in

6 هوايات وتسالي غريبة كانت الأجيال السابقة تلجأ إليها لتمضية الوقت والاستمتاع

صورة لمجموعة من الأشخاص تحاول التواصل مع الموتى.
صورة لمجموعة من الأشخاص تحاول التواصل مع الموتى.

تماما مثلنا نحن، حاول الناس في الماضي التخفيف من الملل الذي يكتنف الحياة اليومية من خلال ممارسة العديد من الهوايات، وتماما مثلنا أيضاً كانوا أحيانا يأتون بهوايات غريبة جدا تجتاح مجتمعاتهم لمدة من الزمن، تتنوع من بضعة أشهر إلى عدة قرون، ثم كانت هذه الهوايات تتبدد وتروح طي النسيان لتجعل من أحفاد هؤلاء يتساءلون عما كان يجول بخاطرهم عندما أتوا بتلك الأفكار السخيفة والغبية في البادئ.

أحيانا ما تمرّ علينا موضات سخيفة عابرة وهوايات غريبة في أيامنا هذه، والأمر سيان بالنسبة للأجيال السابقة التي كانت لديها هواياتها الغريبة الخاصة بها، هوايات على شاكلة الجلوس على سارية العلم لأوقات طويلة من الزمن، وابتلاع الأسماك الذهبية، أو تربية الأحجار الأليفة!

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»، جمعنا لك عزيزي القارئ مجموعة من أغرب الهوايات التي كانت في زمن ما في السابق أمراً رائجا وشائعاً:

الجلوس على سارية العلم:

الجلوس على سارية العلم

في العشرينيات من القرن الماضي، أطلقت شخصية غريبة ومفعمة بالحياة تدعى (ألوسيوس أنثوني كيلي) –الملقب بـ(ألفين شيبريك كيلي) 1885-1952، موضة عابرة غريبة للغاية اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية من المحيط إلى المحيط، وكانت هذه الموضة العابرة تدعى الجلوس على سارية العلم. أصبح (كيلي) مشهوراً خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بجثومه أعلى سارية العلم لفترات طويلة من الزمن، وقد جذبت هذه الموضة العابرة التي أطلقها اهتمام الكثيرين الذين راحوا يحاولون تقليده، وقبل أن يمضي زمن طويل، أصبح الجلوس على سارية العلم أمرا رائجا انتشر عبر الولايات المتحدة الأمريكية مثل النار في الهشيم.

على خلاف الموضات العابرة في زمننا الحاضر التي لا تدوم سوى بضعة أشهر أو سنة وسنتين على الأكثر، بقي الجلوس على سارية العلم أمراً رائجاً عبر عقدين من الزمن.

يجدر التنويه إلى أن الجلوس على الأعمدة ليس في الواقع موضة جديدة كلياً، حيث في أوائل القرون الأولى بعد ميلاد المسيح، كان بعض النساك والرهبان المسيحيون الزاهدون الذين اشتهروا باسم ”نساك الأعمدة“ يعيشون على قمم الأعمدة التي كانوا يصلون ويصومون ويعظون من فوقها. بقي واحد من هؤلاء، ولعله أشهرهم، على قمة عموده لمدة 37 سنة كاملة، ومنه كان (شيبريك كيلي) —كلمة (شيبرك) هنا تعني ”حطام السفينة“— أول من أعاد هذه الممارسة للحياة في شكل جديد ومعاصر.

الجلوس على سارية العلم

ولد (كيلي) في مدينة نيويورك في حي (كيتشن هيل)، وقد ترعرع يتيماً منذ لحظات حياته الأولى، حيث توفي والده وهو لا يزال جنيناً وتوفيت والدته أثناء إنجابه. كان (كيلي) شخصية مغامرة لا تحب القعود أبدا منذ حداثة سنّه، حيث تسلق أول عمود في حياته وعمره لا يتجاوز سبعة سنوات، وأصبح بحارا وعمره لا يتجاوز 13 سنة، ثم جرب حظه في عدة مهن مختلفة، منها أعمال تصليح وصيانة المباني الشاهقة، والعمل في مصنع للحديد والصلب، وكذا الملاكمة، والغطس، وعمل حتى ممثلاً بديلاً في بعض الأعمال السينمائية. يقول (كيلي) أنه نال لقب ”حطام السفينة“ لأنه نجا من خمسة حوادث غرق سفن، وحادثتي تحطم طائرة، وثلاثة حوادث سيارة. تقول مصادر أخرى أنه نال هذا اللقب من أيامه في الملاكمة لأنه كان سيئا جدا لدرجة كان يتمايل على الحلبة مثل حطام سفينة العائم بدون وجهة.

