in

تعرّف على قصة هذه الجزيرة الوهمية المسماة «كروكر لاند»، والتي اختلقها مستكشف شهير لخداع أحد الأثرياء

صورة: Hulton Archive/Getty Images / Luke Spencer

في عام 1907، كان (روبرت بيري) أشهر مستكشفي العالم وأكثرهم خبرة، ولكنه واجه مشكلة كبيرة، وهي أنه لم يحصل بعد على لقب أول رجل يصل للقطب الشمالي، كما أن الموارد المالية بدأت تنفذ منه.

في العام السابق، كان يفصله عن تحقيق حلمه والوصول إلى القطب الشمالي 175 ميلاً، أي حوالي 290 كيلومتراً، ولكنه تراجع بسبب بعض العواصف ونفاذ الإمدادات.

كان (روبرت بيري) متأكداً بأنه يستطيع الوصول إلى هناك إن حاول مرة أخرى، كان هذا المستكشف الأمريكي يتحلى بثقة عالية بنفسه وبقدراته، فكل ما كان بحاجته للانطلاق برحلته الثانية هو المال، ولكن لسوء حظه، كانت هيئة الموارد المالية المخصصة لاستكشاف القطب الشمالي مترددة بعض الشيء إزاء إعطائه المزيد بعد فشل رحلته السابقة، لذلك قام (بيري) بصبّ اهتمامه على ممول ثري في سان فرانسيسكو ويدعى (جورج كروكر)، الذي كان قد تبرع سابقاً بمبلغ 50 ألف دولار لرحلة (بيري) الفاشلة عام 1906.

روبرت بيري. صورة: Wikimedia Commons

كان (بيري) بحاجة لتمويل (كروكر) بشدة، ولكن بالنظر لرحلته الفاشلة السابقة، فربما لن يكون إقناعه أمراً سهلاً، لذلك كان عليه إيجاد طريقة ما، وقرر أن يغريه بالشيء الوحيد الذي يحبه الأثرياء: وهو تسمية المناطق المكتشفة حديثاً باسمهم.

لذلك أخبره (بيري) أنه أثناء رحلته الفاشلة في عام 1906، رأى من مسافة بعيدة كتلةً أرضية هائلة الحجم لم يكتشفها أحد بعد، وصفها بخطابه له بأنها ”قمم بيضاء باهته“ تبعد 130 ميل شمال غرب رأس (كيب توماس هوبارد)، وبمجرد أن يقترب من هذه الأرض سيتمكن من استكشاف القمم المغطاة بالثلوج في الشمال الغربي.

المستشكف ماثيو هانسون (في الوسط) وباقي أعضاء طاقم البعثة التي اتجهت نحو القطب الشمالي. صورة: Robert E. Peary/National Geographic Creative

تكريماً لـ (جورج كروكر)، أطلق (بيري) على هذه الكتلة الأرضية المغطاة بالثلوج اسم «كروكر لاند». ولكن لاحقاً واجه (روبرت بيري) مشكلتين! المشكلة الأولى، كان (جورج كروكر) قد منح معظم أمواله لإعادة إعمار سان فرانسيسكو بعد أن ضربها زلزال في عام 1906، وبقدر ما كان يشعر (كروكر) بالإطراء، إلا أنه لم يكن لديه المال الكافي لتمويل رحلة (بيري) الثانية، أما المشكلة الثانية تتمثل باختلاقه لوجود هذه الجزيرة، أي أنها ليست حقيقة، ولكن من يهتم! اختلق هذا الرجل جزيرة، فأين المشكلة؟ إن عدنا بالزمن ثلاثة قرون فسنرى أن المستكشف الإنجليزي (جيمس كوك) قد اختلق مناطق غير موجودة ولم يهتم أحد، فلماذا كان لجزيرة (بيري) الوهمية هذه الأهمية؟ الجواب هو التبعات التي لحقت بتلك الكذبة.

