معلومات عامة

التفكير العقلاني أم التفكير التجريبي؟ ما الفرق؟

الّتفكير العقلاني أم الّتفكير التجريبي
تمثال المفكر - متحف Sakıp Sabancı في اسطنبول

هلق صادفك موقفٌ في حياتك وقلت لنفسك سأتعامل مع الموضوع بعقلانيّة؟ ألا نظنّ جميعنا أنّ العقلانيّة هي اتّخاذ الخيار المجرّب والمحسوب بدقّة؟ حسناً، يبدو أن للفلسفة رأيٌ مختلف. فالعقلانيّة في الفلسفة قد تعني الاندفاع وراء حدسنا وتوقّعاتنا، أمّا التروّي وعدم التّصديق دون أدلّة فهو المنهج التّجريبي وهو نقيض العقلانيّة!

لنفرض أنّ أمّاً قد عادت لأطفالها بعد جولةٍ في السّوق، وقالت لهم أنّها قد أحضرت لهم الكثير من الألعاب.. أصحاب التفكير العقلانيّ من أطفالها سيفكّرون كالتّالي: أمّي كانت في السّوق، وهي تحمل أكياس مشتريات، وهي لاتكذب علينا.. إذاً هي قد أحضرت الألعاب بالتّأكيد. أمّا التجريبيّون منهم فسيكون تفكيرهم: لم نرى الألعاب بعد، ولم نلمسها ولم نقم بعدّها، إذاً لانستطيع أن نصدق وجودها..

طفل يتساءل

من هنا نلاحظ الفرق العميق بين طريقتيّ التّفكير، هل ياترى أحدهم مخطئ؟ سنستعرض في هذا المقال مايحدّد كلّ تفكيرٍ من وجهة نظر فلسفيّة:

نقاط الاختلاف

يتمحور الخلاف بين الاثنين حول فكرة رئيسيّة؛ إلى أي مدى يجب أن نعتمد على التّجربة الحسيّة في مسعانا لاكتساب المعرفة.

يدّعي أتباع الفلسفة العقلانيّة أو المنطقيّة وسندعوهم بـ”العقلانيّون“، أن هناك وسائل مضمونة، نكتسب من خلالها المعرفة، بشكلٍ مستقلٍّ عن التّجارب الحسيّة. في حين يرى ”التّجريبيّون“ أن التجارب الحسيّة أو بمعنى آخر القياس التجريبي هو المصدر الأعلى لجميع المعارف والمفاهيم.

يعتمد المنهج العقلاني على مبدأين أساسيّين:

  • أولاً: بأنّ هناك أمور يتخطى محتواها مايمكننا معرفته بالتجربة.
  • ثانياً: أنّ المنطق يستطيع أن يوفّر معلومات إضافية حول عالمنا.

أمّا المنهج التّجريبي فيقول:

  • أوّلاً: التّجربة تؤمّن المعلومات والتّأكيد الّذي يفتقده العقلانيّون، وبإمكاننا الجزم بأنّ متّبع المنهج التجريبي سوف يختار ”الشّكوكيّة“ في جميع الأوقات كبديل عن التّصديق الإيماني الذي يميل إليه العقلاني
  • ثانياً: التجريبيون لا يعترفون على المنطق كمصدر للمعرفة والقوانين.

صراع المنهجين في نظريّة المعرفة:

يأخذ الصّراع بين المنهجين مكانه في موضوع ”نظريّة المعرفة“، والتي هي فرع من الفلسفة، مكرّس لدراسة طبيعة، مصادر، وحدود المعرفة.

ولنتمكّن من فهم نظريّة المعرفة، نستعرض الأسئلة المحدّدة لها مع إجاباتها، وهي:

1. ماهي المعرفة المُقتَرَحة، أي المعرفة بأنّ اقتراحاً معيّنًا يخصّ عالمنا هو صحيح؟

لكي يتحوّل الاقتراح إلى معرفة، علينا تصديقه، مما يعني أن يكون صحيحاً، لكن هذا لايكفي، يجب وجود شيء يميّز المعرفة عن التّخمين، وهذا الشّيء يُدعى”الوثيقة“.

