in

كيف كان البشر قديماً يختمون رسائلهم قبل استخدام المغلفات والظروف الحديثة؟

استخدم المُرسِلون أساليب عديدة كالثني والشقوق وأختام الشمع لحماية رسائلهم من المتطفلين لعدة قرون.

رسالة مقفلة بطريقة تقليدية

في الثامن من فبراير سنة 1578 حوالي الساعة الثانية صباحاً، قامت ملكة إسكتلندا (ماري) بكتابة آخر رسالة لها إلى صهرها ملك فرنسا (هنري الثالث)، وبعد مرور ستة ساعات أصدرت ابنة عمها ملكة إنكلترا (إليزابيث الأولى) أمراً بقطع رأسها بتهمة الخيانة، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه الرسالة واحدة من أكثر الأعمال الفنية المحببة في إسكتلندا، كما تبين هذه الرسالة المكتوبة بخط اليد لمحة مؤثرة عن صراع الملكة قبل إعدامها الوشيك.

أوضحت الباحثة (جانا دامبروجيو) أن ما يبهرها بخصوص هذه الرسائل ليست الكلمات ذاتها بل دراسة الأساليب التي كانوا يستخدمونها لختم الرسائل وحفظها، فقد اتبع البشر قديماً أساليب وأنظمة مختلفة من الثنيات والشقوق وأختام الشمع التي كانت تحمي الرسائل قبل اختراع الظروف والمغلفات الورقية.

تحمل جانا دامبروجيو نموذج رسالة غير مقفلة.
تحمل جانا دامبروجيو نموذج رسالة غير مقفلة.

فمثلاً استخدمت الملكة (ماري) ”قفل الفراشة“ لحماية كلماتها الأخيرة من أعين المتطفلين، وقفل الفراشة هو تقنية من بين مئات التقنيات التي صنفتها (دامبروجيو) ومساعدها (دانييل ستارزا سميث) وفريق البحث التابع لهما في قاموس كبير لحفظ تقنيات ختم الرسائل قديماً.

بعض التفاصيل من ورشة العمل التي شارك بها (تيدي هول) من جامعة أوكسفورد الذي يظهر في يسار الصورة، و(دامبروجيو) وهي تصنع صورة مماثلة عن ”الحروف الأخيرة لملكة إسكتلندا“ في يمين الصورة.
الباحثة (دامبروجيو) وهي تصنع صورة مماثلة عن ”الحروف الأخيرة لملكة إسكتلندا“ في يمين الصورة. وبعض التفاصيل من ورشة العمل التي شارك بها (تيدي هول) من جامعة أوكسفورد الذي يظهر في يسار الصورة.

لم تكن الملكة (ماري) الشخص الوحيد الذي حفظ رسائله، بل إنه أمر اتبعه العديد من الأشخاص عبر التاريخ ومنهم (غاليليو)، والفيلسوف الإيطالي (مكيافيلي)، وملكة فرنسا (ماري أنطوانيت)، والأمريكية (إيزابيلا غاردنر)، والرسام الألماني (آلبرخت دورر)، وقد قال (سميث)، وهو محاضر في قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة البحثية العامة (كلية الملك) في لندن: ”استخدم الجميع مثل هذه الأساليب المذهلة التي تلخص تاريخ التواصل ونقل المعلومات لمئات السنين“.

في عصرنا الحديث، كل ما علينا فعله هو لعق الظرف لإغلاقه، ولكن قديماً لم يكن الأمر بهذه البساطة، ففي تلك الأيام كان البشر يقومون بثني الرسالة بطريقة معينة بحيث تصبح الرسالة ذاتها بمثابة الظرف، يعتمد الأمر عن مدى سرية الرسالة التي تريد إرسالها، فمثلاً يمكنك اختيار أسلوب الطي البسيط، أو الطي ثلاثي الشكل، كما توجد تقنية أخرى تدعى ”فخ الخنجر“، وهي تقنية ملغومة ولكنها أقل أماناً من غيرها.

انتشرت تقنيات ختم الرسائل في العالم الغربي بعد انتشار الورق المرن القابل للطي في القرن الثالث عشر، وفي القرن التاسع عشر تم اختراع الأظرفة بكميات كبيرة، الأمر مشابه لتاريخ تأمين المستندات الذي بدأ منذ 10 آلاف عام عندما استخدم سكان بلاد ما بين النهرين الألواح الطينية إلى أن أتى اليوم الذي اخترع البشر كلمات المرور الحالية، يقول (سميث): ”لقد أدركنا أن تقنيات حفظ الرسائل وقفلها هي جزء من دراسة تاريخية واسعة“.

