معلومات عامة

معتقدات خاطئة ومستفزة عن الاحتباس الحراري والتغير المناخي يرددها أصحاب نظريات المؤامرة

كانت سنة 2017 الماضية حارة بشكل عام، ومع أن الكثير من الأشخاص ربما لم يلحظوا هذا فقد كانت ثاني أعلى سنة في معدل درجات الحرارة خلال التاريخ المسجل، مع كون السنوات الأربعة الأخيرة هي الفترة الأسخن في السجلات على الإطلاق (حيث تمتد السجلات لـ134 سنة ماضية)، الأمر هنا لا يأتي لأسباب طبيعية أو بسبب تقلبات معتادة للحرارة، بل ببساطة هو نتيجة مباشرة للنشاطات البشرية وبالأخص الصناعات التي تسببت بانبعاثات هائلة من غازات الدفيئة.

حتى وقت قريب في الواقع، كنت أظن أن نظرية المؤامرة التي تدعي أن الاحتباس الحراري والتغير المناخي هما مجرد كذبة هي أمر خاص بالولايات المتحدة فقط، فهناك من الممكن أن تبدو هذه النظرية قريبة للفكر ولو قليلاً كون تخفيض الانبعاثات يعني تقليل الصناعة أو جعلها أنظف مما يؤثر على اقتصاد الولايات المتحدة، لكن لسوء الحظ يبدو أن نظرية المؤامرة هذه –كما العشرات سواها– هي واحدة من الصادرات الأمريكية التي تنتشر في كل مكان على الرغم من بعدها تماماً عن المنطق.

في حال كنت تشك بوجود الاحتباس الحراري، أو أنك تحتاج لبعض الإجابات فقط أو ترغب بالتأكد من دقة معرفتك بالأمر فهذا المقال مناسب لك، فهو يجمع بعضاً من أكثر المفاهيم الخاطئة والأساطير المنتشرة حول الاحتباس الحراري، بالإضافة لشرح عن المشاكل في هذه الاعتقادات والإصدار الحقيقي من الإحداث.

كيف من الممكن أن يكون هناك احتباس حراري، ألا تشاهد الثلوج؟

ثلوج

كون الجو لديك بارداً والثلوج تتساقط بكثافة لا يعني أن الاحتباس الحراري غير موجود، فالحرارة لا ترتفع في كل الأماكن في كل الأوقات، بل ما يرتفع هو متوسط الحرارة العام.

هذا المعتقد هو الأكثر استفزازاً بين مختلف المعتقدات الأخرى، فهو يعتمد على فهم سطحي جداً لمفهوم الاحتباس الحراري، ويعتبر أن وجود ارتفاع في درجات حرارة الأرض يعني أن الحرارة في كل مكان يجب أن ترتفع معاً، وأن وجود أيام باردة ينقض فكرة ارتفاع الحرارة أصلاً.

نقض هذا الاعتقاد الخاطئ لا يحتاج للكثير من المعرفة حقاً، بل يكفي أن يم شرح طريقة حساب ”ارتفاع الحرارة“ الناتج عن الاحتباس الحراري، فكون الاحتباس الحراري هو مشكلة عالمية بالمجمل لذا فارتفاع الحرارة بين سنتين مختلفتي مثلاً يتضمن حساب متوسط درجة الحرارة في الكوكب طوال كل من هاتين السنتين والمقارنة بين العددين، وكوننا نتحدث عن متوسط حسابي هنا، فأي منطقة محددة لا تهم بحد ذاتها، بل ما يهم هو التغير العام.

قد تكون بعض المناطق تلاقي أبرد فترات في تاريخها منذ عقود عديدة، بينما مناطق أخرى تلاقي درجة حرارة عالية جداً، ومع أن هذا الأمر عادة ما يستخدم كحجة ضد الاحتباس الحراري من قبل البعض فهو في الواقع أمر متوقع تماماً، فما يحدث للأرض هو تغير مناخي أحد أجزائه الاحتباس الحراري، لكنه يتضمن أيضاً تغيرات في الطقس والأمطار والجفاف وحركة الرياح وتقلبات في درجات الحرارة، لذا حتى إن كنت الآن تكاد تتجمد من البرد في مكان دافئ عادة، فهذا لا يعدو عن كونه دليلاً إضافياً للتغير المناخي الذي نعيشه.

