علوم

كيف تدمن على الألعاب

قبل عشرة أو خمسة عشر عاماً كانت الألعاب عادة تركز على شيئين أساسيين: أن تمتلك حملة إعلانية ومحتوى كافٍ لإقناعك بشرائها وأن تشدك كفاية لتشتري الإصدارات اللاحقة منها لاحقاً، في الواقع هذا تغير جداً اليوم.

مع الوقت انتقلت الألعاب من شيء تشتريه لمرة واحدة فقط ويمكنك ممارسته متى شئت بحيث أن شركات الألعاب لا تهتم حقاً بكمية الوقت الذي تقضيه في اللعبة إلى حالة الاشتراك طويل المدى بحيث أنك لا تشتري نسخة من اللعبة بل حقاً بالوصول إليها لوقت محدد (يشبه نوعاً ما فكرة الآجار.) هذا بالإضافة إلى نشوء أفكار الشراء ضمن التطبيق والتي جعلت أجزاءاً أحياناً ما تكون ضرورية للتقدم باللعبة غير مجانية بل تحتاج لدفع المال مقابلها، بهذا التغيير أصبح الوقت الذي تقضيه في ممارسة اللعبة أولوية لشركات الألعاب مما جعلهم يسعون لأساليب تبقيك مقيداً بشاشة حاسوبك أو جهاوك المحمول لأوقات ممتدة من الوقت، وهنا لا شيء فعال أكتر من أساليب صندوق سكينر.

صندوق التكييف (صندوق سكينر)

صندوق سكينر

سكينر هو عالم نفس سلوكي خرج بفكرة إمكانية تكييف وتعديل تصرفات كائنات معينة عن طريق نظام بسيط من المكافأة والعقاب. ولذلك فقد صمم ”صندوق التكييف“ والذي هو عبارة عن قفص فيه حيوان صغير ورافعة يؤدي الضغط عليها إلى إفلات كمية معينة من الطعام. عند تجريب الحيوان للضغط على الرافعة سيحصل على طعام يحفزه للضغط مجدداً ومجدداً للحصول على غايته بينما إذا تخلف عن فعل ذلك فمن الممكن تقديم صدمة كهربائية صغيرة مؤلمة بحيث يتجه نحو الاستمرار بتنفيذ النشاط المطلوب (الضغط على الرافعة هنا). لكن حتى تدخل البشر إلى ”صندوق تكييف“ من هذا النوع أنت بحاجة إلى عدة أشياء:

خلق عناصر افتراضية بقيمة حقيقية

قد يجادل الكثيرون أن الأشياء الافتراضية لا تحمل أي قيمة وعادة ما يستخدم البعض هذه الحجة ضد ممارسي الألعاب، المشكلة تكمن في أن الأشياء الافتراضية تمتلك قيمة ولو لم تكن ملموسة حتى، القيمة لا ترتبط دوماً بالفائدة المرجوة من الشيء بل بالرغبة بامتلاكه والجهد المطلوب للحصول عليه، فمثلاً لا سبب حقيقي لقيمة الذهب أو الماس سوى أنك تراه جميلاً وترغب بالحصول عليه لتشعر بتميز معين. من حيث المبدأ فالجوائز في الألعاب تشبه هذا الشيء فكما يتعب أحدهم ليجني المال ليشتري خاتماً ماسياً يقضي آخر عشرات الساعات يضغط على الأزرار دون توقف للحصول على الدرع البراق من المستوى العاشر مثلاً وفي الحالتين القيمة الحقيقية لا تعدو عن الرغبة بالاقتناء لا أكثر.

كلاش

عملية جمع الأشياء في الألعاب تلبي نوعاً ما غريزتنا المتجهة لجمع الأشياء وتخزينها ولو لم يكن لها فائدة حقيقية لكن ”قد تفيد“ في وقت ما.

إعطاء الجوائز بشكل عشوائي

لو كنت تعلم أنك ستحصل على الطعام إذا ضغطت الزر بشكل متتالٍ لخمسين مرة مثلاً ففي مرحلة ما ستتكاسل عن الاستمرار بالضغط لأنك تعلم أنه مهما حدث فالطعام دوماً على بعد 50 ضغطة. الأمر يتغير إذا كان الطعام يأتي بشكل عشوائي تماماً بحيث من الممكن أن تأخذ الطعام أو جائزة أخرى بعد ضغطة واحدة أو ربما بعد ألف. هذه العشوائية تمنع الشعور بالأمان الزائد وتحفز اللاعب للاستمرار في اللعب لتحقيق هذه المكاسب العشوائية عندما يقتل وحشاً كبيراً أو يجني محصولاً افتراضياً.

