in

كيف تمكنت خدعة عملاق كارديف من إقناع الآلاف بأن العمالقة كانوا حقيقيين؟

كان القرن التاسع عشر عصرا ذهبيا للمغالطات والخدع في أمريكا، لذا عندما عثر رجلان على عملاق يبلغ طوله 3 أمتار مدفونا في مزرعة في نيويورك، لم يقم إلا قلة قلائل من الناس بالتشكيك في هذا الاكتشاف.

عملاق كارديف

كان القرن التاسع عشر بمثابة العصر الذهبي للمغالطات والحيل والخدع، لذا عندما عثر رجلان بسيطان على عملاق يبلغ طوله 3 أمتار مدفونا تحت مزرعة في مدينة (كارديف) في ولاية نيويورك، راح الآلاف من الناس يدفعون المال لمجرد إلقاء نظرة عليه. وبينما راحت عناوين الصحف تتناقل نبأ هذا ”الاكتشاف“، قلة من الناس فقط من شككت في صحته وفي نظرية ”العملاق المتحجر“.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، سنسرد عليك عزيزي القارئ قصة خدعة عملاق كارديف.

جذب عملاق كارديف الكثير من الاهتمام

بينما كانا يحفران بئرا في السادس عشر من أكتوبر 1869، اكتشف عاملان بسيطان أمرا غير مألوف تحت الأرض التي كانا يحفران فيها: قدم حجرية هائلة الحجم مدفونة على عمق متر. عندما استمر الرجلان بالحفر، اكتشفا وجود ما بدا وكأنه رجل عملاق متحجر، فقال أحدهما: ”اعتقدت أن أحد الهنود الحمر القدامى دفن هنا“.

سرعان ما أعلن (ويليام نيويل)، وهو مالك الأرض التي عثر على العملاق المتحجر فيها، عن الأمر على أنه اكتشاف عظيم، فقام بنصب خيمة حول العملاق وبدأ يقبض مبلغ 25 سنتا عن كل زائر يرغب في رؤيته، وفي غضون يومين، رفع (نيويل) السعر إلى 50 سنتاً، وكان تجارته الصغيرة هذه تعرف ازدهارا كبيراً.

جذب هذا الاكتشاف الذي سرعان ما اشتهر باسم ”عملاق كارديف“ اهتمام الناس من كل الولايات المتحدة، ورد في صحيفة (سيراكوس) لاحقا: ”ترك الرجال أعمالهم، وجلبت النساء أطفالهن وأبنائهن وهرعن إلى الموقع لرؤيته“.

كان من بين الأشخاص الذين سارعوا إلى إلقاء نظرة على هذا ”الاكتشاف“ هو أول رئيس لجامعة (كورنيل)، وهو (آندرو وايت)، الذي قال آنذاك: ”كانت الطرقات مزدحمة بالعربات القادمة من مختلف المدن“، وأضاف: ”وكذا عربات الخيول التي قدمت من المزارع والأرياف، والتي كان جميعها محملا بالمسافرين“.

حج الآلاف إلى الموقع لإشباع ناظريهم بالعملاق المتحجر

عندما وصل الزوار إلى مدينة (كارديف)، هرعوا مسرعين إلى خيمة (نيويل)، وهناك وقفوا مذهولين أمام العملاق المتحجر، وصف (وايت) الأمر قائلا: ”كان العملاق مستلقيا في قبره“، وأضاف: ”وكان النور الخافت من سقف الخيمة ينيره، وكانت أطرافه ملتوية كما لو كان يصارع الموت. لدى هذا المنظر أغرب تأثير على الإطلاق، وساد جو من الجدية في المكان، وكان الناس لا يتكلمون بل يهمسون همساً“.

صورة تظهر استخراج عملاق كارديف.
صورة تظهر استخراج عملاق كارديف.

احتفت الصحف والجرائد بهذا الاكتشاف الذي أطلقت عليه صحيفة (سيراكوس دايلي ستاندارد) اسم ”الأعجوبة الجديدة“، بينما وصفته صحيفة أخرى على أنه ”اكتشاف فريد من نوعه“.

خلال الأسبوع الأول وحده بعد اكتشاف عملاق كارديف، تدفق حوالي 2500 شخص للموقع لرؤيته.

تجادل الزوار حول أصل عملاق كارديف

ما كان عملاق كارديف بالتحديد؟ في سنة 1869، اعتقد الكثيرون أنه كان عبارة عن رجل قديم تحجرت جثته مع مرور الزمن. بعد كل شيء، كانت مدينة كارديف تزخر بعدة حفريات تاريخية مهمة، لذا اعتُقد بشكل واسع بأن عملاق كارديف كان عملاقا من المذكورين في الكتاب المقدس الذي حفظته الطبيعة منذ زمن بعيد.

وفقا لقس من مدينة سيراكوس —مدينة في ولاية نيويورك وليس سرقسطة الإسبانية— كان عملاق كارديف دليلا إضافيا على صحة ما جاء في الإنجيل، فقال: ”ليس غريبا أن كل كائن بشري بعد رؤية هذه الشخصية المحفوظة بشكل رائع، لن يكون بمقدوره نفي هذا الدليل وتكذيب حواسه“، واستطرد القس بالقول: ”ورفض الاعتقاد بما هو واقع تدعمه دلائل، بأن ما هو موجود أمامنا حفرية إنسان عملاق، وربما كان أحد العمالقة المذكورين في الكتاب المقدس“.

قال رئيس جامعة (كورنيل) بأن المؤمنين بنظرية عملاق الكتاب المقدس تصرفوا: ”على عكس ما تشير إليه جميع الأدلة العلمية“.

