in

هل السفر عبر الزمن ممكن حقًا؟

السفر عبر الزمن

تخيل أن تملك ساعة تمكّنك من السفر عبر الزمن، وفي أحد الأيام تخطر في بالك فكرة العودة بالزمن إلى عشرينيات القرن الماضي من أجل العبث قليلا مع جدّيك. تضغط على بضعة أزرار وفجأة تجد نفسك واقفا بجانب جدك على حافة أخدود عظيم، وبما أنك لا تحب جدك كثيرا تقرر أن تدفع به من على قمة الجرف، تعمل الجاذبية عملها وينتهي أمر جدك في غضون ثواني قليلة.

غير أنك هنا قد قمت بقتل جدك قبل حتى أن يلتقي بجدتك.. ومنه لن تكون حتى قادرا على الخروج إلى الحياة للعودة بالزمن إلى الوراء من أجل قتل جدك! ولأنك لم تقتله فهو ما زال حياً، وهو ما يعني في نفس الوقت أنك أنت نفسك ستكون حيا وستكون قادرا على العودة بالزمن إلى الوراء لقتله، وهكذا تستمر هذه الحلقة المفرغة التي يطلق عليها اسم «مفارقة الجد»، وهي جزء مما يجعل السفر عبر الزمن أمرا مثيرا للاهتمام، كما أنها تتعامل مع مفهوم السفر عبر الزمن على مستوى معقد نوعًا ما.

مفارقة الجد.
مفارقة الجد. صورة: aeon

غير أننا في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف» سنستهل الموضوع بأمور أصغر حجما: لنقل أننا وإياك عزيزي القارئ نرتدي ساعتين متطابقتين ونقوم بضبطهما مباشرة قبل أن أنطلق أنا إلى الفضاء الخارجي.

داخل المكوك الفضائي، أنا أسافر بسرعة 28.000 كلم/سا بالنسبة للأرض، إذا ما قمت بتحقيق عدة دورات حول مدار الأرض قبل عودتي إليها، عندما نقارن ساعتينا سندرك أن زمنا أقل قد مرّ عليّ أنا بالنسبة لك. وعلى الرغم من أنه سيكون جزءا صغيرا جدا من الزمن إلا أن الفرق موجود في جميع الأحوال.

يطلق على هذا المفهوم اسم ”تمدد الزمن“ أو ”تباطؤ الزمن“، وهو يعني بببساطة أنه وفقا لآينشتاين ونظرية النسبية، فإن الزمن الذي يتم قياسه عبر مسارات مختلفة يتأثر بالفروقات التي تحدث إما على مستوى الجاذبية أو التسارع، التي تؤثر كلها في الزمن بطريقة مختلفة.

من بين أمثلة تباطؤ الزمن ذلك الذي يبدر لنا عندما نقارن مرور الزمن على مستوى محطة الفضاء الدولية بمروره هنا على الأرض، حيث أنه بعد مجرد قضاء 6 أشهر على متن المحطة الفضائية، يتقدم رواد الفضاء بالسن أقل منا نحن على الأرض بحوالي 0.005 ثانية.

بالطبع قد تقول في نفسك أن هذا جزء يكاد يكون معدوما من الزمن، لكنه كان ليكون أكبر حجما إذا ما سافر رواد الفضاء بسرعة أقرب إلى سرعة الضوء.

بشكل يثير الاهتمام، تكون تأثيرات تباطؤ الزمن طفيفة للغاية عندما تكون السرعة أقل من 70 في المائة من سرعة الضوء، غير أنه بمجرد وصولنا لسرعة 75 في المائة من سرعة الضوء، تصبح التأثيرات كبيرة ودرامية.

الآن، جارني قليلا هنا عزيزي القارئ، لأنه في هذه المرحلة تصبح الأمور أكثر غرابة: ربما كان أغرب معالم النسبية الخاصة هو أن المسافات تتقلص في اتجاه الحركة، نحن عندما نفكر في السفر باتجاه نقطة على بعد 10 سنوات ضوئية بسرعة 90 في المائة من سرعة الضوء، نتوقع أن الأمر سيستغرق منا 11 سنة للوصول إليها، غير أن الأمر مختلف تماما عن ذلك.