أطلق (كيلي) موضة الجلوس على سارية العلم لفترات طويلة من الزمن في سنة 1924 كنوع من الترويج لافتتاح أحد المحلات التجارية في ولاية فيلاديلفيا، فجثم على قمة أحد الأعمدة لمدة 13 ساعة و13 دقيقة. حرك شيء حيال هذا الأمر وتراً في المخيلة الأمريكية الوطنية، وسرعان ما راجت قصته، وفي غضون أسابيع أصبح المئات عبر الولايات المتحدة يحاولون تقليده وكسر رقمه القياسي. بمجرد أن تم تحطيم رقمه القياسي بالجلوس على قمة عمود لمدة تنوف عن 13 ساعة و13 دقيقة، استمرت المنافسة بل واحتدمت، وراح المئات يتنافسون على لقب ”ملك الأعمدة“.

استعاد (كيلي) رقمه القياسي في سنة 1926 عندما جلس على قمة سارية علم في مدينة (سان لويس) لمدة سبعة أيام وساعة. ثم حطم رقمه القياسي بنفسه في شهر يونيو من السنة الموالية عندما ظل جاثما في قمة سارية العلم في مدينة (نيو آرك) لمدة 12 يوماً. عبر مسيرته هذه، استقطب الكثير من الجماهير التي تقدر أعدادها بالآلاف من المواطنين الأمريكيين الذين سافروا من كل مكان تقريباً لمشاهدة مغامراته، كما تابع الملايين تطورات مغامراته على الصحف والجرائد وإذاعات الراديو.

كان (كيلي) رجل عروض بالفطرة، وكان يعرف جيدا كيف يرضي الجماهير ويمنحهم ما يريدون رؤيته. في سنة 1929، حقق رقما قياسيا من خلال الجلوس على قمة سارية علم في مدينة (بالتيمور) لمدة 23 يوماً كاملاً. في السنة الموالية، وأمام جمع غفير من المعجبين يقدر بعشرين ألف معجب، حطم الرقم القياسي السابق من خلال الجلوس على قمة سارية علم بارتفاع 70 متراً في مدينة (أتلانتيك سيتي) لمدة 49 يوماً وساعة من الزمن.

حاول الكثيرون تقليد (كيلي) في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لكن لم يتمكن أحد منهم من الوصول لمستوى الشعبية التي حظي بها والشهرة التي نالها، كما لم يتمكن أحد من الاقتراب حتى من أرقامه القياسية الشخصية. وفقاً لحسابات (كيلي)، خلال مسيرة عروض دامت عقدين من الزمن، قضى 20.613 ساعة على قمم الأعمدة، بما في ذلك 210 ساعات في درجة حرارة متجمدة، وأكثر من 1400 ساعة تحت المطر.

ابتلاع الأسماك الذهبية:

ابتلاع الأسماك الذهبية

بدأت هذه الموضة العابرة كنوع من التباهي قاد إلى تحدٍ ورهان في ربيع سنة 1939. راح الطالب الشاب (لوثروب وثينغتون) في جامعة هارفرد، الذي كان قد شاهد أحدهم يبتلع سمكة ذهبية صغيرة عندما كان طفلا، يتباهى بالأمر أمام أصدقائه وكأنه هو من قام به. لم يصدقه أصدقاؤه فأقسم لهم أنه فعلها حقا، فتصعدت وتيرة الأمور وزادت حرارتها، وفي نهاية المطاف قرر أحد أصدقاء (لوثروب) أن يراهنه بمبلغ عشرة دولارات بأنه لن يستطيع القيام بالأمر مجددا، شعر (لوثروب) بأن سمعته على المحك بسبب ثرثرته الزائدة عن اللزوم، لذا ومن أجل حفظ كرامته لم يكن مستعدا للتراجع، فقبل الرهان، وأصبح الباقي موضة عابرة غبية خلدها التاريخ.