في تلك الأثناء، وضع محاضر علمي من سيراكوس نظرية أخرى مختلفة مفادها أن اليسوعيين الفرنسيين قاموا بنحت هذا التمثال قبل قرون من الآن. تم دعم نظرية التمثال المنحوت من طرف خبير الجيولوجيا (جايمس هول)، الذي أطلق على العملاق الحجري اسم ”أكثر غرض مثير للاهتمام يتم العثور عليه في بلدنا“.

باحتدام الجدل حول الموضوع، اقترح (ويليام نيويل) إعادة دفن العملاق والتخلص من الأمر، لكن جيرانه أوقفوه ومنعوه من القيام بذلك، وجادلوه بأن لعملاق كارديف قيمة تاريخية. وقبل أن يمضي وقت طويل، قبل (نيويل) عرض شراء من رجل أعمال بـ30 ألف دولار.

كانت قصة عملاق كارديف حيلة، وكان (نيويل) متورطا فيها منذ البداية

مثلما اتضح الأمر لاحقاً، كانت خدعة كارديف حيلة منذ بدايتها، حيث كان (جورج هول)، وهو قريب (ويليام نيويل)، هو من نحت التمثال خلال ستينيات القرن التاسع عشر بعد أن نشب جدال حاد بينه وواعظ ميثودي الذي أصر على التأويل الحرفي للكتاب المقدس، وحتى عندما تعلق الأمر بالآية التي تقول بأنه كان هنالك عمالقة يجوبون الأرض، واصل الواعظ عناده وتشبث بآرائه.

بعد الجدال، قال (هول): ”وفجأة خطرت في بالي فكرة نحت رجل صخري عملاق، والترويج له على أنه رجل متحجر“.

نشرت مجلة The Strand صورة لعملاق كارديف في تسعينيات القرن التاسع عشر.
نشرت مجلة The Strand صورة لعملاق كارديف في تسعينيات القرن التاسع عشر.

بدأت خدعة (هول) في الواقع في ولاية (آيوا) الأمريكية، حينما اشترى كتلة صخرية هائلة الحجم مبررا ذلك بأنه سيحولها إلى صرح لتخليد آبراهام لينكولن. ثم قام بشحنها إلى شيكاغو حيث نحتها نحات ألماني.

بعد ذلك، شحن المنحوتة عبر القطار من شيكاغو إلى نيويورك، وهناك دفنها بمعية قريبه (نيويل) في نوفمبر 1868.

تقريبا بعد عام من دفنه للمنحوتة الصخرية، أمر (نيويل) اثنين من العمال بحفر بئر في الموقع المحدد الذي دفن فيه عملاق كارديف. في غضون أسابيع معدودة، تمكن (هول) و(نيويل) من تحقيق ثروة صغيرة من وراء هذه الخدعة.

نفذ (جورج هول) هذه الخدعة لينتقد المعتقدات الدينية

لم تكن خدعة كارديف لمجرد ربح المال فقط، حيث رغب (هول) من ورائها إثبات وجهة نظره حول العلم والدين. إذا انطلت الحيلة على الناس، فذلك سيثبت سهولة إقناعهم وفي نفس الوقت سيضعف التأويل الحرفي للكتاب المقدس.

كملحد يعيش في القرن التاسع عشر، كان (هول) جزءا من أقلية وشعر وكأنه منبوذ اجتماعيا، لذا أراد أن يجعل من منتقديه يظهرون بمظهر الحمقى من خلال هذه الخدعة.

مازال بإمكان الزوار مشاهدة عملاق كارديف اليوم في متحف المزارعين في مدينة (كوبرستاون).
مازال عملاق كارديف يجذب السواح لرؤيته في متحف المزارعين في مدينة (كوبرستاون) في نيويورك. الصورة حوالي سنة 1955.

أصبح (هول) مهووسا بالخدعة لدرجة أنه أنفق تقريبا 3000 دولار على تكاليف نحت التمثال ونقله، غير أن استثماره كان رابحاً لأن مجموعة من رجال الأعمال اشترته منه مقابل مبلغ 30 ألف دولار.

ظهور عدة نسخ مقلدة عن عملاق كارديف

عندما عرض مؤدي العروض (بي تي بارنوم) شراء عملاق كارديف مقابل مبلغ 50 ألف دولار، رُفض عرضه هذا لذا قام بتوظيف نحات من أجل إعداد نسخة مقلدة عنه.

ولم تكن نسخة (بارنوم) هي النسخة المقلدة الوحيدة عن تمثال عملاق كارديف، حيث في غضون أشهر قليلة، راحت النسخ المقلدة تظهر هنا وهناك عبر كامل الولايات المتحدة الأمريكية.

مازال بإمكان الزوار مشاهدة عملاق كارديف اليوم في متحف المزارعين في مدينة (كوبرستاون).
مازال بإمكان الزوار مشاهدة عملاق كارديف اليوم في متحف المزارعين في مدينة (كوبرستاون).

سرعان ما انتشرت أنباء كون الأمر عبارة عن خدعة. على ما يبدو اعترف النحات الألماني الذي نحت العملاق عن الخدعة لصحيفة (شيكاغو تريبيون).

لخصت مجلة Philadelphia Inquirer موجة العمالقة المتحجرين التي اجتاحت البلد على أنها: ”تجعلنا نشعر بالظلم لتعرضنا لخدعة تلو خدعة بهذا الشكل“.

وحتى بعد أن كشفت الخدعة، مازال الكثيرون يرغبون في إلقاء نظرة على عملاق كارديف، فتم عرض التمثال في معرض Pan-American سنة 1901، ثم بيع لاحقاً لمعرض في (آيوا).

في سنة 1947، عاد عملاق كارديف إلى نيويورك، حيث أصبح بإمكان الناس مشاهدته في متحف المزارعين في مدينة (كوبرستاون).