نماذج من رسائل مقفلة لها أصول تاريخية.
نماذج من رسائل مقفلة لها أصول تاريخية.

المرة الأولى التي صادفت فيها (دامبروجيو) رسالة مقفلة كانت سنة 2000 في أرشيف الفاتيكان السري، تضمن مشروع المنحة الدراسية الخاصة بها دراسة السجلات القانونية والحسابية التي تعود للقرن العاشر وحتى القرن السابع عشر، وفي نهاية الأسبوع الأول من هذا المشروع قالت (دامبروجيو): ”لقد بدأت بملاحظة الشقوق وعلامات الأختام الشمعية الجميلة والزوايا المطوية وثنيات الكتب والدفاتر، لاحظت وجود الثنيات في كل مكان“.

لم تدرك (دامبروجيو) على الفور أهمية هذه الاكتشافات بعد تخرجها، وقالت: ”لقد استغرق الأمر مني وقتاً طويلاً لكي أدرك أن ما أفعله أمر جديد كلياً، ولكنه بالطبع ليس جديداً بالنسبة لي“.

عملت (دامبروجيو) على لسنوات قليلة مع الإدارة الوطنية للسجلات في العاصمة واشنطن، كما عملت مع الأرشيف السري للفاتيكان، واصلت (دامبروجيو) جمع أدلة حول السرية المبنية في المراسلات المحفوظة، في بداية الأمر بدأت بكتاب يكشف عن كيفية إنتاج 250 من السجلات المحفوظة، أول فصل من هذا الكتاب يركز على الرسائل التي وصفتها بأنها البنية الأساسية والأكثر بساطة، واعتقدت أنها لن تأخذ من وقتها سوى أربع أشهر أو أقل من ذلك.

”فخ ملغوم“ مخبأ داخل ”فخ الخنجر“.
”فخ ملغوم“ مخبأ داخل ”فخ الخنجر“.

غير أن الأمر لم يجر كما اعتقدت (دامبروجيو)، فقد استغرق الفصل الأول من كتابها عشرة سنوات ودراسة 250 رسالة، في بداية الأمر لم يكن هناك مصطلح يصف ما كانت تدرسه، ولكن في عام 2009 اعتمد بعض الباحثين الآخرين مصطلح ”قفل الرسائل“ Letterlocking.

أما اليوم، فإن (دامبروجيو) تركز على دراسة هندسة أساليب قفل الرسائل بمساعدة (سميث) الذي انضم إلى فريقها البحثي سنة 2013، ووصفت عملهما بأنه ”إنجيلي“، فلقد قاما بتسليم أكثر من 10 آلاف نسخ مماثلة عن الرسائل المقفلة ونشراها بين المدرّسين والأكاديميين.

يقول (سميث): ”عندما كنا نقوم بمثل هذه الورشات في جامعة أوكسفورد أو في مركز شكسبير في كلية الملك، كنا نحاول شرح كيفية قراءة وفهم هذه المواد للأشخاص الذين يختصون بدراسة الكتب والمخطوطات النادرة“، وأضافت (دامبروجيو): ”إنها مجرد وسيلة جديدة لتدريس التاريخ وحفظه“.

سميث ودامبروجيو وهما يدرسان معاً.
سميث ودامبروجيو وهما يدرسان معاً.

على الرغم من وجود أدلة على قفل الرسائل في الأرشيفات إلا أنه لا يزال من الصعب إعادة خلق نماذج دقيقة ثلاثية الأبعاد عن هذه الرسائل، فمثلاً بعض الأعمال التي عمل عليها كل من (سميث) و(دامبروجيو) صغيرة الحجم، وبالرغم من أن ثنيات هذه الرسائل قد اختفت نتيجة للتخزين، فإن أنماط الأوساخ وتلون الورق فيها يشير إلى أن هذه الرسالة كانت مطوية قديماً، كما بحث الفريق عن الصيغة التاريخية لأختام الشمع لفهم الأختام الشمعية المتآكلة بشكل أفضل.

في بعض الأوقات، تبدو أبحاثهما أشبه بمطاردة الكنوز الضخمة لسنوات عديدة، ففي إحدى المرات صادفا تسعة أدلة تالفة أثناء بحثهما، ثم عثرا على الدليل العاشر الذي كان بدوره متضرراً ولكن بطريقة مختلفة، فهو يحتوي على مفتاح حل اللغز المفقود في العينات الأخرى، أي أن عملهما أشبه بحل الأحجيات.

