شخصيات

6 كُتّاب مشاهير تسببت الكتابة في مرضهم ووفاتهم

كاتب جالس أمام آلة الكتابة قديما

يعترف معظم الشعراء والكتّاب الروائيين وغيرهم بأن مهنة الكتابة ليست عملاً بالغَ الخطورةِ، على عكس الحديث عن مِهن مثل الصيّد والعمل في المناجمِ والحدادة …إلخ، إلّا إذا وضعنا باعتبارنا مخاطر «متلازمة النفق الرسغي» الناتجة عن ساعات طويلة من الكتابة، إضافةً لنمط الحياة المشتمل على كثير من الجلوس الأمر الذي يولّد مشاكل فعلية، إلا أنها غير جديرة بالذكر كونها تصيب معظم الكتّاب وليست بتلك الخطورة، ومع ذلك وبإلقاء نظرة على التاريخ، فإن عدداً من الكتّاب قد عانوا من بعضِ المشاكلِ الصحيةِ الخطرةِ نتيجةً لممارستهم الكتابةَ، أو نتيجةً لتعاطيهم المنشطات التي لطالما غذّت كتاباتهم ووسعت آفاقهم.

ستجد أدناه قصصَ عددٍ من المؤلفين المشهورين الذين تركت الكتابة لديهم آثاراً بالغة، ومميتة في بعض الأحيان، لذا عندما تجلس في المرة القادمةِ أمام حاسوبك وتضع فكرة معينة نصب عينيك لتكون مشروعك حياتك، عليك بالتفكير بحذر.

1. جورج أورويل

جورج أورويل George Orwell

(جورج أورويل) George Orwell

يصف الطبيب الأمريكي (جون ج. روس) في كتابه المعنون «رجفان (شكسبير) وسعال (أورويل): الشخيص الطبي لأمراض عشرة من أعظم الكُتّاب» Shakespeare’s Tremor and Orwell’s Cough: Diagnosing the Medical Groans and Last Gasps of Ten Great Writers حالة (جورج أورويل) بأنها شكلت له نمطاً متكرراً من الإرهاق المستمر، إذ عانى من مشاكلَ صحيةٍ منذ طفولته، وزاد الأمور سوءاً إصابته بطلق ناري في رقبته في إسبانيا.

كتب (جون روس): ”انهارت صحة (أورويل) للمرة الأولى بعد كتابة رواية «الحنين إلى كاتالونيا»، كما كاد جهده المضنِ لكتابة ومراجعة رواية «1984» يقتله“، كما يؤكد الطبيب (روس) على أهمية مقطع كتبه (أورويل) في مقال بعنوان «لماذا أكتب؟» يقول فيه: ”الكتابة رهيبةٌ، نضال مرهق كنوبةٍ طويلةٍ من الأمراض الموجعة“.

في الواقع مَرض (أورويل) أثناء إنجاز كتابه ذاك، وقد وضح الطبيب حالته: ”كان يسعل دماً بالإضافة إلى الحمى والتعرق الليلي، وخسر 13 كيلوغراماً من وزنه، وقضى الشهرين الأخيرين من من تأليف كتابه طريح الفراش“، كما تطورت حالته المرضية إلى الإصابة بالسل الذي سيتسبب في هلاكه لاحقاً.

2. هرمان ملفيل وناثانيل هاوثورن

هرمان ملفيل Herman Melville وناثانيل هاوثورن Nathaniel Hawthorne

(هرمان ملفيل) Herman Melville و(ناثانيل هاوثورن) Nathaniel Hawthorne

كتبت (أناليس تشن) لمجلة Poets & Writers عن (هرمان ملفيل) بخصوص كتابه الأشهر ما يأتي: ”حاول جميع أفراد عائلته جاهدين إقناعه أن يرتاح، إلا أنه تجاهل مناشدتهم وأنهى رواية «موبي ديك» وهو يعاني من تشنجات في العين ونوبات قلقٍ وآلامٍ في الظهر“، كما كتب الطبيب (جون ج. روس): ”إن عمل الدماغ المستمر وإثارة الخيال يرهق (هرمان) الذي كان يشرع في الكتابة من وقت مبكر حتى وقتِ متأخر لينهي أعماله الأدبية مُخاطراً بصحته“.