ارتفاع حرارة الأرض ناتج عن ”الدورة الشمسية“

الدورات الشمسية مقارنة بارتفاع حرارة الأرض

في الصورة يظهر النشاط الشمسي والطاقة المقدمة من الشمس للأرض باللون الأزرق، ومعدل درجات الحرارة باللون الأحمر، وكما هو واضح فمع أن النشاط الشمسي ينحدر منذ الخمسينات فحرارة الأرض في ارتفاع مستمر بشكل يظهر غياب وجود رابط حصري بين الأمرين.

بالنسبة لأصحاب هذا الاعتقاد، فـ”ارتفاع درجة حرارة الأرض الحالي شيء حقيقي تماماً لكنه لا يتبع للنشاط البشري أو العوامل الحديثة بل هو أمر متوقع بسبب تغير كمية الحرارة التي تقدمها الشمس لنا، فكما يعرف الجميع فالشمس هي المصدر الأساسي للحرارة على الأرض وتغير الطاقة التي تعطى لنا منها يعني تغيراً في الحرارة على سطح كوكبنا“.

للوهلة الأولى يبدو هذا الأمر منطقياً إلى حد بعيد (لذلك يلاقي شعبية كبيرة) لكن بالنظر عن قرب إلى الأمر يبدو الخطأ الكبير هنا.

المشكلة الأساسية هنا هي أن التغيرات في كمية الطاقة التي تقدمها لنا الشمس خلال دورتها على الرغم من انها حقيقية، فهي أصغر بكثير من أن تتسبب بكل هذا التغيير في الواقع، كما أن الناحية الثانية والأهم هي أن الدورة الشمسية تحصل على مدار 11 عاماً تقريباً، وتلاقي انخفاضات وارتفاعات في معدل الطاقة التي ترسلها الشمس حولها وتصل إلى الأرض، لذا ففي حال كانت الشمس هي المسبب الحقيقي لارتفاع حرارة الأرض فمن المفترض أن تنخفض حرارة الأرض مجدداً مع انتهاء ذروة النشاط الشمسي.

طوال حوالي أربعة عقود مضت، تم متابعة توهج الشمس والطاقة الناتجة عنها باستخدام الأقمار الصناعية طوال الوقت، ومع أن تغير طورها ضمن دوراتها المكونة من 11 سنة يؤثر في مستوى الحرارة بحوالي 0.1 درجة فهرنهايت (حوالي 0.056 درجة مئوية) ومع أن هذا الاختلاف مهم بالطبع، فهو لا يقارن بكون درجة حرارة الأرض ارتفعت أكثر من نصف درجة مئوية خلال الفترة بين عامي 1980 و2005، هذا الارتفاع المتزايد للحرارة لا يمكن تفسيره أبداً باستخدام فكرة النشاط الشمسي، فالنشاط الشمسي تابع جيبي يعلو وينخفض، بينما تغير الحرارة يرتفع بشكل مستمر.

المناخ دائماً يتغير ولا يمكن الجزم بكون التغير الحالي آت من أسباب بشرية

كتل جليدية

كون الكوكب مر بالعديد من التغييرات المناخية عبر تاريخه لا ينفي تأثير البشر عليه حالياً، ففي السابق كانت التغييرات طبيعية ولا يمكن عكسها أو إيقافها، لكن الآن التغيير بشري ويمكن؛ بل ويجب إيقافه.

بالنسبة للمعتقدين بهذه الفكرة فـ”المناخ الحالي يتغير والأرض تواجه حرارة متزايدة مع الزمن حالياً، لكن كون الأرض مرت بدورات مناخية عديدة عبر التاريخ ومع وجود العديد من الأسباب الطبيعية فلا يمكن أن نعرف تماماً إن كان السبب في ارتفاع حرارة الأرض وتغير مناخها الحالي هو النشاط البشري الصناعي الذي تزايد بشكل مضطرد مع القرن التاسع عشر واستمر بالتزايد حتى الآن، لذا يجب ألا نجزم بالأمر“.

