in

هل سمعت بوباء «التعرق الإنجليزي» الذي حير أطباء العصور الوسطى، والذي يعتقد العلماء المعاصرون أن فيروس هانتا هو سببه

لوحة الحسناء النائمة

شكلت الأمراض تهديداً كبيراً وخطيراً على حياة وصحة البشر خلال العصور الوسطى، أغلب هذه الأمراض كانت تنتج عن قلة الاهتمام بالنظافة الشخصية وعدم تشخيص الأمراض بشكل جيد، مما تسبب بإصابة البشر بأنواع لا تعد ولا تحصى من الأمراض، التي حيرت أطباء العصور الوسطى ولم يجدوا لها علاجاً، ولكن المرض الذي لا يزال حتى الآن لغزاً طبياً وتاريخياً هو مرض «التعرق الإنجليزي».

اجتاح وباء غامض أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كان المُصاب بهذا المرض يعاني أولاً من حمى ورعشة باردة، إلى جانب الصداع وآلام شديدة في الرقبة والكتفين والأطراف، وشعور بوهن كبير، تستمر الرعشة الباردة لمدة تتراوح بين النصف ساعة والثلاث ساعات، وبعدها تأتي مرحلة السخونة، حيث يبدأ المريض بالتعرق الشديد والعطش مصحوباً بالهذيان وتسارع في ضربات القلب وآلام في الصدر، أما المرحلة الأخيرة من المرض تكون عندما ينهار المريض ويغفو، ولكن لا يستيقظ ثانيةً.

أما بالنسبة للجانب الأكثر رعباً بخصوص هذا المرض، هو الموت السريع الذي يلحق بالمصابين به، حيث أن معظم المصابين به قد لقوا حتفهم في غضون 18 ساعة بعد ظهور الأعراض عليهم، أما الذين تمكنوا من الصمود لمدة 24 ساعة فإنهم كانوا يتماثلون بالشفاء التام.

تفشى مرض التعرق وخمسة أوبئة أخرى بين عامي 1485 وعام 1551، فقد ظهر مرض آخر أُطلق عليه اسم «بيكاردي سويت»، الذي انتشر في شمال فرنسا بين عامي 1718 و1874، حيث أصيب حوالي 200 شخص به ولكن نسبة الوفيات كانت قليلة.

ظهر مرض «التعرق الإنكليزي» للمرة الأولى في عهد الملك (هنري السابع) عام 1485 بعد معركة (بوسوورث) مباشرة، تسبب هذا المرض بموت أكثر من 10 آلاف شخص في غضون شهر واحد، كما ظهر للمرة الثانية في عام 1507 وتبعه وباء آخر ظهر في فرنسا في العام ذاته، وتسبب بمقتل نصف سكان بعض المناطق، أما الظهور الرابع فكان في لندن عام 1528 وانتشر بسرعة في جميع أنحاء إنكلترا، حيث يُقال أن الملك (هنري الثامن) قد هرب من لندن خوفاً من إصابته بالمرض، حيث كان ينتقل من منزل لآخر وينام كل ليلة في سرير مختلف.

انتشر الوباء في (هامبورغ) بسرعة خيالية وتسبب بموت أكثر من ألف شخص بغضون أسابيع قليلة، واجتاح أوروبا ووصل إلى سويسرا والدنمارك والنرويج والسويد وليتوانيا وبولندا ووصولاً لأقصى شرق روسيا، كان آخر ظهور لهذا المرض في عام 1551.

الأمر الغريب بخصوص هذا المرض هو أنه كان يصيب الأغنياء والأشخاص الذين ينتمون لطبقات المجتمع النبيلة بشكل خاص، حيث وقع كل من الدوقات والأساقفة ضحايا له، كما كانت الأديرة أكثر الأماكن تضرراً، وكانت نسبة الوفيات بين رجال الدين عالية جداً، حتى أن العائلة المالكة لم تنج من هذا الوباء، حيث يُقال إن (آن بولين) زوجة الملك (هنري الثامن) قد أُصيبت بالمرض ولكنها شُفيت منه، كما يُشاع أن (آرثر تيودور) الابن البكر للملك الإنكليزي (هنري السابع) قد توفي بعد إصابته بمرض التعرق.

يعتقد العلماء المعاصرون أن سبب هذا المرض هو فيروس (هانتا) الذي تحمله القوارض دون أن تصاب به، أما بالنسبة للبشر فيسبب فيروس (هانتا) عدوى رئوية قاتلة ينتج عنها أعراض تشبه أعراض الإنفلونزا كالحمى والسعال وآلام في العضلات والصداع والخمول، كما أن معدل الوفيات يمكن أن يصل إلى 36٪.

أما الفيروس الآخر الذي يُشتبه به هو فيروس (آربو) الذي ينتشر عن طريق القراد والبعوض، فقد لُوحظ أن مرض التعرق كان ينتشر بعد فترات طويلة من هطول الأمطار والفيضانات الشديدة في بعض المناطق، حيث ألقى العلماء اللوم في ظهور هذا المرض على المناخ الإنكليزي الرطب. وإن كان فيروس (آربو) هو السبب فلربما يفسر لنا سبب عدم انتشار الوباء في الأجزاء الأكثر برودة من الجزر البريطانية وإسكتلندا والويلز.

كما هناك نظريات أخرى لظهور وتفشي هذا الوباء، منها التسمم الغذائي الناجم عن الطعام الفاسد والفطريات وبكتيريا الجمرة الخبيثة، ولكن من الصعب جداً تحديد ما هو سبب ظهور مرض التعرق بالتحديد، فهو وباء كغيره من الأوبئة التي تظهر فجأة وتختفي فجأة، ولكنه بعد أن اختفى عاود للظهور مرتين إحداهما في قرية (تيفرتون) الإنكليزية عام 1644 وأودى بحياة 443 شخص، وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ظهر مرض يشبه مرض التعرق كثيراً ويعرف باسم «بيكاردي سويت» أو «الحمى العسكرية»، الذي انتشر في كل من ألمانيا وبلجيكا والنمسا وسويسرا وإيطاليا.

من النادر جداً تفشي فيروس (هانتا) في العصر الحديث، فخلال الحرب الكورية (1953-1950) اجتاحت الحمى النزفية الكورية التي يسببها فيروس (هانتا) القوات العسكرية، وتسببت بموت مصاب واحد من بين 10 مصابين بالحمى، كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف الفيروس والذي سُمي على اسم نهر (هانتان) في كوريا الجنوبية، ومنذ ذلك الحين لم يصاب سوى عدد قليل من الأشخاص بهذا الفيروس في جميع أنحاء العالم.