معلومات عامة

العلم الحديث من الألف إلى الياء… الحياة ترقص التانجو

العلم الحديث

كانت بداية العلم الحديث من عصر الفكر العلمي التجزيئي مرورا بعصر الفكر العلمي المنظومي وصولًا إلي عصر علوم التعقيد.

إن ولادة منهج التفكير العلمي كان بمثابة ثورة قامت على يد العالم ”فرانسيس بيكون“ مرورًا بـ”جاليلو جاليلي“ وصولًا إلى ”إسحاق نيوتن“، أولئك الثلاثة الذين اُطلق عليهم ثوار العلم قد وضعوا ثلاث ركائز لمنهج التفكير العلمي وهي الإمبريقية (وتعني الاعتماد على الحواس في تفسير ما يدور حولنا أو في قولٍ آخر ”مرجعية الواقع المحسوس“)، والعقلانية وتعني إستخدام العقل والإعتماد على التفكير المنطقي في تحليل الشواهد الإمبريقية واستخلاص النتائج منها، وأخيراً الشك ويعني خضوع أي معرفة يُنتجها العلم للنقد الدائم، فالمعرفة العلمية هي تلك التي تقبل التفنيد، وفي هذه الركيزة يكمُن سر روعة وجمال العلم وقدرته على الإستمرار والتكيُف والتطور.

هكذا ومن منهج التفكير العلمي وُلدت ”منظومة العلم الحديث“ التي تسعى للكشف عن أسرار الإنتظام في أحوال الكون وتفسيره بطريقة عقلانية ومنطقية بعيدًا عن الأساطير و الخُرافات.

العلم في صورته الأولى وهي عصر الفكر العلمي التجزيئي القائم على:

أولاً: الإختزالية

وتعني التفكك أو التجزئة، وتقوم على دراسة الواقع المعقد الذي لا يمكن دراسته إلا بإنتقاء أحد جوانبه المتعددة وحصر الإهتمام به فقط كموضوع مستقل وقائم بذاته، وفي قولٍ آخر الإختزالية هي التفكك إلى عدة عناصر ودراسة كُل عُنصر على حدى.

ثانياً: مبدأ الحتمية

ويعني أن أي تغيير يحدُث في أحوال أي كيان يمكن صياغته بصورة قانون يربط بين الأسباب والنتائج، فيمكننا التنبؤ اليقيني بأحواله المستقبلية إرتكازاً على قانونه أو إنطلاقاً من معرفتنا بأحواله الحالية، أو ما يُعرف بالشروط الإبتدائية وهذا ربط مبدأ الحتمية بالتنبؤية كالزواج المسيحي الأرثوذوكسي.

عصر الفكر العلمي المنظومي:

لقد كان هذا التحول الأول الذي يشهده منهج التفكير العلمي والذي، وكما ذكرنا سابقاً، أنه دائمًا ما يكون قابلًا للتفنيد أو النقد وهذا تماماً ما حدث، فقد أدي الفكر الإختزالي أو التجزيئي الذي كان الركيزة الأولى للعلم الحديث في صورته الأولى -والذي كان يُعالج مُشكلة التعقيد بالتجزئة- إلى الوقوع في أزمة عميقة جدًا بدأت أعراضها بالظهور في الثلث الثاني من القرن العشرين، وهي صعوبة التحاور بين النظم العلمية المختلفة التي أسفر عنها التفكير الإختزالي، فمثلًا، تختلف ثقافة علم الفيزياء تمام الإختلاف عن ثقافة علم الكيمياء، وهاتان الثقافتان تختلفان عن ثقافة علم الأحياء.

وثاني الأزمات كانت عجز التفكير الإختزالي عن تفسير ومعرفة الخصائص المستجدة وهي الصفات التي يتصف بها الكيان ككل ولا تتصف بها عناصر تركيبه، فمثلاً كيف يتشكل الوعي البشري في العقل الذي يتكون من تشكيلات خلايا عصبية في المُخ؟

بدأت هذه الأزمات تشكل تحديًا كبيرًا على استمرار منهج التفكير العلمي في ظل هذه التغيرات والإكتشافات، وما إذا كان سيكتب له البقاء والتكيُف أم لا؟ ولكن سُرعان ما جاءت النجدة علي أيدي علماء البيولوجيا.

فقد أكمل عالم البيولوجيا ”لودفيج فون بيرتلانفي“ الصياغة الجنينية لمنهج تفكير علمي جديد وهو التفكير العلمي ”المنظومي“، وكانت الأداة الذهنية الرئيسية لهذا المنهج هو مفهوم المنظومة التي تم تعريفها بعدة تعريفات منها: ”الكل الذي تضيع منك خصائصه المميزة، إن حاولت فهمه بتجزئته أو تفصيصه فمثلًا 1+1=2 ولكن 1 لا يشبه في خصائصه 2، وخصائص الإنسان ليست محصلة الخصائص البيولوجية لمكوناته العضوية“، فكان الحل هو ولادة ”المنظوماتية“ فهي لا تسعى إلى فهم الكل بدلالة أجزائه، بل ترمي إلى فهم سلوك الجُزء بدلالة كُل الذي يحتويه.