مثلاً: بإمكان الطّفل أن يخمّن أنّ أمّه قد أحضرت ألعابه، لكنّ أصدقائه سيطلبون رؤية هذه الألعاب أو علبها حتّى يصدّقوه.. العلبة في هذه الحالة هي الوثيقة الّتي تؤكّد تخمينه.

2. كيف نستطيع اكتساب المعرفة؟

نحن نستطيع تشكيل معتقدات من خلال التّخمين المحظوظ، لكنّ استطاعتنا أن نحصل على معتقدات موثّقة هو شيءٌ أقلّ وضوحاً، ناهيك عن معرفة العالم من حولنا.

علينا فعلاً أن نفكّر في الموضوع، نحن بحاجة لمبادئ نستخدمها في التّفكير وفي توثيق الفكرة.

3. ماهي حدود معرفتنا؟

بعض الأمور في عالمنا من الممكن أن تكون ضمن حدود تفكيرنا ولكن خارج حدود معرفتنا، فنحن نفكر بوجود الفضائيين ولكن لانعرف إن كانو موجوين حقّاً، وبعض الأمور قد تكون خارج حدود تفكيرنا حتّى، فنحن لانفكّر بوجود الأشباح في الحقيقة، لذلك لايمكننا وصف الأشباح، عدا عن معرفة تفاصيلها إن كانت حقيقيّة.

التفكير

بإمكاننا الآن أن نقول أنّ الخلاف بين العقلانيّة و التّجريبيّة من حيث المبدأ يتعلّق بالسّؤال الثّاني، وخلافهما حول هذا الموضوع يقود المنهجين إلى إعطاء ردّات متناقضة حول الأسئلة الباقية، فيختلفان على ماهيّة الوثيقة أو على حدودنا المعرفيّة، ولكنّ التّناقض سوف يتركّز حول التّالي:

العقلانيّة: أن تكون من أتباع المنهج العقلاني، تعني أن تتبنّى، على الأقلّ، أحد هذه الادّعاءات الثّلاثة:

– أطروحة (الحدس/الاستنتاج):

كيف نوثّق اعتقاداتنا في مجال معيّن، في حين أنّ بعضها مقترن بالحدس فقط، والحدس هو نوع من البصيرة العقلانيّة، وهو تبنّي اقتراح بناءاً على الذكاء البشري، نحن فقط ”نرى“ أنّه صحيح. ولكننا نعتبره صحيحاً ونقوم بتوثيقه. فالاستنتاج هو عمليّة نستقي من خلالها الحقيقة من أسس حدسيّة (بمعنى أنّ الاستنتاج يجب أن يكون صحيحاً إذا بُني على أسسٍ صحيحة).

مثال: نحن نحدس أنّ الرّقم 3 هو عدد أوّلي وهو أكبر من العدد 2، نستنتج من ذلك أنّ هناك عدد أوّلي أكبر من 2. أطروحة الـ(حدس/استنتاج) هنا توفّر لنا معرفة (بديهيّة) والّتي يقول التّجريبيّون أنّه لايمكننا الحصول عليها إلّا بالتّجربة الحسيّة.

بعض العقلانيّين يرى أنّ الرّياضيّات علم مبني على هذه الأطروحة والبعض الآخر يرى أنّها تشمل الحقائق الأخلاقيّة، فيما يعتبرها آخرون شاملةً للغيبيّات الوجوديّة، مثل: وجود الله، الإرادة الحرّة والفصل بين العقل والجسد.

لخدمة أطروحاتهم، يحاول العقلانيّون تحوير معنى الوثيقة، حيث يدّعون أنّ مايطابق أطروحة (حدس/استنتاج) هو حقيقة موثّقة خارج حدود الشكّ، بينما يعترف البعض بقابلية التشكيك وشرعيّة الجدل في هذه الحقائق، لكنّها في النّهاية ليست حقائق مطلقة، حيث من الممكن أن تتخطّى الشّك المنطقي ولكن لاتتخطّى غيره.

– أطروحة الشّيء الطّبيعي:

تعتبر البديهيّة فقط هي مايوجد أصلاً في الطّبيعة، كجزءٍ منها، إمّا منذ الخلق، أو عبر الانتخاب الطّبيعي..