في الواقع، لم يكن (لوثروب) قد ابتلع سابقاً سمكة ذهبية، ومع ذلك لم يكن مستعدا لفضح نفسه أمام أصدقائه، لذا قرر أن يتحضر جيدا لهذا الحدث. خلال الأيام التي سبقت تاريخ سداد الرهان، بدأ (لوثروب) بابتلاع شراغيف صغيرة، ثم تدرج صعوداً لأسماك ذهبية صغيرة الحجم، إلى متوسطة، وأخيرا إلى أسماك كاملة النمو.

في اليوم الموعود الذي تحدد في الثالث من شهر مارس سنة 1939، تجمع طلبة الجامعة وبعض المراسلين الصحفيين والسكان المحليين في مكان سداد الرهان ليشاهدوا ما إن كان (لوثروب) سيربح الرهان وينجح بابتلاع سمكة ذهبية، ولمفاجأتهم جميعا نجح في ذلك بالفعل وتمكن من ابتلاع سمكة ذهبية مسكينة يبلغ طولها تسعة سنتمترات بعد أن مضغها قليلاً.

تردد صدى هذا الحدث وانتشرت قصته بسرعة من وسائل الإعلام المحلية إلى الوطنية عبر التراب الأمريكي. وقبل أن يمضي وقت طويل، كانت مجلة (لايف)، أكبر مجلة في تلك الحقبة، قد كتبت تقريراً حول موضة ابتلاع الأسماك الذهبية في جامعة هارفرد، وسرعان ما اجتاحت موجة سعار ابتلاع الأسماك الذهبية جامعات البلد، وفي وقت قصير تقزم ما قام به (لوثروب) أمام محاولات جديدة عندما نجح طالب من جامعة (بينسلفانيا) في ابتلاع 25 سمكة ذهبية. غير أن أيامه على عرش هذه المنافسة الغبية كانت وجيزة هو الآخر، حيث سرعان ما تحطم رقمه القياسي على يد طالب في معهد (ماساتشوستس) للتقنية الذي تمكن من ابتلاع 42 سمكة ذهبية في جلسة واحدة، ثم جاء طالب آخر يدعى (جوزيف ديليبيراتو) الذي ابتلع 89 سمكة ذهبية في جلسة واحدة في أبريل من سنة 1939.

تربية الأحجار الأليفة:

أحجار أليفة.
أحجار أليفة ودليل الاعتناء بها!

في إحدى ليالي سنة 1975، كان رجل يدعى (غاري داهيل) يستمتع بالشرب برفقة أصدقائه الذين كانوا يتذمرون حول كل الوقت والمجهود الذي يتطلبه الاعتناء بحيواناتهم الأليفة، لذا راح (غاري) يلقي الدعابات حول الموضوع، ومن بينها كيف أنه من المريح جداً اقتناء حجر وتربيته كحيوان أليف ذلك أنه لن يكون في حاجة لأي رعاية أو عناية من أي نوع. لقد كانت تلك فكرة غبية نابعة عن دماغ مسموم بالكحول، لكن عندما محّصها (غاري) في دماغه جيدا في صباح اليوم التالي، رأى أن فيها بعض النفع. لذا قام بجمع أحجار ملساء من شاطئ (روزاريتو) في المكسيك، وهو الأمر الذي لم يكلفه بنساً واحداً، ثم دوّن ”دليل مالك“ ساخر يتألف من 32 صفحة بعنوان: ”كيف تربي حجرك الأليف وتعتني به“، الذي جاءت فيه تعليمات حول كيفية تربية الحجر الأليف والاعتناء به.