المشكلة في هذا الادعاء أنه يفترض كون التغير المناخي لا يمكن دراسة أسبابه بدقة، بينما الواقع بالعكس تماماً مع كون علماء المناخ يمتلكون معادلات وطرق دقيقة إلى حد بعيد في تحديد أسباب التغيير المناخي، ومع أن الأسباب الطبيعية قامت بتغيير مناخ الأرض في العديد من المرات طوال العمر الطويل للأرض، فالأمر هنا محسوم تماماً بكونه لأسباب بشرية لا طبيعية، ففي القرون الماضية لم يتغير أي شيء مؤثر في المناخ سوى الصناعة البشرية والكميات الهائلة من غازات الدفيئة التي تم ضخها إلى الجو.

حرارة الأرض تنخفض مؤخراً، فالتغير المناخي توقف في عام 2002 (أو 1998 أو أي عام آخر)

حتى لو كانت حرارة الأرض هذا العام أدنى من حرارتها في الأعوام الماضية، فالأمر لا يعني أن الاحتباس الحراري قد توقف أو أن الأرض تبرد، بل يعني أن هذه السنة هي شذوذ متوقع في النمط العام للتغيرات فقط.

وفقاً لبعض الأشخاص وحتى السياسيين، فقد توقفت حرارة الأرض عن الارتفاع في وقت ما مطلع الألفية (مع إصدارات متعددة من تاريخ هذا التوقف) وحتى أن البعض باتوا يدعون أن الأرض باتت تفقد الحرارة حالياً وهي في طريقها للعودة إلى مستويات الحرارة السابقة للثورة الصناعية، حيث أن الأمر بأكمله لا يعدو عن دورة مناخية طويلة فقط والأرض الآن تعود للمناخ الأبرد، مع مبالغات بكون عصر جليدي جديد قد يكون قريباً حتى وفق البعض.

هذه النظرة للأمر ليست جديدة في الواقع، فخلال الأربعينات ونهاية الستينات وكذلك نهاية الثمانينات ظهرت عدة ادعاءات مماثلة، وفي كل من هذه الحالات كانت تمر عدة سنوات متتالية مع درجات حرارة أقل من السابقة لها، حيث تبدو الأمور إذا نظر لهذه الفترة فقط وكأن الأمور تتحسن والاحتباس الحراري بات يحصل بالعكس، لكن في كل مرة من هذه المرات عادت درجات الحرارة للصعود من جديد وبمعدلات أعلى من السابق حتى مخالفة تماماً لما ظنه البعض حينها.

النظر إلى البيانات خلال فترات زمنية قصيرة جداً مثل سنة أو خمسة أو حتى عشرة لا يمكن أن يتم التعويل عليه أبداً في الواقع، فالفترات القصيرة لا تعبر عن التوجه العام، وبالنظر إلى البيانات المسجلة عبر القرن العشرين بأكمله من الممكن أن يتم تمييز الخطأ في هذا الاعتقاد، ففي حال تم تقسيم الفترات الزمنية إلى أقسام أكبر (30 سنة مثلاً) يمكن ملاحظة أن جميع هذه الفترات الزمنية منذ عام 1920 حتى الآن على الأقل تتجه بشكل واضح نحو درجات حرارة أكبر وأكبر، والسنوات الأبرد من سابقتها لا تعدو عن كونها شذوذات لا أكثر.

العلماء مختلفون حول الأمر، وهناك الكثير من الخلافات حول مصداقية الاحتباس الحراري

علماء

الموقف العلمي من الاحتباس الحراري محسوم بشكل كامل اليوم، والحوار في المجتمع العلمي يتناول التفاصيل مع كون القالب العام مثبتاً بشكل قطعي.

في إحصاء تم إجراؤه عام 2012 في الولايات المتحدة، قال حوالي ثلث المشاركين بأنهم يعتقدون أن العلماء مجمعون بشكل شبه كامل حول دور البشر في الاحتباس الحراري، فيما أن 41٪ من المشاركين قالوا أن هناك العديد من الخلافات في المجتمع العلمي ولا يوجد إجماع علمي حول الأمر على الإطلاق، هذا الإحصاء لا يعبر بالضرورة عن اعتقاد جميع البشر بالطبع، لكنه يرسم صورة مخيبة لكون الاعتقاد بغياب الاتفاق العلمي حول الأمر شائع أكثر من المتوقع.