– أطروحة مبدأ الطّبيعيّة:

وهي تقولّ أنّ المبادئ والمفاهيم موجودة أصلاً في الطّبيعة والتّجربة مجرّد أداة تسمح لنا باكتشافها ولكن لاعلاقة للتّجربة بتحديد صحّتها أو عدم صحّتها.

تتفاوت قوّة هذه الأطروحات، ويتراوح العقلانيّون بين المنطقي والمتطرّف..

قمنا حتّى الآن بذكر مبادئ العقلانيّة الأساسيّة وهناك أطروحات أخرى لكن يمكن أن ينتمي الشّخص للمنهج العقلاني دون اتّباعها، ومنها: أنّ التّجربة لاتستطيع تأمين ما يؤمنه المنطق (عدم إمكانيّة الاستغناء عن المنطق)، وأطروحة تفوُّق المنطق على التّجربة (أي أنّ البديهيّات المنطقيّة غير قابلة للتّشكيك ولكن نتائج التّجارب يمكن التّشكيك بها).

أمّا التّجريبيّة: المنهج التّجريبي أكثر وضوحاً وسهولة للفهم، وهو يتبنّى الآتي:

– الأطروحة التّجريبيّة:

وتنصّ على أنّنا لانملك أيّ مصدر للمعرفة بأيّ موضوع، ولانملك أي قانون تطبيقي إلّا من خلال التّجربة، والقياس الحسّي..

وينكر التّجريبيّون مفهوم الشّيء الطّبيعي، ويرفضون تفوّق المنطق على التّجربة، وبالمجمل يرفضون قاعدة أن لاغِنى عن المنطق..

التّجريبيّة لاتدّعي أنّنا نملك المعرفة، ولكن أنّ التّجربة هي الوسيلة الوحيدة لامتلاك المعرفة الموثّقة (إن وجدت)، بل تعتمد على التّشكيك لدرجة موافقة العقلانيّين على أنّ التجربة لاتعطينا العلم، فاليقين غير موجود.

معلومات عن الخلاف:

خلاف العقلانيّة مع التجريبيّة بدأ تاريخيّاً في مفاهيم ”نظريّة المعرفة“ وقد توسّع ليشمل الغيبيّات مثل: وجود لله، الإرادة الحرّة.. ممّا دعا الفلاسفة أن يهتمّوا بمعرفة ماهيّة الواقع والغيب..

كبار العقلانيّين على مرّ التّاريخ قدّموا فرضيّاتٍ عن الغيبيّات أو الماورائيّات، وكبار التجريبيّين قاموا برفضها لعدم وجود مصدر لمعرفتها غير المنطق، لامن حيث حقيقة وجودها ولا من حيث مبدأها، حيث لايمكن التّحقّق من صحّتها بالتّجربة..

وفي هذا الموضوع يقول ”كانت“:

إنّ مبدأ الغيبيّات بحدّذاته يضمن أن مصادرها لايمكن قياسها تجريبيّاً، إذا كان الشّيء ممكن معرفته حسّيّا فهو بشكل تلقائي غير منتمي للغيبيّات.

من الأهم بعد هذه الأفكار أن نعرف أنّ أيّاً من المنهحين لم يستطع إلغاء الآخر، وأنّ الإنسان العاديّ غير مجبرٍ على الاختيار بينهما.. نستطيع الاعتماد على حدسنا وبناء استنتاجاتٍ مفيدة على أسسٍ منطقيّة، ولكن في الوقت نفسه نحن غير ملزمين بتصديق أيّ شيءٍ غير خاضعٍ للتَّجربة، فبالنّسبة للفيزياء مالايمكن قياسه، هو غير موجود..

ولا أرى في المستقبل القريب حسماً لهذا الصّراع الأزليّ بين الفلسفة العقلانيّة والفلسفة التّجريبيّة لكن أرى ضرورة وجود طريقتيّ التّفكير جنباً إلى جنب.. وفي النّهاية هل استطعت تحديد أسلوبك؟هل من الممكن أن تجيب على سؤال: هل أنت عقلاني أم تجريبي؟ أم أنّ الأمر ليس بتلك البساطة..

عدد القراءات: 3٬436