قام (داهل) بعد ذلك بوضع الحجر والدليل داخل صندوق مصنوع من القش ثم راح يسوق لكل صندوق على حدى بمبلغ 3.95 دولاراً. بيعت هذه الصناديق والحجارة داخلها بسرعة كبيرة بينما راح الناس يتهافتون عليها مثل المحمومين، وكما يصف (داهل) نفسه الأمر لاحقاً خلال حوار صحفي معه: ”لقد كنت الوحيد الذي اقتنع بفكرتي، كانت زوجتي تعتقد أنني مجنون، الكثير من أصدقائي اعتقدوا أنني مجنون. وقد نجح الأمر بالفعل“.

لم يدم هوس اقتناء الحجارة ”الأليفة“ سوى بضعة أشهر، لكن في غضون شهرين ونصف فقط، تمكن (داهل) من بيع مليون ونصف مليون ”حجراً أليفاً“، وقبل أن يمضي وقت طويل وتضمحل موضتها، بيعت 5 ملايين نسخة عنها، وأصبح (غاري داهل) مليونيراً بفضل ذلك.

التواصل مع الموتى:

صورة لمجموعة من الأشخاص تحاول التواصل مع الموتى.
صورة لمجموعة من الأشخاص تحاول التواصل مع الموتى.

كانت جلسات استحضار أرواح الموتى واحدة من أكثر الوسائل لإضاعة الوقت سوداوية وترويعاً في التاريخ. بدأ الأمر في العصر الفيكتوري، وخلال عشرينيات القرن الماضي، قاد ارتفاع في مدّ الروحانية إلى زيادة الاعتقاد في إمكانية التواصل مع الموتى، لذا أصبحت جلسات استحضار الموتى تجارة مزدهرة، وكان كل ممارسيها الدجالين يدّعون قدرتهم على التواصل مع الموتى والتحدث إليهم.

حاول البشر التواصل مع الموتى والتحدث إليهم ومعرفة ما يوجد في عالمهم منذ فجر التاريخ. غالبا ما يثير كل من يدّعي قدرته على التواصل مع الراحلين ردات فعل قوية: حيث كان المؤمنون بهم يرون فيهم أشخاصاً يعرضون نوعاً من التعزية والترويح عن نفوس أهالي المفقودين والتخفيف عن معاناتهم، بينما كان المشككون يرون فيهم كائنات مفترسة تتغذى على يأس عائلات المتوفين.

جعل انتشار الديانة المسيحية الوسطاء الروحانيين يختفون تقريباً لعدة قرون، لكنهم عادوا بشكل مفاجئ في أواخر القرن التاسع عشر. لقد كانت تلك حقبة تصارع فيها الدين والعقلانية والإيمان والعلم أكثر من ذي قبل، وخلال هذه الحقبة ظهرت أفكار جديدة على شاكلة نظرية التطور التي تحدت بشكل صارخ حجر الأساس للافتراضات الدينية الخلقية، وخلال هذه الحقبة حوّل الكثير ممن كان إيمانهم بالدين ضعيفاً أنظارهم واهتمامهم تجاه هذه الأمور الماورائية من أجل نيل مرادهم، سواء كان ذلك إجابات تصب في معتقداتهم أم مجرد التخفيف من وطأة فقدان شخص عزيز.

لبى الوسطاء الروحيون رغبة الناس في الماورائيات والأمور الخارقة للطبيعة من خلال أداء عروض ذات شعبية تضمنت تجسيد الأشباح، والنقر على الطاولات، وما إلى ذلك من أمور مريبة، وهي كلها حيل انطلت على الناس. تنوعت الجماهير من غفيرة بإمكانها ملء مسارح ضخمة تواقة لحضور أحد العروض، إلى مجموعات صغيرة تقتصر على عائلات الموتى أنفسهم وأصدقاءهم الذين كانوا في الأغلب تواقين للتواصل مع من فقدوهم.

لا حاجة للقول بأن جلسات استحضار الأرواح كانت إما أعمال دجل تتم على يد دجالين ومحتالين يستغلون المحزونين ويتغذون على حزنهم، أو كانت عبارة عن أعمال احتيال وغش تتم على يد أشخاص يميلون للروحانية ويرغبون في تأصيل جذورها لدى الناس حتى يستمر وجودهم لأطول فترة ممكنة.

