تاريخ

كيف حول (فينسينزو بيروجيا) لوحة الموناليزا من مجرد لوحة عادية إلى تحفة عالمية… عبر سرقتها

لو لم يقم بالتجرؤ على سرقة لوحة الموناليزا في سنة 1911؛ هل كانت هذه اللوحة لتصبح مشهورة مثلما هي عليه اليوم؟

فينسينزو بيروجيا والموناليزا

ربما تكون الموناليزا أشهر وجه على البسيطة، حيث أُدرجت في عدد لا يحصى من البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية، وتم ذكرها في العديد من الأعمال الفنية في جميع أنحاء العالم، كما كتب عنها في كتب الفنون بجميع لغات العالم، وهي بعد كل شيء ذلك الوجه المميز الذي يجذب سبعة ملايين سائح سنويا إلى متحف اللوفر في باريس بفرنسا.

يتفاجأ كل من زوار متحف اللوفر الذين يقصدونه لأول مرة من أجل رؤية لوحة الموناليزا الشهيرة لدى اقترابهم منها أنها في الواقع لوحة صغيرة جدا لا تتعدى أبعادها 76 سنتمراً طولاً و50 سنتمتراً عرضاً، إنها ليست بتلك اللوحة هائلة الحجم أو التي تحرك مشاعر الناظر إليها بصورة جياشة مثلما قد تفعله العديد من الأعمال الفنية الأخرى من عصر النهضة.

في الواقع، عندما وضعت لوحة الموناليزا أول مرة في متحف اللوفر في سنة 1797، كانت معلقة على جدار إلى جانب العديد من اللوحات الفنية الأخرى، ولم تكن تنفرد بجدار كامل مخصص لها وحدها مثلما هو الحال اليوم.

إن الموناليزا هي بدون شك عمل فني عظيم من إبداع الفنان والعالم الإيطالي (ليوناردو دافينشي)، لكن على الأرجح ليست مهاراته في الرسم هي ما جعل منها أشهر عمل فني في العالم، ذلك أن لوحة الموناليزا تدين بشهرتها للصّ تحف فنية إيطالي يدعى (فينسينزو بيروجيا). في صبيحة يوم الواحد والعشرين من أغسطس سنة 1911، خرج (بيروجيا) من متحف اللوفر دون أن يلاحظه أحد وهو يخفي لوحة الموناليزا تحت معطفه الطويل.

سجلات (فينسينزو بيروجيا) لدى الشرطة في سنة 1909

سجلات (فينسينزو بيروجيا) لدى الشرطة في سنة 1909 – صورة: Wikimedia Commons

لم يكن (بيروجيا) وجها غريبا في متحف اللوفر، فقد كان حِرَفياً غالبا ما تتم الاستعانة بخدماته في العمل على الزجاج الواقي الذي كان يحمي اللوحات الفنية في متحف اللوفر وغيره من المتاحف الأخرى، لقد عمل (بيروجيا) هناك في اللوفر على عدد من اللوحات الجميلة والباهضة الثمن، لذا: لماذا قرر سرقة الموناليزا التي كانت مغمورة آنذاك؟

بالنسبة لـ(فينسينزو بيروجيا) كان الأمر مسألة وطنية وروح قومية، حيث كان يعتقد خطأً أن لوحة الموناليزا سرقت من إيطاليا خلال عهد (نابليون) وكان يؤمن أنه من واجبه إعادتها إلى موطنها الأصلي.

ورد في معظم القصص التي تناولت تفاصيل عملية السرقة تلك أن (بيروجيا) عمد إلى الاختباء داخل إحدى الخزانات داخل المتحف في ليلة يوم الأحد، وذلك لأنه كان يعلم جيدا أن المتحف يغلق في يوم الإثنين وأنه بإمكانه سرقة اللوحة والتسلل منه خارجا بسهولة، غير أن القصة التي رواها (بيروجيا) نفسه خلال جلسات الاستجواب التي خضع لها لدى الشرطة بعد سنتين من العملية لم تكن بهذه الدرامية، حيث قال أنه جاء ببساطة في صبيحة يوم الاثنين إلى جانب العديد من العمال الآخرين في المتحف، وانتظر داخل صالة العرض التي كانت توجد بها لوحة الموناليزا حتى بقي فيها لمفرده ثم انتشل اللوحة من الجدار ولفها في معطفه الطويل ومشى خارجا من المتحف بكل هذه البساطة.