بالنسبة لكون المجتمع العلمي يتضمن الأشخاص الأكثر تشكيكاً، والذين عادة ما يبحثون عن الاختلاف وإيجاد الأخطاء في النظريات المقبولة على نطاق واسع، فمن المتوقع أن يوجد اختلاف علمي حول أمر كهذا مع كون الرأي الشعبي منقسم بشدة نحو الأمر، لكن الواقع هنا مختلف تماماً، ففي إحصاء تضمن ثلاثة آلاف عالم من مختلف الاختصاصات وافق 82٪ من هؤلاء العلماء على كون النشاط البشري هو العامل الأساسي في التغير المناخي للأرض، وعندما تم إجراء إحصاء خاص بالعلماء الذين ينشرون أكثر أبحاثهم حول المناخ كانت النسبة 97٪.

بالطبع فنسبة 97٪ من علماء المناخ تعد إجماعاً نادراً جداً في المجال العلمي، وحتى بالنسبة لنظريات أخرى أقل جدلية بين العامة، فهذه النسبة لا تترك مجالاً للشك في الامر، فالتغير المناخي والاحتباس الحراري الناتج عن النشاط البشري بات يعد أمراً محسوماً منذ عقود عديدة، والنقاش في المجتمع العلمي بات حول التفاصيل والجزئيات ضمن النظرية، وليس حول المبدأ نفسه في الواقع.

كان علماء المناخ قد تنبأوا بعصر جليدي سابقاً وأخطأوا، لذا لا منطق بالثقة بتوقعاتهم الآن

خبر في صحيفة

هذا النوع من الأخبار قد يكون بريئاً تماماً ولا يحمل أي أهداف خبيثة من أي نوع، لكنه واحد من الأمثلة العديدة عن مشكلة غياب الجسر الذي يصل العلم بالإعلام.

خلال مطلع السبعينات حصل جدل كبير في المجتمع العلمي مع بيانات جديدة من طبقات الجليد في غرينلاند، كان الموضوع الجدلي حينها هو احتمال وجود عصر جليدي جديد قريب الحدوث على الأرض، وبعد عدة دراسات اقترحت حدوث انخفاض في درجات الحرارة للأرض على مدار السنوات التالية واقتراب عصر جليدي جديد، أسرع الإعلام بنشر الأمر بسرعة كبيرة وساد اعتقاد شعبي بقدوم عصر جليدي لا محالة، لكن السنوات مرت دون أن يأتي هذا العصر الجليدي أو تظهر أي من أعراضه.

انتشار فكرة كون العلماء ظنوا بوجود عصر جليدي هو مثال ممتاز على مدى التأثير السلبي لطريقة التعامل الإعلامي مع الأمور العلمية، فكون الدراسات التي اقترحت انخفاض درجة حرارة الأرض مخالفة للمعتاد من ناحية، ومتفقة مع كون درجات الحرارة كانت تنخفض بشكل طفيف مطلع السبعينيات جعل الأمر مادة دسمة جداً للإعلام، مع كون معظم الإعلاميين الذين تحدثوا عن الأمر إما لم يقرؤوا دراسات متعددة، أو أنهم غير مدركين لعلوم المناخ كفاية حتى، وعندما لم يأتي العصر الجليدي الموعود فالعلماء هم من تلقى اللوم وليس الإعلام.

على الرغم من أن الأمر قد يبدو وكأن العلماء قد أخطأوا بشكل كبير في السبعينيات، فبالنظر إلى الوقاع لتلك الفترة يظهر بشكل واضح أن ما حصل لم يكن سوى فرضية ذات شعبية صغيرة فقط، فخلال الفترة بين أعوام 1965 و1979 كان هناك 73 دراسة مصدقة من قبل الأقران تتعلق بالمناخ والتغيرات المناخية (مصدقة من الأقران أو Peer-Reviewed أي أنها تعرضت للتدقيق لاحقاً من فرق علماء آخرين مختلفين عمن أجروها) ومن بين هذه الدراسات 12٪ فقط اقترحت انخفاض حرارة الأرض، بينما 60٪ أكدت اسمرار ارتفاع حرارتها، حيث لم يكن هناك إجماع علمي على الأمر أبداً ومن غير الصحيح ادعاء أن العلماء قالوا بأن الأرض ستبرد في تلك الفترة.