كما أن عملية تجميع هذه الدلائل معاً ليست سهلة، فهي تستغرق وقتاً طويلاً كما أنها تتطلب عددا كبيراً من البيانات والمعلومات، وقالت (دامبروجيو): ”إنه عمل يتطلب البحث عن آلاف القطع الأثرية والقدرة على تذكرها“، وأضافت أن عملها يتطلب منها أن تكون صبورة فبعض الأبحاث قد استغرقت منها ما يقارب العقد من الزمن.

تم توزيع هذه الرسائل المغلفة بإحكام للأشخاص في ورشات العمل لتجربة شعور تمزيق الرسائل المغلقة.
تم توزيع هذه الرسائل المغلفة بإحكام للأشخاص في ورشات العمل لتجربة شعور تمزيق الرسائل المغلقة.

في بعض الأحيان يكون العثور على هذه الدلائل سهلاً للغاية، ففي عام 2012 تعقبت (ريبيكا آرينت)، وهي باحثة في جامعة (ييل) الأمريكية، مجموعة من الرسائل غير المسلّمة في بريد (لاهاي) في هولندا، حيث بلغ عدد هذه الرسائل 600 رسالة لم يتم فتحها على الإطلاق، احتفظ البريد بهذه الرسائل على أمل أن يأتي أحد ويطالب برسالته ويدفع رسوم البريد، تُخلد هذه الرسائل العقود الأخيرة من القرن السابع عشر بما تحتويه من كلمات تعود لبعض الموسيقيين والتجار والأرستقراطيين والجواسيس، انضم كل من (سميث) و(دامبروجيو) إلى فريق تحليل هذه الرسائل التاريخية.

على الرغم من أن دراسة هذه الرسائل قد تستغرق سنوات عديدة، إلا أن الثنائي (سميث) و(دامبروجيو) قد لاحظا وجود روابط بين هذه الرسائل وتلك الرسائل الخاصة بالشخصيات التاريخية التي درساها، وقال سميث: ”إن قارنت بين رسائل الملكة إليزابيث ورسائل الشاعر الإنجليزي (جون دون)، ثم انتقلت وأمعنت النظر بهذه الرسائل فعندها ستلاحظ التطور الكبير بالتقنية“، وأضاف: ”الشيء الذي ستبدأ بملاحظته هو شيء يشبه الظرف الحديث“.

قفل المثلث هو تقنية استخدمتها الملكة إليزابيث الأولى أثناء مراسلتها لسكرتيرها الرئيسي والجاسوس السير (فرانسيس والسنغهام) وغيره.
قفل المثلث هو تقنية استخدمتها الملكة إليزابيث الأولى أثناء مراسلتها لسكرتيرها الرئيسي والجاسوس السير (فرانسيس والسنغهام) وغيره.

ومع ذلك لا يزال كلا الباحثان مصمماً على أن هناك الكثير من المعلومات التي لم يُكشف عنها بعد، لا يزال هناك الكثير من الأسئلة التي لم يجدا لها أجوبة مثل: كيف استخدم الشاعر (جون دون) والملكة (إليزابيث الأولى) التقنية ذاتها في قفل الرسائل؟ هل تناقلتها الأجيال أم أن أحد الزملاء أطلعهما عليها؟ هل هذه الأقفال توحي بشيء عن مضمون الرسالة؟

هناك أدلة تشير إلى أن الطريقة التي يستخدمها الفرد لقفل رسالته تدل على شخصيته وأسلوبه، حيث أشار (سميث) إلى الشاعر (جون دون) كمثال عن هذه الفرضية: ”استخدم (جون) خمسة تقنيات مختلفة لتأمين رسائله، وإحدى هذه التقنيات لم يستخدمها أحد غيره على الرغم من اطلاعنا على ما يقارب المليون رسالة“، وأضاف: ”لدينا هذا الرجل الذي يعتبر من أكثر الشعراء دهاءً وإبداعاً في جيله، والذي قد استخدم أكثر أساليب حفظ الرسائل ذكاءً وإبداعاً، هذا النوع من الأدلة يجعلك تقف وتقول: ’آه هذا ما نعنيه عندما نقول أن أسلوب ثني الرسائل يعكس لنا بعضاً من صفات الأشخاص‘“.

جاري التحميل…

0