في الواقع، لم يدرك طاقم أمن متحف اللوفر أن اللوحة كانت قد اختفت حتى اليوم الموالي، والسبب في أنهم اعتادوا على رؤية بعض اللوحات غائبة عن أماكن تعليقها في الجدران المخصصة لها، لأن الخبراء كانوا يأخذونها بداعي تصويرها، غير أنهم عندما اتصلوا بالمصورين لدى المتحف أدركوا أن اللوحة تعرضت للسرقة.

بينما بدأت مصالح الشرطة سلسلة من التحقيقات، كان (بيروجيا) قد وصل إلى منزله ووضع لوحة الموناليزا داخل صندوق قديم دون أن يدرك أنه بفعلته تلك قد قام لتوه بتغيير وجه تاريخ الفنون إلى الأبد.

العنوان الرئيسي لصحيفة النيويورك تايمز من يوم 24 أغسطس سنة 1911 يتناول خبر سرقة الموناليزا

العنوان الرئيسي لصحيفة النيويورك تايمز من يوم 24 أغسطس سنة 1911 يتناول خبر سرقة الموناليزا – صورة: The New York Times

طوال السنتين التاليتين، أصبحت عملية سرقة الموناليزا قصة دولية تداولتها وكالات الأنباء في مختلف أنحاء العالم. انتشرت القصة عبر الصحف والجرائد في جميع أنحاء فرنسا والعالم، حتى أنها تصدرت العنوان الرئيسي للصفحة الأولى لجريدة الـ(نيويورك تايمز). في تلك الأثناء، كانت الشرطة تبحث بيأس عن اللص وقامت في خضم ذلك بالتحقيق مع عدد من المشتبه فيهم، بمن في ذلك الشاعر المشهور (غيوم آبولينار) الذي نادى ذات مرة بحرق متحف اللوفر، والذي يملك عدة تماثيل صغيرة الحجم كانت قد سرقت من نفس المتحف.

اعتقدت الشرطة أن الرجل الذي سرق التماثيل الصغيرة قد يكون يحوز على لوحة الموناليزا كذلك، وعندما استجوبت (أبولينار) حول سرقة الموناليزا والتماثيل الصغيرة، ورّط في القضية صديقا له، وهو رسام إسباني حديث السن آنذاك: (بابلو بيكاسو).

بكى كلا المتهمين خلال التحقيق بشكل هيستيري، وأدركت الشرطة بشكل قاطع أن كلاهما كان بريئان من التهم الموجهة إليهما، أما فيما يخص متحف اللوفر، فقد أغلق على مدار أسبوع كامل بعد فضيحة سرقة الموناليزا، لكن بعد ذلك أعيد فتح أبوابه، وهناك بدأت طوابير طويلة جدا من الحشود تأتي لرؤية المكان الذي كانت الموناليزا معلقة فيه قبل سرقتها. كان الناس من أماكن بعيدة جدا على غرار كاليفورنيا في الولايات المتحدة يعرفون بالتحديد ما كانت هذه اللوحة الصغيرة من فرنسا تبدو عليه، ذلك لأنهم كانوا يرونها باستمرار في الصحف والجرائد.