بخار الماء هو غاز دفيئة أكثر تأثيراً من ثاني أكسيد الكربون، لذا فالبشر ليسوا مسؤولين عن التغير المناخي

بخرا الماء عامل أساسي في ارتفاع حرارة الأرض والتغير المناخي، لكنه ليس السبب الأصلي بل أنه عرض جانبي لارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون بالدرجة الأولى.

قبل أكثر من قرن ونصف مضت، أثبت العالم John Tyndall أن بخار الماء قادر على حبس الحرارة أكثر بمرتين من غاز ثاني أكسيد الكربون (الذي يعد غاز الدفيئة الأساسي)، ومع أن هذا الأمر صحيح تماماً فقد تم استغلاله خارج السياق العلمي له بالادعاء بأن بخار الماء هو المسبب الأساسي لارتفاع درجة حرارة الأرض، وكون البشر يطلقون غاز ثاني أكسيد الكربون وليس بخار الماء فلا يمكن أن يكون الاحترار العالمي والتغير المناخي ناتج عن الثورة الصناعية بل أنه موجود لأسباب طبيعية.

الاعتماد على معلومات صحيحة لمحاولة إثبات اعتقاد خاطئ هي واحدة من الأمور الأكثر استخداماً في العلوم الزائفة ونظريات المؤامرة عادة، والأمر هنا ليس مختلفاً حقاً مع كون المعلومة الأساسية صحيحة، لكنها خارج السياق تماماً، فمع أن نسب بخار الماء في الغلاف الجوي في ارتفاع مستمر عبر العقود الماضية، وهذا بالطبع يؤدي إلى المزيد من الاحترار العالمي، فهذه الزيادة أتت أصلاً من زيادة معدلات ثاني أكسيد الكربون، فازدياد معدلات هذا الغاز يرفع حرارة الأرض بحيث يسخن الهواء ويحمل كميات أكبر من الماء.

يشكل ما يحدث نتيجة زيادة مستويات بخار الماء في الجو ما يشبه دورة تغذية إيجابية في الواقع، فالأمر يبدأ من مستويات ثاني أكسيد كربون أعلى من المعتاد تقوم برفع الحرارة، هنا يتسبب الأمر بتبخر المزيد من الماء وبقائه في الغلاف الجوي حيث يقوم بحبس المزيد من الحرارة وتضخيم تأثير الاحترار الناتج عن ثاني أكسيد الكربون، بالطبع فالحرارة التي تزداد مجدداً تبخر المزيد من الماء أيضاً وبدوره يحبس البخار حرارة أكثر مجدداً على شكل دورة مستمرة، ومع أن تأثير هذا الأمر كبير جداً، فالدورة ما كانت لتبدأ أصلاً لولا مستويات ثاني أكسيد الكربون الزائدة.

البشر ينتجون كميات ثاني أكسيد كربون أقل بكثير من الطبيعة ولا يمكن أن يكونوا هم السبب

مصانع

كون إسهامنا يبدو قزماً مقارنة بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الطبيعية، لا ينفي أنه العامل الأهم تأثيرا ولا يمكن تجاهل دوره أبداً.

كما عدة حالات أخرى من الادعاءات الخاطئة حول التغير المناخي، تعتمد هذه الفرضية على قاعدة صحيحة، فكل سنة تنتج الطبيعة حوالي 780 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، فيما أن البشر بجميع نشاطاتهم وصناعاتهم لا ينتجون سوى 30 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، وبمقارنة العددين يكون من الواضح أن مساهمة البشر في الكمية الكلية لثاني أكسيد الكربون المنبعث عالمياً صغيرة جداً، لكن كون هذه الكمية قد تبدو صغيرة للوهلة الأولى لا يعني أن الاستنتاج صحيح، فكما العديد من الحالات هناك جزء ناقص من المعلومة هنا.

