقاً سرعان ما انتقلت أوروبا إلى عصرها الذهبي وتحولت إلى مجموعة من الإمبراطوريات العملاقة التي حكمت معظم مناطق العالم في وقت من الأوقات، لن هذا الثراء المفاجئ والنمو السريع لم يأتي بالسلم والدبلوماسية وإنما بحروب دموية وإبادة كانت من الأكبر في التاريخ بحق الأمريكيين الأصليين الذين سموا خطأً باسم ”الهنود الحمر“.

ما يعرفه -أو على الأقل يظنه- معظم البشر أن الاحتلال الأوروبي للأمريكيتين كان سبب انحدار عدد السكان الأصليين واختفائهم نسبياً حتى، لكن على الرغم من كل الدموية التي كانت موجودة وحتى مع التفوق التقني العملاق وتوافر الأسلحة النارية؛ فالسبب الأساسي لموت الغالبية العظمى من السكان الأصليين لم تكن الحروب بشكل مباشر، بل كانت أشبه بحرب بيولوجية قضت على السكان الأصليين وتركتهم لقمة سائغة أمام الرجل الأبيض.

لماذا مات السكان الأصليون للأمريكيتين؟

السكان الأصليون للأمريكيتين

الغزو الأوروبي ترك الكثير من القتلى من السكان الأصليين الأمريكيين دون شك، لكن القاتل الأساسي كان الأمراض والأوبئة المحمولة من العالم القديم.

عند وصول كولومبوس إلى ”العالم الجديد“ عام 1492 كان هناك الكثير من السكان الأصليين، حيث أن التقديرات تشير إلى رقم يتراوح بين 10 حتى 100 مليون شخص، مع معظم التقديرات التي تعتبر 50 مليوناً كالرقم الأقرب للواقع. هذا الرقم قد لا يبدو كبيراً اليوم، لكن بالنسبة للقرن الخامس عشر فقد كان كبيراً جداً حيث كانت أوروبا بأكملها مأهولة من 90 مليون شخص فقط، لكن بحلول القرن السابع عشر كان العدد [أي الـ50 مليون] قد انخفض بشكل حاد مع موت أكثر من 90٪ من السكان الأصليين، وهذه الوفيات أتت بسبب الفاتحين الجدد، لكن ليس بسيوفهم… بل بسبب كائنات مجهرية لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة ولم تكن معروفة حتى وقت قريب جداً من الآن: البكتيريا والفيروسات.

والذي تسبب بهذه الوفيات لم يكن أي بكتيريا أو فيروسات، بل مجموعة صغيرة منها تعرف بكونها وبائية وسريعة الانتقال للغاية عدا عن كونها قاتلة سريعة جداً وتقضي على معظم ضحاياها خلال أسابيع من إصابتهم، والسبب بكونها كانت قاتلة سريعة جداً في هذه الحالة هو كونها أمراضاً جديدة تماماً حينها بالنسبة للعالم الجديد، والسكان الأصليون لم يمتلكوا أية مناعة ضدها، تضمنت هذه الأوبئة الجدري والحصبة والسعال الديكي والسل والنكاف والكوليرا وبالطبع: الطاعون.

كانت هذه الأوبئة تحصد حياة مئات الآلاف والملايين في العالم القديم طوال الوقت، لكن بالنسبة للعالم الجديد فقد كانت أمراضاً جديدة لم يحملوا أية مناعة مسبقة ضدها، وبسبب انتشارها السريع جداً فقد عاثت بهم قتلاً وقلصت أعدادهم بحيث باتت مقاومتهم للغزو الأوروبي مستحيلة تماماً، فمن لم يكن قد قتل من الأوبئة، كان قد تضرر منها بشكل كبير على الأقل.

لماذا لم يحصل العكس؟

الطاعون في أوروبا

طوال قرون عانى العالم القديم من أوبئة متتالية قتلت الكثير من الناس لكنها بنفس الوقت رفعت المناعة، لكن بالنسبة للأمريكيتين كانت الأمور مختلفة.

فهم سبب موت السكان الأصليين بسبب أمراض الغزاة الأوروبيين مفهوم للغاية بسبب انعدام مناعتهم، لكن لماذا لم يجري الأمر بالاتجاهين معاً ويصاب الأوروبيون بأوبئة العالم الجديد وربما ينقلونها إلى القارة العجوز لتعيث قتلاً في العالم القديم؟

الأمر هنا لا يأتي بسبب قلة الأمراض مثلاً، فالعالم الجديد كان يمتلك تشكيلته الخاصة من الأمراض بالطبع، لكنه لم يمتلك ”أوبئة“، والفرق بين الأمراض العادية والأوبئة كبير للغاية ومهم جداً بالنسبة للأمر هنا.