يجعلنا هذا نتساءل: لو أن (فينسينزو بيروجيا) قام بسرقة أية لوحة فنية أخرى في ذلك اليوم، هل كانت لتتحول بسهولة إلى أشهر لوحة في العالم؟ ولما كان للموناليزا هذا الاسم الثقيل والشهرة الواسعة التي هي عليها اليوم؟

بسبب تعرضها للسرقة في ذلك اليوم التاريخي، أصحبت الموناليزا أول عمل فني يتم تداوله ورؤيته على مستوى عالمي، وذلك في زمن كانت فيه وسائل التواصل ما تزال في حداثة سنها. تحوّل بعد هذه السرقة عمل فني كان لا يتعدى مجرد مربع صغير معلق على جدار إلى جوار العديد من الأعمال الفنية المتواضعة الأخرى بين ليلة وضحاها إلى مركز فضيحة عالمية.

في تلك الأثناء، فشلت خطط (بيروجيا) في بيع اللوحة الفنية إلى صالة عرض فنون إيطالية، فبعد الشهرة الواسعة التي نالتها الموناليزا بفعلته تلك، كانت أية محاولة في إرجاعها للحصول على مكافأة أو محاولة بيعها ستزج به في السجن لا محالة، لذا قبعت الموناليزا هناك في صندوق قديم داخل شقة متواضعة في إيطاليا منتظرة لمدة سنتين كاملتين.

أخيرا، وفي سنة 1913، نفذ صبر (فينسينزو بيروجيا)، وقام بالاتصال بـ(ألفريدو جيري)، تاجر أعمال فنية في فلورنسا، وعرض عليه إرجاع لوحة الموناليزا إلى ”موطنها الأصلي“ مقابل مكافأة. طلب (جيري) الالتقاء بـ(بيروجيا) في صالة عرض (أوفيتزي) من أجل التحقق من كون اللوحة أصلية.

(جيوفاني بودجي) مدير صالة عرض (أوفيتزي) [على اليمين] يتفقد لوحة الموناليزا خلال إقامتها الوجيزة هناك في فلورنسا بإيطاليا في ديسمبر من سنة 1913

(جيوفاني بودجي) مدير صالة عرض (أوفيتزي) [على اليمين] يتفقد لوحة الموناليزا خلال إقامتها الوجيزة هناك في فلورنسا بإيطاليا في ديسمبر من سنة 1913 – صورة: Wikimedia Commons

عندما أوصل (بيروجيا) اللوحة إلى الموقع المتفق عليه، وعده (جيري) بأنه سيحتفظ بها من أجل الإبقاء عليها في مكان آمن لا غير، ولكنه بدل ذلك اتصل بالشرطة بمجرد أن غادر (بيروجيا).

اعتُقل لص الأعمال الفنية في غرفة الفندق الذي كان يقيم فيه، واسترجعت لوحة الموناليزا، وانتهى بذلك سيناريو الجريمة التي هزت العالم أخيرا.

أشخاص متجمعون حول الموناليزا في باريس في الرابع من شهر يناير سنة 1914 في يوم عودتها إلى اللوفر

أشخاص متجمعون حول الموناليزا في باريس في الرابع من شهر يناير سنة 1914 في يوم عودتها إلى اللوفر – صورة: Roger-Viollet/Getty Images

عرضت صالة (أوفيتزي) اللوحة الشهيرة لمدة أسبوعين قبل إعادتها بشكل رسمي لمتحف اللوفر في الرابع من يناير سنة 1914، ومنذ ذلك الحين، جرت عدة حوادث حاول خلالها البعض تخريب اللوحة، لكن لم يحاول أحد البتة سرقتها مجددا.

اليوم تتواجد اللوحة على جدار خاص بها في متحف اللوفر محمية بواسطة زجاج مضاد للرصاص قابل للتحكم في درجة حرارته ومستوى رطوبته.

أما بالنسبة لـ(فينسينزو بيروجيا)، فقد قضى فترة عقوبة في السجن مدتها ستة أشهر وأثنت إيطاليا كلها على وطنيته وروح القومية الكبيرة لديه، ثم خدم بعد ذلك في الجيش الإيطالي خلال الحرب العالمية الأولى وانتهى به المطاف أن عاد إلى فرنسا حيث افتتح محلا لبيع اللوحات الفنية، وهناك بقي إلى غاية وفاته في سنة 1925.

المصادر

عدد القراءات: 1٬011