كما كان لصديقه (ناثانيل هاوثورن) الرأي ذاته فيقول: ”لا شك أنه عانى من عمله الأدبي الدائم وسعيه دون تحقيقه الكثير من النجاح في الآونة الأخيرة، وقد أشارت كتاباته لفترة طويلة إلى حالة هوسٍ ظاهرة“.

لكن للأسف لم يكن حال (ناثانيل هاوثورن) أفضل بكثير من صديقه المقرب، بل توفي قبله بسبعة وعشرين عاماً، فبعد أن تدهورت صحته مانعة إياه من استكمال العديد من المؤلفات، كان (هاوثورن) يعاني من ألم في بطنه وأصر على رحلة استشفائية مع صديقه (فرانكلين بيرس)، على الرغم من أن من حوله كانوا قلقين من أنه مريض جداً وصحته لا تحتمل، لكنه أنطلق فيها وخلال جولته في جبال (وايت) الأمريكية توفي في نومه يوم 19 مايو 1864 عن عمر يناهز التاسعة والخمسين.

3. جاكامو ليوباردي

جاكامو ليوباردي Giacomo Leopardi

(جاكامو ليوباردي) Giacomo Leopardi

تحوّلت الحالة الصحية لشاعر القرن التاسع عشر الإيطالي (جاكامو ليوباردي) –الذي أطلق عليه الشاعر والناقد الأدبي الأمريكي (آدم كيرش) لقب شاعر المعاناة السلبية الأسمى– من جنف وتحدّب في العمود الفقري إلى حدبة أشبه بقبر متحرك يضعه على ظهره ألقى اللوم فيه على ”تجاوزاته العلمية“ كالكتابة والقراءة المسرفتين، وكتب ذات مرة: ”لقد دمرت نفسي بشكل لا يمكن شفاؤه لبقية حياتي، مما يجعل ظهوري مرعباً ومشيناً لمعظم الناس“، وبالفعل تصنف كتابات هذا الشاعر من أفضل الأعمال في زمنه على الرغم من أنه توفي في عمر الأربعين بعد أن انتقل إلى (نابولي) على أمل الاستفادة صحياً من المناخ هناك.

غير أنه أصيب بالكوليرا بعد تفشيه هناك في عام 1837، وربما كان السبب المباشر هو الوذمة الرئوية أو قصور القلب بسبب حالته البدنية الضعيفة جراء التفاني في الكتابة، وبفضل تدخل صديقث لم يتم دفن بقايا (ليوباردي) في قبر مشترك كما كانت تفعل السلطات وفقاً لقواعد النظافة الصارمة المتعبة في تلك الحالة، ولكن في فناء كنيسة (سان فيتالي) في (فوريغروتا)، وفي عام 1898 تم نقل قبره إلى جنوب إيطاليا وأعلن كنصب تذكاري وطني.

4. دي بلزاك

دي بلزاك Honoré de Balzac

(أونوري دي بلزاك) Honoré de Balzac

اشتهر (أونوريه دي بلزاك) بإدمانه على القهوة التي أحبها لما تضفيه وتقدمه لكتاباته، فشرب كميات كبيرة ليغذّي أعماله الإبداعية حتى أنه وصف تناوله للقهوة الباردة في مقاله بعنوان «ملذات وآلام القهوة» قائلاً: ”تهبط هذه القهوة في معدتك، إلى ذلك الكيس المخملي المغطى بالحليمات فقط، فلا تجد شيئا سواها لتقوم بالانقضاض على البطانة الحسية وتعمل عمل الطعام وتتسبب بإفراز العصارات الهاضمة، تعصر وتحرك المعدة مناشدةً إياها وكأنها الرب، تلسع الأوعية المعدية وكأنها أحصنة العربة، فيتطاير الشرر إلى الدماغ، وعندها يهتاج كل شيء. تتحرك الأفكار بسرعة مثل كتائب الجيش إلى أرض قتالها الأسطوري وتحتدم المعركة، فيُعاد شحن الذكريات وتوضع الأعلام الساطعة في الأعالي، ينتشر فرسان الاستعارة بأحصنتهم الرائعة، وتسرع مدفعية المنطق محمولة في عربات من الكلام والذخيرة، وبأوامر الخيال يُطلق الرماة نيرانهم، ترتفع الأحرف والأشكال، فيمتد الحبر الأسود على الورق، ويبدأ العمل وينتهي بالماء الأسود، كما تبتدئ المعركة وتختتم بالمسحوق الأسود.. البارود“.