الأمراض العادية كالزكام مثلاً أو الالتهابات المتعددة أو حتى التهاب الكبد الوبائي هي أمراض تبدو وكأنها مصممة للبشر، فهي تنتشر بسرعة عادية وطرق متعددة، والأهم أنها غير قاتلة سريعة، فبالنسبة للأمراض العادية؛ لا يعد قتل المريض هو الهدف، بل أنه خطأ سيء جداً أشبه بأن يقوم شخص ما بحرق منزله، فبالنسبة للبكتيريا التي تسبب الأمراض المعتادة فنحن أشبه بمنزلها بكوننا نوفر لها التغذية بسبب كونها طفيلية علينا، كما نساعدها على التكاثر والانتشار، لكن الأوبئة قصة أخرى مختلفة.

بالنسبة للأوبئة فوجودها في البشر لا يعدو عن كونه خطئاً سيئاً جداً فقط (من وجهة نظرها ومن وجهة نظرنا كذلك) فالأوبئة تنتقل بسرعة كبيرة جداً لكنها تقتل بسرعة كبيرة جداً كذلك، لذا فبالنسبة للبشر طوال معظم أوقات حياتهم قبل الحضارات لم تكن الأوبئة ممكنة حتى كونها ستصيب فرداً ضمن جماعة صغيرة يعدي كل من حوله ويموتون جميعاً تقريباً خلال وقت قصير وبذلك يموت المرض معهم وينتهي تماماً، وهنا تأتي ربما المعيار الأساسي لنشوء الأوبئة: المدنية والتنقل السريع.

بالطبع فالمدنية ليست كافية بل هناك عدة عوامل أساسية سنذكرها هنا:

1. المدنية الحديثة:

عبر التاريخ عاش البشر على شكل جماعات صغيرة إلى حد بعيد، ولم يبدأ الأمر بالتغير حتى بضعة ألفيات مضت مع نشوء القرى ومن ثم المدن الصغيرة التي كان يسكنها بضعة مئات فقط وصولاً إلى المدن الكبرى التي يسكنها مئات الآلاف من الأشخاص في أوساط مزدحمة جداً، ومع زيادة الازدحام هناك شيء آخر يتناقص بسرعة: النظافة العامة، فالأعداد الكبيرة للبشر المتركزين في مساحات ضيقة تعني نفايات كثيرة وحتى فضلات بشرية بكميات كبيرة تجعل انتقال الأمراض والأوبئة أسرع بكثير، والأهم أنها تزود هذه الأمراض بعدد كبير ممن يحملونها، أي أنها تدوم أكثر.

كما ذكرنا أعلاه فالجماعات البشرية الصغيرة ليست مناسبة للأوبئة الخطيرة سريعة الانتشار، فمجموعة من عشرات أو حتى مئات لا تكفي لنشر المرض بل أن معظم أفراد الجماعة سيموتون بسرعة من مرض مثل الطاعون أو الكوليرا ليتركوا عدة أشخاص منيعين ضد المرض وغير كافين لنشره بين الآخرين، خصوصاً وأن الجماعات الصغيرة عادة ما تكون معزولة ولو بشكل صغير عن سواها على عكس المدن التي يدخلها ويخرجها الآلاف طوال الوقت وتشهد عشرات ومئات الولادات كل يوم معطية ضحايا جدد محتملين للأوبئة.

الأمر هنا ليس كافياً بالطبع، فعلى الرغم من أن السكان الأصليين للأمريكيتين كانوا أقل تمدناً من نظرائهم في أوروبا وآسيا فقد كانوا يمتلكون العديد من المدن (معظمها في أمريكا الجنوبية والوسطى) وبعضها كبير جداً حتى كما أنهم كانوا يمتلكون طرق اتصال فعالة ولم يكونوا منعزلين تماماً عن بعضهم البعض وإلا فالأوبئة الأوروبية لم تكن لتنتشر هناك أصلاً، وهنا يأتي دور الجزء الثاني من الأحجية، فمع أهمية المدن في الأوبئة فالقطعة الأهم ربما هي الحيوانات، وهنا المقصود هو الحيوانات المستأنسة لا البرية.