بدأ الأمر كله في نيويورك سنة 1848 عندما أقنعت فتاتان تدعيان (ماغي فوكس) و(كايتي فوكس) والديهما وجيرانهما بأنهما كانتا قادرتين على التواصل مع الموتى الذين كانوا يجيبون على أسئلتهما من خلال سلسلة من النقرات على الطاولة، وبالطبع لا حاجة لنا لأن نقول بأن النقرات كانت من عمل الفتاتين نفسيهما.

ما بدأ كمقلب سرعان ما أصبح أمرا جديا للغاية عندما رأت شقيقتهما الكبرى الفرصة سانحة أمامها لتحقيق بعض المداخيل، وبدأت تتلقى أجرا عن كل من يرغب في حضور جلسة استحضار أرواح مع شقيقتيها الصغريين من أجل التواصل مع موتاهم. سرعان ما راجت حرفة هاتين الفتاتين اللتين أخذتا تجوبان الولايات المتحدة لأداء عروضهما.

واصلت الفتاتان ادعاء التواصل مع الموتى لعدة عقود، وخلال هذه المدة ظهر الكثير من الدجالين والمحتالين الذين ادعوا هم الآخرون قدرتهم على التواصل مع الموتى واستخلاص الأجوبة منهم.

السياحة المرضية:

فحص (جون ألبرت داداس).
فحص (جون ألبرت داداس).

يحب معظمنا السفر والترحال لرؤية العالم من حولنا بين الحين والآخر، لكن البعض الآخر منا ينقل هذه الرغبة في السفر إلى درجات عالية من التطرف. نحن لسنا هنا بصدد التحدث عن أولئك الذين تقودهم نزوات مغامرة يجوبون العالم لعدة سنوات ثم يعودون، بل نحن هنا بصدد التحدث عن أشخاص لا يسعهم حرفيا التوقف عن السفر والترحال. يطلق على هذه الحالة اسم (درومومانيا)، وهي المصطلح الطبي الذي يعبر عن رغبة نفسية ملحّة للسفر، وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أصبحت هذه الحالة نوعا من الموضة الرائجة في فرنسا.

بإمكان السياحة والسفر أن تتحول إلى أمر أشبه بمخدر يسبب الإدمان، ولعل واحدة من أفضل الحالات التي تصف هذا الأمر تعود لشخص فرنسي يدعى (جون ألبرت داداس)، وهو مواطن فرنسي من مدينة (بوردو).

في سنة 1881، وبينما كان يؤدي خدمته العسكرية الإلزامية في الجيش الفرنسي، غادر (داداس) الجيش بدون إذن وبدأ يسافر بدون توقف. لقد تخلى عن منصبه في الجيش، وتوجه إلى (براغ) في الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية، ومن هناك انتقل إلى العاصمة البروسية-الألمانية برلين.

من برلين، واصل (داداس) ترحاله وصولا إلى الإمبراطورية الروسية، وانتهى به الأمر في موسكو. هناك، اعتُقل لاشتباه السلطات في كونه إرهابيا راديكالياً، وذلك لأن من سوء حظه الوصول إلى هناك في زمن اغتيال القيصر الإسكندر الثاني وعائلته. لم تصدق السلطات حججه التي تبرر سفره إلى الإمبراطورية الروسية، لكنها لم تجد أي دليل يربطه بالإرهاب والتفكير الراديكالي لذا قامت بنفيه من أراضيها ببساطة.

انتهى الأمر بـ(داداس) عائداً إلى القسطنطينية، وهناك لجأ إلى مساعدة القنصلية الفرنسية التي رتبت له للسفر إلى فيينا. استقر في العاصمة النمساوية لمدة من الزمن قبل أن يعاود السفر مجددا، وأخيراً عاد إلى بلده فرنسا مشتت الذهن وغير متماسك نفسيا في سنة 1886.

نالت قضيته زخما كبيراً ودعاية ضخمة في فرنسا، وابتداء من منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر حتى حوالي سنة 1909، كانت قضيته مثالا احتذى به الكثير من الفرنسيين الذين راحوا يشرعون في سفريات مفاجئة بدون وجهة محددة لسنوات طويلة.