غير أن القهوة لا تؤتي ذات الثمار للجميع، إذ حذّر (بلزاك) أنه قد أوصى بها لأحد أصدقائه اليائسين رغبةً بإنجاز أعماله، إلا أن صديقه هذا كان طويل القامة، وأشقراً نحيلاً رقيق الشعر لم تنفعه تلك النصيحة، ولا (بلزاك) نفسه الذي توفي متسمماً بالكافيين عن عمر ناهز الحادية والخمسين.

5. آين راند

آين راند Ayn Rand

(آين راند) Ayn Rand

كان للروسية الأمريكية (آين راند) نصيبٌ من الإدمان على العقاقير الذي خلفته الكتابة لها، فوجدت نفسها بعد بيع رواية «The Fountainhead 1938» غير قادرةٍ على الانتهاء من إتمامها قبل حلول الموعد النهائي للنشر، وعلى الرغم من تمديد الموعد، فكانت قد قطعت ربع الطريق فقط، وفي عام 1940 تخلت الشركة عن الكتاب ولم تجد أحداً آخر لينشره، لكنها استطاعت التواصل مع محرر في شركة أخرى أقنع رؤساءه في العمل بالسماح له بشراء الكتاب، ومرة أخرى كان لدى الكاتبة ما يزيد قليلاً عن السنة للانتهاء من عملها، فبدأت بتناول منبه الأمفيتامين الذي أتاح لها كتابة بعض المقاطع غير مسبوقة، وأخيراً أكملت كتابها قبل يوم واحد من موعد التسليم النهائي.

غير أن تبعات ذلك الإجهاد ظهرت لاحقاً، إذ أن اعتمادها على المنبهات أصابها بتقلب المزاج، والتهيج والانفعالات العاطفية بالإضافة إلى جنون العظمة، ووفقاً لكاتبة سيرتها الذاتية (جينفر بيرنز): ”في الوقت الذي أكملت فيه (راند) كتابها، شخّص الطبيب حالتها بأنها على وشك الانهيار العصبي وطلب منها أن تأخذ أسبوعين من الراحة الكاملة“.

6. فرانز كافكا

فرانز كافكا Franz Kafka

(فرانز كافكا) Franz Kafka

إن كنت على اطلاع على أعماله فمن غير المفاجئ معرفة أن (فرانز كافكا) أقحم نفسه في جحيم عاطفي وجسدي لإنهاء كتابته، وقد أوجزت الروائية والكاتبة الإنجليزية (زيدي سميث) ذلك في مطبوعة The New York Review of Books التي تصدر كل أسبوعين بقولها:

”أثناء عمله في شركة التأمين Assicurazioni Generali، يئس (كافكا) من عدم امتلاكه الوقت الكافي للكتابة نتيجة عمله الذي استمر لاثني عشر ساعة يومياً، وترقى بعد عامين لمنصب كبير الموظفين في مؤسسة التأمين على حوادث العمال، فبدأ العمل في نظام النوبة الواحدة الذي يبدأ في الثامنة والنصف صباحاً وينتهي عند الثانية والنصف ظهراً، ثم يتناول طعامه حتى الثالثة والنصف ويخلد للنوم إلى الساعة السابعة والنصف، يؤدي بعض التمارين ويتناول العشاء مع أسرته ثم يبدأ بالعمل حوالي الساعة الحادية عشر ليلاً، فكان يستغرق يومياً ساعة أو اثنتين من العمل لإنجاز الخطب والمذكرات، ثم وبحسب قوله: ’أعتمد على القوة والاستعداد والحظ للبقاء يقظاً حتى الواحدة أو الثانية أو الثالثة وفي بعض الأحيان حتى السادسة صباحاً، ثم أقوم بكل جهد يمكن تصوره للخلود إلى النوم‘، فيستريح بشكل متقطع قبل ذهابه إلى المكتب، وقد أوشك هذا الروتين على إيصاله حد الانهيار.“

ربما لعبت هذه الحالة العملية والضغط دوراً في سيطرة السل على جسده الذي أصاب حنجرته لاحقاً وربما لا، لذا قد يكون من المبالغة القول أن عمله قد قتله إلا أنه ذو صلة بذلك بكل تأكيد، وهكذا توقف (كافكا) عن ابتلاع أي طعام بسبب الألم، ومات من الجوع وهو يعمل على قصته بعنوان «فنان الجوع» حتى الرمق الأخير.

عدد القراءات: 577