بالنسبة لملاحظ محايد وفي موقع ثابت، سيبدو بحق بأن المركبة الفضائية استغرقت 11 سنة للوصول إلى وجهتها، لكن بالنسبة لراكبي المركبة الفضائية نفسها، ليس الزمن فقط الذي سيتباطؤ بل ستتقلص المسافة أيضًا، وسيصلون إلى وجهتهم المحددة تلك في غضون 4.4 سنوات.

قد تقول في نفسك الآن: حسنا هذه معلومات مثيرة حقا، لكنها لا تبدو لي مثل السفر عبر الزمن! ربما لم يكن ذلك سفرا عبر الزمن بالمفهوم الذي تعودنا التفكير فيها وفقا له، لكن وفقا لطبيعة الزمكان، إنه السفر عبر الزمن بعينه!

لنعد إلى أصدقائنا على متن المركبة الفضائية السابقة: إذا ما قرروا العودة إلى نقاط الإنطلاق بسرعة 90 في المائة من سرعة الضوء، فإنهم سيكونون قد تقدموا بالزمن 9 سنوات فقط، بينما سيكون سكان الأرض قد مر عليهم منذ انطلاق الرحلة 22 سنة. لذا جوهريا، يكونون قد سافروا عبر الزمن في المستقبل بـ13 سنة بالنسبة للزمن على الأرض.

ملصق إعلاني لفيلم Interstellar يظهر فيه رواد الفضاء على الكوكب المائي القزم.
ملصق إعلاني لفيلم Interstellar يظهر فيه رواد الفضاء على الكوكب المائي القزم. صورة: Interstellar

لنلق نظرة على مثال آخر، ألا وهو فيلم Interstellar الشهير، الذي هبط فيه رائد الفضاء (كوبر) وفريقه على كوكب مائي كبير، والذي كانت الجاذبية فيه أقوى بـ130 في المائة من الجاذبية هنا على الأرض. وهو كوكب يدور على مقربة كبيرة من ثقب أسود هائل الحجم يدعى (غارغانتوا) –أو الغول–، والذي يدور حوله الكوكب الصغير بسرعة 55 في المائة من سرعة الضوء.

تضاهي كتلة الثقب الأسود (غاراغانتوا) حوالي 100 مليون شمس بحجم شمسنا، وهو يدور بسرعة 99.8 في المائة من سرعة الضوء.

كان للجمع بين كل هذه الأمور تأثير كبير في إبطاء الزمن بالنسبة لرواد الفضاء على الكوكب الصغير مقارنة برائد الفضاء الذي تُرك على المركبة بحوالي 61000 مرة! يعني هذا أن كل ساعة يقضيها رواد الفضاء على الكوكب المائي الصغير تساوي 7 سنوات على المركبة الفضائية في المدار، وعندما عاد أفراد الفريق أخيرا إلى المركبة بعد أن قضوا 3 ساعات، وجدوا أن صديقهم قد تقدم به العمر 23 سنة كاملة!

الثقب الأسود الهائل (غاراغانتوا).
الثقب الأسود الهائل (غاراغانتوا). صورة: Interstellar

والأمر الأكثر جنونا حيال كل هذا أنه ليس بمجرد خيال علمي، بل أنه أمر صحيح علميًا، وهو بالضبط ما كان ليحدث في الحياة الواقعية تحت نفس الظروف، لذا فقد سافر طاقم المركبة الفضائية جوهريا 23 سنة في المستقبل.

..حتى الآن، لم نقم باستكشاف سوى السفر عبر الزمن نحو المستقبل.

هل من الممكن السفر عبر الزمن نحو الماضي؟

وفقا لبعض النظريات، قد تسمح بعض أنواع الحركة في الفضاء بالسفر عبر الزمن نحو الماضي والمستقبل، هذا إن كانت هذه الهندسات والحركات ممكنة وواقعية الحدوث. لكن يبقى ذلك مجرد أمر نظري لم يتم إثباته بعد.

يتطلب السفر نحو الماضي ما يعرف باسم Closed Timelike Curve أو ”منحنى مغلق شبيه بالزمن“، والذي هو عبارة عن عقدة مغلقة في الزمكان التي قد تمكّن نظرياً جسماً ما من العودة بالزمن إلى ماضيه الخاص.