2. الحيوانات المستأنسة:

بقرة

شهدت العصور الوسطى تضخم المدن التدريجي وتركيز وجود الحيوانات بشكل كبير بالإضافة للإزدحام الذي جعل الأمراض تلاقي بيئة خصبة.

بالنسبة لليوم فالقارتان الأمريكيتان تمتلكان كل الحيوانات المستأنسة التي تخطر بالبال، سواء كانت الدجاج الذي يربى بالمليارات كل عام أو الأبقار والأغنام الموجودة بعشرات الملايين عدى عن حيوانات المزرعة الأخرى مثل الخنازير والأحصنة وسواها، لكن الأمور لم تكن دائماً على هذا الحال بالنسبة لهذه المنطقة الجغرافية الشاسعة، ففي معظم الوقت الذي سكنها البشر فيه لم تكن القارتان تمتلكان أياً من الحيوانات المهمة مثل الأبقار والأغنام والخنازير أو حتى الدجاج والأحصنة التي أتت للمرة الأولى مع الغزاة الأوروبيين.

ربما يخطر ببالك أن الصورة النمطية للسكان الأصليين كانت كمحاربين أشداء مع دهانات حرب على وجوههم وأزياء مميزة يمتطون ظهور أحصنتهم ويقاتلون القبائل أو المدن الأخرى، لكن هذه الصورة مغلوطة تماماً فتنقلاتهم وحروبهم وسواها كانت تتم مشياً على الأقدام بالدرجة الأولى مع غياب الحيوانات، فالطبيعة الخاصة بالقارتين الأمريكيتين عنت أن السكان الأصليين سحبوا الورقة الخاسرة في يانصيب استئناس الحيوانات.

بالطبع، لم تخلُ القارتان من الحيوانات تماماً بل تمتلكان تنوعاً كبيراً في الحياة الموجودة هناك، لكن أنواع تلك الحيوانات كان عاملاً أساسياً، فبينها لم يمتلك السكان الأصليون سوى حيوان اللاما في أمريكا الجنوبية، والذي على الرغم من أنه أفضل من لا شيء فهو ليس سهل القيد والرعي ووفير اللحم مثل الأبقار والأغنام والدجاج، وبالطبع فهو ليس سريعاً وقوياً كفاية لحمل البشر مثل الأحصنة.

كانت آكلات العشب الأخرى المتاحة للأمريكيين هي الغزلان، التي يستحيل التقاطها تقريباً وحتى في حال أسرت فهي تستطيع الهروب بسهولة، أو الثيران الأمريكية (البوفالو) والتي تشبه دبابة على حوافر قادرة على جرف كل شيء أمامها.

لماذا لم يمتلك الأمريكيون الأصليون حيوانات مستأنسة؟

لاما

اللاما حيوان جيد عموماً، لكنه لا يقارن بالأحصنة أو الأبقار أو الدجاج أو الأغنام حتى من حيث فوائده.

لم يكن الأمريكيون الأصليون مختلفين عن البشر الآخرين بشيء فعلياً، ولم يأتي نقص الحيوانات الأليفة من قلة المحاولة أو الكسل أو العجز، بل أتى ببساطة بسبب كون الحيوانات المتاحة أمامهم غير مناسبة للاستئناس حقاً. الأمر هنا يعتمد على عدة معايير لجعل الحيوانات قابلة للاستئناس، والأمر يبدأ من كونها آكلات عشب أو نباتية عموماً، وينتهي بـ”القيم العائلية“ والبنى الخاصة بجماعات هذه الحيوانات.

لا يمكن بطبيعة الحال استئناس أي نوع من الحيوانات، بل بعضها قابلة للاستئناس بعد بعض التعب، بينما الأخرى غير قابلة لذلك مهما اشتدت المحاولات، فالأحصنة التي استأنسها البشر في آسيا كانت وكأنها مجهزة للأمر بسبب تركيبتها العائلية والتراتبية في السلطة مما عنا أن الهيمنة على قائد القطيع كافية لقيادة القطيع بأكمله واستئناسه، لكن أقرباء الأحصنة: الحمير الوحشية الموجودة في أفريقيا وتكاد تطابقها جينياً لا تمتلك تلك التراتبية وتعيش في قطعان كبيرة دون اهتمام لأي تراتبية مما يجعلها حيوانات سيئة لتكون مستأنسة، وهذا ما منع البشر من الخروج من أفريقيا إلى أوراسيا على ظهور الحمير الوحشية بدلاً من الخروج مشياً.