في نهاية المطاف، تمكن (روبرت بيري) من تأمين تمويل لرحلته الثانية، وكان مصدر معظم تلك الأموال هو الجمعية الجغرافية الوطنية (ناشيونال جيوغرافيك سوسايتي). في 6 أبريل عام 1909، وصل (بيري) أخيراً إلى القطب الشمالي، أو على الأقل قال أنه وصل إلى هناك، كما كان يحمل معه صورة التقطها في القطب الشمالي، ولكن من المرجح أنه قد التقطها في أي مكان تغطيه كتلة بسيطة من الثلوج، من يدري!

عاد (بيري) إلى موطنه فخوراً بإنجازه هذا معلناً أنه أول رجل تطأ قدمه القطب الشمالي، ولكن جاءه الرد من مستكشف أمريكي آخر يدعى (فريدريك كوك) قائلاً: ”لقد كنت هناك قبل عام من الآن“، وادعى (كوك) أنه أبحر عبر هذه الكتلة الأرضية الوهمية المسماة ”كروكر لاند“، ولكن جميعنا يعلم أن القوارب لا تبحر على اليابسة! لذلك إن أمعنا النظر بما قاله (كوك) بأنه كان هناك ولم يعثر سوى على الماء المتجمد، فمن المؤكد أن أحدهم يكذب. من هنا جاءت أهمية كروكر لاند، والتي ستثبت لنا من وصل إلى القطب الشمالي أولاً.

بالطبع في ذلك الوقت لم يكن بإمكانهم ببساطة إطلاق قمر صناعي للتأكد من وجود الجزيرة، لذلك قرر رجل آخر يدعى (دونالد ماكميلان) التوجه برحلة استكشافية أخرى للعثور على هذه الأرض. لم يكن هدفه الوحيد إثبات من يقول الحقيقة، بل كان يطمح أيضاً بأن يكون أول الواصلين إلى القطب الشمالي، آخر مكان مجهول في العالم حينها.

طبعة من عام 1918 تتحدث عن رحلة المستكشف مكميلان. صورة: Period Paper

للأسف، كانت رحلته فاشلة بشكل لا يصدق، حيث علقت سفينته بالجليد لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتمكن من العودة إلى دياره، وكان اكتشافه الوحيد هو بقعة مضيئة من اليابسة رآها أحد أفراد طاقمه، ولكن تبين لاحقاً أنها ليس سوى سراب.

اقترح البعض أن (بيري) ليس كاذباً، فمن الممكن أن تكون ”كروكر لاند“ مجرد سراب ترآى لـ (بيري)، ولكن يبدو الأمر وكأن المستكشفين (ماكميلان) و(كوك) يبرران كذبة (بيري)، فعندما نظر المؤرخون إلى ملاحظات وسجلات (بيري) الأصلية التي من المفترض أنه تكلم فيها عن اكتشافه الفريد، وجدوا أنه لم يذكر شيئاً عن تلك الجزيرة، فكل ما كتبه في هذه السجلات هو أنه تسلق بعض الصخور. بالإضافة إلى ذلك، لم تتضمن المسودات المبكرة من كتابه أي شيء حول هذه الأرض، ولكن بعد ذلك ظهرت ثلاث فقرات حول ”كروكر لاند“ مباشرةً قبل نشر الكتاب، الأمر الذي أثار الشبهات حول مدى مصداقية أقواله.

بغض النظر عن صحة اختراعه لهذه الجزيرة، فمن سيصدق حقيقة وصوله إلى القطب الشمالي في وقت لم يكن ضمن طاقم رحلته هذه ملاحٌ واحد قادر على قياس الزاوية بين الأفق والشمس لحساب موقع السفينة، أما بالنسبة للصورة التي ادعوا أنهم التقطوها في القطب الشمالي، فربما التُقطت أمام كومة عشوائية من الجليد، ولذلك لم يصدق الناس ما قاله.