كون مساهمة البشر في الإصدارات الكلية لغاز ثاني أكسيد الكربون صغيراً جداً في الواقع، لا يعني أن هذه الإصدارات غير مهمة حقاً أو أنها غير مؤثرة، فالمناخ يعتمد على عوامل دقيقة للغاية، وعلى الرغم من أن العدد قد يبدو صغيراً في البداية فمن المهم تذكر أن المحيطات والأشجار والنباتات عادة ما تقوم بامتصاص الكمية التي تصدرها الطبيعة من الغاز بشكل كامل أو شبه كامل، وهذا ما يعني أن الغاز الذي يخرج من العوامل الطبيعية لا يؤثر حقاً على نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بل أن التغير يحصل بسبب الكميت الفائضة منه.

الكميات الفائضة من ثاني أكسيد الكربون هي الكميات التي تنتج لأسباب غير معتادة في تاريخ الأرض، أي أنها من الإنتاج البشري، وهذه الكمية الفائضة إما تمتص من المحيطات مما يجعلها حمضية أكثر من المعتاد (كون الماء وثاني أكسيد الكربون يتحدان ليشكلا حمض الكربونات H2CO3) وهذا ضار بحد ذاته، أو أنها تبقى في الغلاف الجوي وتزيد من نسبة الغاز سنة بعد أخرى مؤدية للمزيد والمزيد من الاحتباس الحراري والتغير المناخي، وهي بالتأكيد غير مهملة من حيث التأثير.

الاحتباس الحراري حقيقي، لكن آثاره مبالغ بها ولن تكون كبيرة

في حال ذاب جليد القطبين بشكل كامل، هكذا ستبدو الأرض التي ستخسر ملايين الكيلومترات المربعة من المساحة وستصبح مختلفة للغاية عن كوكبنا الذي نعرفه اليوم.

حالياً تعد واحدة من أبرز مظاهر الاحتباس الحراري هو كون الأرض قد عانت من ارتفاع درجة الحرارة المتوسطة لها بحوالي 1.65 درجة مئوية مقارنة بمعدلات الحرارة السابقة، هذا الأمر انعكس بالطبع على الكتل الجليدية في القطبين والمناطق القريبة منهما وأدى إلى ارتفاع مستوى مياه البحر بحوالي 3 ميليمترات كل سنة تقريباً، فبالنسبة للبعض تعد هذه التأثيرات صغيرة حقاً من حيث كون ارتفاع طفيف لدرجتين فقط غير كافٍ للتسبب بكوارث حقيقية ومن الممكن التأقلم معه، لكن الواقع أمر مختلف تماماً عن هذا الخيال المتفائل.

تغير الحرارة هذا قد يبدو صغيراً حقاً، لكن عند النظر إلى التأثيرات الكبيرة التي يتسبب بها يختلف الأمر بشدة، فحتى مع فارق درجتين فقط هناك مناطق شاسعة من الأرض ستتحول إلى أماكن غير قابلة للعيش أبداً بسبب عدم وجود المياه (كون المياه العذبة ستتبخر بشكل أكبر) وربما موجات الجفاف المستمرة التي تصيب العديد من الأماكن دليل واضح على ذلك، ومع إضافة ارتفاع منسوب مياه البحر يصبح الأمر أسوأ حتى، ففي حال ذاب جليد القطبين بالكامل ستختفي مئات المدن حول العالم عن الوجود، وبلدان مثل هولندا والبرازيل ستمحى تقريباً بسبب ارتفاعاتها المنخفضة.

الأمر بالطبع لا يتوقف على الاحتباس الحراري فقط، فالمناخ بأكمله سيتغير، والعواصف والأعاصير ستصبح أشد من أي وقت عرفه البشر، كما أن تغير مسار التيارات المائية في المحيطات من الممكن أن يغير مناخ العالم بشكل كامل ويجعل أماكن في أوروبا مثلاً غير قابلة للسكن بسبب البرودة، وأماكن أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب وشرق آسيا غير قابلة للسكن بسبب الحرارة العالية جداً والجفاف، ومع إضافة موت المحاصيل والأمار الحمضية إلى الأمر فالمستقبل قاتم للغاية في حال استمر الأمر كما هو، وقد نشهد هذه الأمور خلال العقود القادمة القريبة (مع كوننا نشاهد بداياتها اليوم).

عدد القراءات: 1٬920