إن العلم الذي يقف خلف مفهوم السفر عبر الزمن إلى الماضي هو معقد بشكل كبير ويحمل بين طياته الكثير من التخمينات، ويعتقد الكثير من العلماء أنه غير ممكن على الإطلاق، وذلك بسبب مشكلة السببية، والتي تعود بنا حتى ”مفارقة الجد“ التي تناولناها سابقًا.

إذا ما كان هؤلاء العلماء على حق وبافتراض أن العودة بالزمن إلى الماضي سيحدث نوعا من المفارقات فقد صرنا نملك إجابتنا المنشودة، ألا وهي أن السفر عبر الزمن إلى الماضي هو غير ممكن.. بل مستحيل.

أما إن لم يكونوا على حق، وبدل ذلك كان مبدأ ”التماسك الذاتي الخاص بـ(نوفيكوف)“ صحيحاً، فهنا تبدر أمامنا فرصة سانحة للسفر عبر الزمن نحو الماضي.

يفيد مبدأ (نوفيكوف) بأنه إذا كان حدث ما موجودا وكان ليتسبب في حدوث مفارقة أو أي تغيير في الماضي مهما كان حجمه، فإن احتمالية هذا الحدث هي الصفر، ومنه سيكون من المحتمل خلق مفارقات زمنية.

للأسف، لم يتم تقبل مبدأ (نوفيكوف) بشكل واسع بين معشر العلماء.

احتمال آخر قد يجعل من السفر عبر الزمن نحو الماضي أمرا ممكنا هو ما يعرف بالثقب الدودي، والذي ورد وجوده نظريا في نظرية النسبية العامة لآلبرت آينشتاين.

غير أنه حتى نتمكن من السفر عبر الزمن من خلال الثقوب الدودية، يجب على هذه الأخيرة أن تكون ما يعرف باسم ”الثقوب الدودية التي يمكن السفر إليها أو عبرها“ Transversable.

تصميم بياني للثقب الدودي في الزمكان.
تصميم بياني للثقب الدودي في الزمكان. صورة: Shutterstock

من أجل أن نكون قادرين على السفر عبر الزمن من خلال ثقب دودي يمكن السفر إليه أو عبره، يجب أن يكون منشأ هذا الثقب الدودي واحدا من بين إثنين: أولا يجب أن تكون إحدى نهايتي هذا الثقب الدودي مسرّعة لنسبة معتبرة من سرعة الضوء، ثم تعاد إلى نقطتها الأصلية. وبهذا سيجعل تباطؤ الزمن مدخل الثقب الدودي يتقدم في الزمن بنسبة أقل من المخرج الساكن بالنسبة لملاحظ محايد.

الخيار الثاني: يتطلب أن تكون إحدى نهايتي الثقب الدودي ضمن حقل جاذبية جسم ذو جاذبية أكبر من النهاية الثانية، ثم يعاد إلى موضع بالقرب من النهاية الأولى.

لا تكلف نفسك الكثير عزيزي القارئ، لأن هذه المبادئ صعبة جدا وعسيرة الفهم، لذا لنفكر فيها على النحو التالي:
تخيل أن أقوم أنا وأنت بضبط ساعتينا على السنة 2000، ثم أصعد على متن سفينتي الفضائية وأسارع إلى أحد مدخلي الثقب الدودي بسرعة قريبة جدا من سرعة الضوء ثم أعود إلى نقطة الإنطلاق. ستشير ساعتي الآن إلى السنة 2004، بينما ستشير ساعتك أنت «الملاحظ الخارجي» إلى السنة 2012.

ثم في حالة قمت أنت بالدخول عبر المدخل المتسارع، ستخرج من المدخل الساكن وساعتك تشير إلى السنة 2004، وستجد نفسك في نفس الموقع لكن قبل ثمانية سنوات، أي أنك ستكون قد حققت السفر عبر الزمن إلى الماضي.

طريقة أخرى للنظر إلى هذه المفاهيم بعين بسيطة، هي أن نعتبرها بمثابة ورقة، لنتخيل هذه الورقة على أنها هي نسيج الزمكان، والثقب الدودي هنا هو منطقة من الزمكان المطوي مع مدخل ومخرج تحاكي طي الورقة وإحداث ثقب فيها يخترق الطبقتين. يمكّنك هذا الثقب الدودي في الزمكان من تجاوز كل الزمن والمسافة بين النقطتين واختصارهما.