العلم في صورته الثالثة وهي عصر علوم التعقد:

في الثلث الأخير من القرن العشرين، بدأت ملامح التحول الثاني في العلم الحديث في التشكُل، والتي قامت ضد مبدأ الحتمية الذي كان مستمراً في صورتي العلم الأولى والثانية، ولكن بعد ظهور النسبية على يد ”آينشتاين“ انكسر العمود الفقري للنظرة التقليدية للكون وهي النظرة التي شكلت قوانين الحركة الثلاثة لنيوتن.

بعد ذلك ظهرت نظرية ميكانيكا الكم والتي قامت على مبدأ اللاتيقُن على يد ”هايزنبرج“.

وآخيرًا نظرية ”الكيوس“، والكيوس هو حالة الأشياء، التي تحكُمها الصدفة ولا يسري عليها قانون معروف، وتأتي بمعنى العشوائية والفوضى، كما يصف العلماء الكيوس بأنه وصف للأشياء في لحظات التحول والإنتقال من حال إلى حال، وهي اللحظات التي تمتزج فيها الفوضى بالقانون، والصدفة باليقين.

العلم الحديث

كانت البداية على يد العالم ”إدوارد لورنز“، فقد كان يعمل على التنبؤ بأحوال الطقس بإستخدام برنامج على الكمبيوتر يصف التغيرات المتوقعة في أحوال الطقس، إنطلاقاً من الدرجات الأولية مثل: درجات الحرارة ومستوى الرطوبة وسرعة الرياح.

في أحد الأيام قرر ”لورنز“ إعادة تشغيل برنامجه هذا باستخدام البيانات نفسها التي استخدمها في دورة تشغيل سابقة، حتى يدرس مرة أخرى نتائج التشغيل التي كان قد حصل عليها من هذه الدورة من قبل، وحتى يوفر الوقت، قرر أن تبدأ دورة التشغيل الثانية للبرنامج إنطلاقًا من البيانات التي حصل عليها من دورة التشغيل السابقة، والتي غطت فترة زمنية بعينها لتُسفر عن نتيجة لم يكُن يتوقعها نهائيًا، فكان لورنز يتوقع الحصول على النتائج نفسها إنطلاقًا من مبدأ الحتمية والتنبؤية، ولكن ما رآه كان مختلفا تمامًا! وكان من الطبيعي أن يبحث لورنز عن أسباب الإختلاف الهائل بين نتائجه الأولى والثانية على الرغم من استخدامه البيانات ذاتها.

بعد تفكير عميق توصل لورنز إلى أن السر يكمن في اختلاف الطريقة التي يستخدمها الكمبيوتر في تمثيل وتخزين البيانات عن تلك المستخدمة في إظهارها، فدرجة تمثيل الكمبيوتر للأرقام بداخله مرتفعة جداً عما يُظهرها كنتيجة، فمثلا الرقم المخزن داخل الكمبيوتر 0.564391 ولكن يظهر 0.564، ومن هنا اكتشف لورنز أن السبب في هذا التباعد هو استخدامه الأرقام والبيانات بهذا الفرق الطفيف، وعرف أنه يتعامل مع نوع جديد من المنظومات التي لم يتعرض العلم الحديث لدراسة خصائصها من قبل، وهذه المنظومات من أهم خصائصها ”التوقف الحساس على الشروط الإبتدائية“ وتعني البيانات التي تصف أحوال المنظومة للتنبؤ بأحوالها المستقبلية، وأن أي تغيير طفيف في قيم الشروط الإبتدائية، أيًا كان صغره، سيؤدي إلى نتائج غير متوقعة تماماً.

وكان أول من أشار لهذه الخاصية هو العالم ”جول هنري بوانكاريه“، وكتب بوانكاريه أن مع هذه المنظومة الجديدة أصبح التنبؤ من المستحيلات، كما صُورت هذه المنظومة في أغنية فلكلورية بسيطة تقول كلماتها: ”ضاع المسمار، فضاعت الحدوة، فضاع الحصان، فضاع الفارس، فضاعت المعركة، فضاعت المملكة.“

ومن هنا جاء ضحد مبدأ الحتمية والتنبؤية، لأن العلاقات في هذا العالم لا خطية كما هي خطية، أي تسير بالفوضى كما تسير بالقانون.

فالحياة هي مزيج من النظام والفوضى معًا وهذا ما يفسر سبب استمرارها وتطورها، فاستمرارها من نظامها وتطورها من فوضويتها تمامًا كراقصة التانجو، ترقص على أساس قواعد ما ويتخلل هذه القواعد ارتجالات جميلة تحدث بالصدفة على خشبة المسرح، ولذلك الحياة معقدة جداً ومن الصعب فهمها لأنها مزيج من النظام واللانظام وهذا ما يساعد على تطورها الدائم.

أما عند تطبيق نظرية الكيوس على أرض الواقع فهي تعطينا الأمل، لأن من خلالها يستطيع ألف فرد أن يغيروا مجتمعا عقيما وفاشلا مكون من تسعين مليون فرد إلى مجتمع مُتقدم.