العامل المهم من ناحية أخرى هو القدرة على التلاعب الجيني، فالحيوانات التي نعرفها اليوم لم تكن دائماً هكذا بل نحن من جعلناها كذلك بمزاوجتها وفق رغبتنا وإبقاء الأفراد الأنسب لحاجاتنا فقط، فمثلاً بالنسبة للخنازير التي تحمل وتلد ومن ثم تصل أطفالها للبلوغ الجنسي خلال وقت قصير مثالية لتهجن بحيث تتحول من الخنازير البرية الطائشة والمدمرة إلى خنازير المزرعة المسالمة والساكنة، لكن الفيلة مثلاً لا يمكن تطبيق ذلك عليها أبداً وفي حال محاولته فيجب أن يتم على مدى أجيال بشرية عديدة مع حفظ سجلات بشكل غير مناسب للبشر القدماء.

بالمحصلة، كانت أوراسيا وأفريقيا محظوظة بالحيوانات التي أتيحت لها لا أكثر.

3. دور الحيوانات المستأنسة في نشر الأمراض:

الغالبية العظمى من الأمراض والأوبئة الكبيرة تأتي إلينا أولاً من الحيوانات، ووجودها المركز والتعامل المكثف للبشر معها يجعل فرصة انتشار سلالات مرضية جديدة أكبر.

نسبة كبيرة من الأوبئة تأتي إلينا من الحيوانات في الواقع، فالسعال الديكي أتى من الخنازير، والزكام أتى من الخنازير والطيور بأشكاله الوبائية الحديثة، والأبقار وحيدة مسؤولة عن عدة أمراض فتاكة مثل الحصبة والسل وبالطبع الجدري. بالنسبة لهذه الحيوانات فهذه الأمراض ليست مشكلة كبيرة وتستطيع التعايش معها، فالمرض الذي يقوم بإضعاف بقرة بشكل طفيف يقتلنا بشكل كامل كبشر، وهذا ما يعد معاكساً لمصلحة المرض بحد ذاته، لكنه يحصل.

انتقال الأمراض من الحيوانات إلى البشر ليس أمراً سهلاً، فاحتماله ضئيل جداً ويبدو معدوماً نظرياً حتى، لذلك تعيش أجيال من الرعاة مع الحيوانات دون أن تصاب بأمراضها، لكن المدن هنا تغير المعادلة بشكل كبير بحيث أن التركيز الكبير للحيوانات في المدن (قبل الثورة الصناعية والتطور الحالي للمدن) وعدد البشر الهائل فيها جعلها مكاناً ممتازاً لتركيز احتمال انتقال الامراض إلى البشر، وعلى الرغم من الاحتمال الصغير هذا فكل مرة تمكن مرض من الانتقال أدى بذلك إلى وباء كبير، حتى في عالمنا الحديث مع حالات مثل انفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير وسارس.

بالنسبة للأمريكيتين كانت المدن أقل وأصغر عموماً، والحيوانات شبه منعدمة حتى أن معظم اللحوم تأتي من الصيد لا من الحيوانات المستأنسة، لذا فاحتمال ظهور طاعون أو جدري أمريكي كان مستبعداً للغاية وهذا ما جعل الأمريكيين الأصليين يموتون من أمراض الأوروبيين، بينما الأوروبيون بقوا سليمين إلى حد بعيد ولم ينقلوا أوبئة تقضي على أبناء جلدتهم في العالم القديم.

هل كان من الممكن أن تحدث الأمور بشكل معاكس؟

ماذا لو تخيلنا الأمور بشكل معاكس لما كانت عليه، أمريكيتان مع أبقار وأغنام وخيول ودجاج وسواها، وأفريقيا وأوراسيا مع حيوانات غير قابلة للاستئناس وبعض اللاما فقط.

هذا التغيير يحدث كل الفرق الممكن، فالحيوانات المستأنسة كانت أساسية لقيام الحضارات القديمة ونشوء المدنية قبل الثورات الصناعية، لذا فلو كانت الأمور بشكل معاكس فالأمريكيتان كانتا لتكونا أكثر ازدهاراً بكثير من العالم القديم في خطنا الزمني هذا ومع أوبئة في الأمريكيتين دوناً عن أوراسيا وأفريقيا فالموت العظيم كان سيأتي بشكل معاكس لما شهده العالم الحالي، واستعمار الأمريكيتين كما حدث في عالمنا كان ليكون متعذراً على الأرجح.

عدد القراءات: 2٬363