غير أن المشكلة حيال الثقوب الدودية هي أنه لا يمكننا استخدامها للسفر إلى الماضي إلى نقاط أبعد من زمن نشأتها، لذا فإن ماهيتها أقرب إلى مسار عبر الزمن منها إلى وسيلة تدفع بمستخدمها روحة وجيئة عبر سنوات الزمن عند الرغبة.

قد تكون ذات فائدة بالنسبة للأشخاص في المستقبل القريب ليعودوا إلى زمننا هذا لملاحظته بشكل مباشر، غير أنه بالنسبة لنا، إن نجحنا في خلق ثقب دودي من هذا النوع الآن، فلن نتمكن من استخدامه للعودة بالزمن إلى زمن الديناصورات.

طريقة أخرى قد تكون كفيلة بجعلنا نسافر عبر الزمن هي ما يعرف باسم «الحفظ بالبرودة» Cryopreservation، أو الحفظ بالتجميد. وهي أحد فروع العلم التي تعنى بحفظ الجسم البشري وتسمى بعلم حفظ الخلايا الحية بالتبريد Cryonics وهي ممارسة ظلت متواجدة منذ ستينيات القرن الماضي.

يعتبر الكثيرون العلم الذي يحيط بالحفظ بالتبريد على أنه من علوم الطب التي تقع على حافة التخمين، ويقترح مناصروه بأن الموت ليس حدثا متفردا، بل هو عملية مستمرة، وهو ما يجب أن تثبت صحته حتى تكون الممارسة ناجحة.

ولأنه ممنوع حاليا تجميد البشر قبل موتهم، يجب أن يتم تحضير كل شخص سيتم حفظه بالبرودة بعد دقائق من موته الفعلي.

الحفظ بالتبريد.
الحفظ بالتبريد.

تفيد النظرية بأنه من خلال خفض درجة حرارة جسم الإنسان إلى حوالي -130 درجة مئوية، سيتم حفظ ما يكفي من المعلومات في الدماغ من أجل أن يستخدمها الأطباء والعلماء في المستقبل لإعادة إنعاشه وبعثه من جديد.

بدون شك، سيتسبب انخفاض درجة حرارة الجسم بهذه الطريقة الكبيرة في تضرر الجسم بشكل كبير، بغض النظر عن التدابير التي سيقوم بها العلماء في سبيل الحيلولة دون ذلك، لذا يراهن أطباء اليوم على تطور التكنولوجيا في المستقبل مما قد يسمح بإصلاح الدماغ المتضرر على مستوى ذري واسترجاع المعلومات والبيانات التي يحتويها وإعادته إلى حالته الوظيفية.

إذا ما تقدمت التكنولوجيا بما فيه الكفاية في قادم الأيام لتسمح بإنعاش البشر المحفوظين بالتبريد وإعادتهم إلى الحياة، فيمكن اعتبارهم مسافرين عبر الزمن نحو المستقبل.

إنه ليس بالأمر السهل مثلما قد يظهر في أفلام الخيال، لكنه يبقى ممكنا من الناحية النظرية على الأقل، وذلك ماهية السفر عبر الزمن في شرح موجز.

يمكنك حقا السفر عبر الزمن نحو المستقبل من خلال السفر بسرعات كبيرة أو من خلال طريقة الحفظ بالتبريد، لكن السفر عبر الزمن إلى الخلف، أو نحو الماضي، يبقى غير ممكن بل مستحيلا بالأحرى.

إن علم فيزياء الكم والسفر عبر الزمن لهو علم واسع للغاية، ويبقى بعيدا جدا عن مستوى فهم معظمنا، لذا ربما غفلنا عن عنصر واحد فقط مهم للغاية يقف في وجه فهمنا للطريقة الدقيقة التي يعمل بها الزمكان.

من يدري؟ ربما سيأتي أشخاص من المستقبل البعيد في زمننا هذا ليعطونا مفاتيح فك شيفرة ألغاز الزمان والمكان.. أم أن هذا سيتسبب في حدوث مفارقات زمنية؟

مقالات إعلانية