الحشر داخل حجرات الهواتف العمومية:

الحشر داخل الهواتف العمومية.
الحشر داخل الهواتف العمومية.

في سنة 1959، اجتاحت العالم —أو على الأقل العالم المتحدث باللغة الإنجليزية— موضة عابرة سخيفة اتخذها الناس لتمضية الوقت، حيث راحوا يتنافسون لمعرفة أكبر عدد ممكن من الناس بإمكانه التواجد داخل حجرة هاتف عمومي. لم تدم موجة الهوس السخيفة هذه إلا بضعة أشهر لكنها في أثناء ذلك جذبت الكثير من الاهتمام الشعبي، وتمت تغطيتها بشكل واسع من طرف وسائل الإعلام سواء المطبوعة أو المذاعة.

يفترض غالبا أن هذه الهواية العابرة بدأت في جامعات الساحل الغربي الأمريكية، لكن جذورها وأصلها في الواقع كان في مدينة (دوربان) في إفريقيا الجنوبية. هناك، في أوائل سنة 1959، حاول 25 طالبا جامعيا حشر أنفسهم داخل حجرة هاتف عمومي، ومع مجهودات معتبرة بذلوها تمكنوا من تحقيق ذلك وقاموا بتسجيل نجاحهم الغريب ذلك في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. انتشرت الأنباء حول ما قام به هؤلاء الطلبة حول العالم، وقبل أن يمضي وقت طويل أصبح الحشر داخل حجرات الهواتف العمومية نزوة عابرة اجتاحت إنجلترا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية.

كانت المشاركة في هذه الموضة العابرة أمرا بسيطا للغاية: كان يتعين على الناس —الذين كان معظمهم من طلبة الجامعات— أن يحشروا أنفسهم داخل حجرة هاتف عمومي واحدا تلو الآخر حتى لا يصبح هناك متسع لشخص آخر.

بينما يبدو الأمر على قدر كبير من البساطة إلا أنه اكتنفه الكثير من التعقيد، وبدأ طلبة الجامعات يتخلفون عن حضور دروسهم ومحاضراتهم للتخطيط لخطة تمكنهم من تحطيم الرقم القياسي فيما يتعلق بأكبر عدد من الأشخاص يمكن أن تسعهم حجرة الهاتف العمومي.

تم رسم مخططات لمحاولة العثور على التوليفة المناسبة من أجل حشر أكبر عدد ممكن من الناس في مساحة ضيقة، وتم إطلاق اسم ”حشر حجرة الهاتف“ على هذه الهواية العابرة، وكان من الطلبة من أخذ الأمور على محمل خطير من الجدية وعمدوا إلى اتباع حميات غذائية لتخسيس الوزن حتى يتمكنوا من تحطيم الرقم القياسي، وفي معهد (ماساتشوستس) للتقنية في الولايات المتحدة لجأ البعض إلى الهندسة والحسابات المتقدمة للوصول إلى الطريقة المثلى لحشر أكبر قدر من الأجسام في مساحة حجرة الهاتف الضيقة.

بينما احتدمت المنافسة، تعرضت بعض الادعاءات للنقض والتقويض لكونها ”خرقت“ بعض القواعد المزعومة التي كان يجب أن تتبع، ومن بين هذه القواعد —التي اختلفت من مكان لآخر— أن ادعى البعض أن الحشر داخل حجرة الهاتف لا يحتسب إلا إذا كان أحد الأشخاص داخلها يستطيع إجراء مكالمة هاتفية، وفي بعض الجامعات كان الحساب مبنيا على عدد الأشخاص الذين يتمكنون من وضع جزء فقط من أجسادهم داخل الحجرة وليس أجسامهم كلها، وهو ما تحداه طلبة جامعات أخرى وقالوا بأن الشخص لا يحتسب إلا إذا تمكن من إدخال جسمه كاملا داخل الحجرة.

في نهاية المطاف، وعلى الرغم من احتدام الادعاءات المضادة، تلاشت هذه الموضة العابرة واختفت في نهاية سنة 1959.

جاري التحميل…

0