كان “جيرونيمو دي أيانز إي بومونت” مخترعا ورياضيا إسبانيا متقدما جدا على عصره. قبل قرون من الثورة الصناعية، كان هذا النبيل الإسباني يصمم آلات تعمل بالبخار، وبدلات غوص احترافية، وغواصات وأنظمة تهوية، وعشرات الاختراعات الأخرى!
لكن “أيانز” كان أكثر بكثير من مجرد مخترع، فقد شغل العديد من المناصب حيث عمل كجندي ومدير وفنان وموسيقي ومهندس خلال العصر الذهبي لإسبانيا. أكسبه تنوع المجالات التي برع فيها سمعة كواحد من المخترعين والرياضيين العظماء في عصره، ومع ذلك وعلى الرغم من حصوله على براءات اختراع لعشرات الاختراعات واختبار العديد منها بنجاح، إلا أن إنجازاته ظلت منسية إلى حد كبير لقرون.

ولد “أيانز” في “غويندولين” عام 1553، وهو ابن “كارلوس دي أيانز” قائد القوات العسكرية المتمركزة في قلعة “بنبلونة” العسكرية التي تقع في منطقة “نافارا” في شمال إسبانيا، ووالدته كانت تدعى “كاتالينا دي بومونت”. قضى طفولته في قصر “غويندولين” حتى عام 1567 حيث ذهب لخدمة الملك “فيليب الثاني” كغلام ملكي: وهو صبي صغير غالبا مايكون من العائلات النبيلة، يتم إرساله إلى القصر الملكي لتعلم أصول الفروسية، والآداب، والبروتوكول، مقابل تقديم خدمات متنوعة للملك.
عندما بلغ “أيانز” سن الثامنة عشر انخرط في صفوف القواة العسكرية على خطى والده وشارك في حملات عسكرية في جميع أنحاء أوروبا. وفي نهاية المطاف تم تعيينه كمدير للعديد من المناجم الملكية في المنطقة، وهو منصب جعله يتعرض للضروف الخطرة التي يواجهها عمال المناجم والمشاكل التي كانت تحل بطرق غير فعالة في هذا المجال.
واجهت المناجم في ذلك الوقت مشكلتان خطيرتان تمثلتا في تلوث الهواء في الداخل، وتراكم المياه في أروقة المناجم والأنفاق. هذا ما جعل “أيانز” يفكر في حلول عملية لهذه المشاكل، فقام باختراع نظام تصريف يعمل بالمبادل الحراري، وهو جهاز ينقل الحرارة ذاتيا باستخدام الحمل الحراري الطبيعي، وتبخر وتكثيف السوائل دون الحاجة إلى مضخات ميكانيكية، فاستطاع الجهاز جعل المياه الملوثة الناتجة عن الغسيل المعدني المتواجدة في الأعلى توفر طاقة كافية لرفع المياه المتراكمة في أروقة المناجم. يمثل هذا الاختراع أول تطبيق عملي لمبدأ الضغط الجوي، وهو مبدأ لم يتم تحديده علميا إلا بعد نصف قرن.
قام “أيانز” في وقت لاحق بتصميم مضخة ضغط تستخدم طاقة البخار لدفع المياه المتراكمة من خلال أنبوب يصل داخل المنجم بخارجه، وتم اختباره بنجاح في مناجم الفضة في “غوادالكانال” جنوب إسبانيا. وعلى الرغم من أنه لم يكن محركا بخاريا بالمعنى اللاحق لأجهزة تشغيل الآلات من خلال الحركة الميكانيكية المستمرة، إلا أنه يمثل تقدما كبيرا في الاستخدام العملي للبخار.
لم يكن تراكم المياه والفيضانات المشكلة الوحيدة في المناجم، فقد كان العمال يواجهون خطر تلوث الهواء ودرجة حرارة خانقة في مواقع العمل. تدخل “أيانز” لحل هذة المشكلة فطور أنظمة تقوم بتدوير الهواء النقي عبر أنفاق المناجم تحت الأرض، مما أدى إلى تحسين ظروف العمل بشكل كبير. حتى أنه قام بتبريد الهواء عن طريق جعله يلامس الثلج ثم توجيهه إلى الأماكن المغلقة. وصف العلماء المعاصرون هذا النظام بأنه شكل مبكر من أشكال تكييف الهواء.
اخترع “أيانز” في عام 1602 بدلة غوص احترافية مجهزة بنظام لتجديد إمدادات الهواء للغواص، وقام باختبارها في نهر “بيسويرغا” على غواص حيث بقي تحت الماء لمدة ساعة تقريبا، في عرض شاهده أفراد من البلاط الملكي. ومثلت هذه البدلة تقدما كبيرا في مجال الغوص وتقدمت بأشواط على بدلات الغوص البسيطة المتوفرة في تلك الفترة. صمم “أيانز” أيضا مركبات غوص مخصصة لأعمال الاستكشاف والإنقاض، وعلى الرغم من أن هذه الآلات لم يتم اعتمادها على نطاق واسع، إلا أنها تكشف عن خيال يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود التكنولوجية لعصره.
بدا أن إبداع “أيانز” كان بلا حدود، وفي عام 1606، منحه الملك “فيليب الثالث” ملك إسبانيا براءات اختراع لثمانية وأربعين اختراعا منفصلا، وهو رقم غير عادي في تلك الفترة. تضمنت أفكاره الحاصلة على براءة اختراع فرنا محسنا للمعادن والإنتاج الصناعي، وتصميما جديدا للسدود المقوسة، وتصميما مميزا لطواحين الهواء، ومضخات للري والصرف، وجهازا لقياس الإنحدار المغناطيسي، ومصانع الأسطوانات وآلات الطحن، ونظاما ميكانيكيا لنقل الحركة وقياس أداء الآلة، والعديد من الإختراعات الأخرى.
توفي “جيرونيمو دي أيانز إي بومونت” في عام 1613 بعد معاناته من مرض طويل ومنهك، وكان قد أوصى بأن يتم نقل جثته إلى مدينة “مورسيا”. نفذت وصيته حيث استراح جثمانه خلال نقله في دير “سان أنطونيو” وتم نقله لاحقا إلى “كابيلا ديل سوكورو” الواقعة في كاتدرائية “مورسيا” الإسعافية، حيث يستريح جثمانه الآن.
على الرغم من إنجازاته العديدة لم يصبح “أيانز” من أسماء المخترعين المعروفين عبر التاريخ، ويرجع ذلك في الغالب إلى أن اختراعاته تم تطويرها داخل النظام الملكي الإسباني، ولم يتم الإعلان عنها على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا. ظلت العديد من تصاميمه تقتصر على تطبيقات صناعية محددة أيضا. علاوة على ذلك طغت النجاحات اللاحقة لرواد الاستخدام العملي للبخار البريطانيين على كل مخترع آخر تقريبا انخرط في تكنولوجيا البخار بدرجات متفاوتتة من النجاح. وفي يومنا هذا بالكاد يعرف اسم “أيانز” خارج إسبانيا ويكون ذلك ضمن دوائر علمية محددة فقط، فهذا المخترع العبقري لم ينل ما يستحقه من الشهرة في حياته وبعد وفاته.