بوكر

إعطاء دافع للمنافسة

كما في الكثير من الألعاب فاللعبة الصينية Z2 online تعتمد مبدأ فتح صناديق للحصول على أغراض مميزة وفريدة كأسلحة أو دروع أو غيرها، لفتح الصناديق تحتاج إلى مفاتيح يمكنك الحصول عليها بالشراء بمال حقيقي.

بالطبع اللعبة لا تكتفي بالأغراض والأدوات المميزة كحافز وحيد بل تضيف مستوى آخر من التحفيز بحيث تكافئ الشخص الذي يفتح أكبر عدد من الصناديق بأدوات فريدة من نوعها لا توجد لدى أي من اللاعبين الآخرين. بهذه الطريقة تضمن أن العديدين يتنافسون بصرف مبالغ مالية إضافية للحصول على أغراض فريدة من نوعها (بشكل مشابه للمزادات العلنية على الأغراض المميزة والحصرية مع فارق أنك هنا لا تعرف ما هو الغرض لكن تعرف أنك الوحيد الذي سيمتلكه.

كلاش

تسهيل الحصول على الجوائز

يمكنك تجربة أي لعبة من الألعاب الجديدة المعروفة بتسببها بالإدمان مثل Candy Crash Saga أو Clash of Clans وستلاحظ السهولة المفرطة التي تبدأ بها هذه الألعاب فخلال وقت قصير ستكون تخطيت بضعة مستويات بسهولة تامة في البداية. بالطبع لا تستمر الأمور على هذه الوتيرة وإلا فلن يلعب أحد هذه الألعاب، مع التقدم ضمن اللعبة يزداد الأمر صعوبة وتحتاج إلى وقت وجهد أكبر وتتجه للاعتماد على شراء وسائل المساعدة بشكل أكبر. بالطبع قد يبدو صعوبة اللعبة عند التقدم بها منفراً لكن عند الوصول للمستوى الصعب تكون قد تعلقت باللعبة بالفعل كما أن تجاوز المراحل الصعبة يعطي شعوراً قوياً بالإنجاز كما لو أنك حصلت على ترقية في العالم الحقيقي.

كاندي كراش

إزالة أو تقليل نقاط التوقف

نظراً لشغفنا نحو إكمال الأشياء فنحن نميل إلى إنهاء ما نبدأ به والابتعاد عن التوقف في منتصف المهام بل عند نهايتها. تعمل الألعاب على تعليقك بها بالابتعاد عن نقاط التوقف التي يغادر اللاعبون اللعبة عندها عادة، من أجل ذلك يتم اتباع أسلوبين: الأول يعتمد على جعل المهام طويلة للغاية ومستمرة مع تصعيب الحفظ والعودة لنقطة التقدم التي وصلت إليها بالتالي يبقى اللاعب حتى إنهاء المهمة التي قد تأخذ ساعات كما في World of Warcraft. أما الثاني فهو في الاتجاه المعاكس بحيث يتجه إلى جعل المراحل صغيرة جداً بحجم اللقمة بحيث يتم التعامل معها كما عند تناول الشيبس بحيث أن قطعة صغيرة بعد أخرى تقودك لإنهاء بضعة أكياس دون أن تحس بمرور الوقت أو ماذا حدث وذلك كما في لعبة Angry Birds ذائعة الصيت.

وارد وور كرافت

بالمحصلة فالطريقتان يؤديان إلى نتائج متشابهة تتمثل بإبقاء اللاعب متمسكاً بالاستمرار باللعبة ولو كان مشغولاً بأشياء أخرى.

إلعب أو إخسر

يأتي هذا الأسلوب حيث أن التحفيز الإيجابي ليس كافياً فبالإمكان التحفيز السلبي للابتعاد، الأمر يشبه الترغيب بالجنة والترهيب من النار بطريقة ما، فأنت تترغب باللعب بالجوائز وتترهب من ترك اللعب بالعقوبات كأن يفسد محصولك في المزرعة السعيدة أو تموت حيواناتك مثلاً وتتراجع في اللعبة.

سمك

في صندوق التكييف يتم استخدام الصدمات الكهربائية البسيطة بنفس الطريقة بحيث أنها تعمل كمحفز سلبي عند عدم ضغط الحيوان على الرافعة مما يجعله يتجه للضغط عليها بتحفيز مشابه لتحفيزه بأن الضغط سيجلب له الطعام أو شيئاً ما آخر.

المحفزات الغائبة عن العمل

من المعروف تماماً أن معظم الناس يكرهون الأعمال التي يمارسونها ونادراً ما يحققون أكثر من شيء واحد من المعايير الثلاثة لحب الوظيفة: السلطة لاختيار العمل والمهمة التي ترغب بتنفيذها، التعقيد بحيث لا تكون المهمات مجرد تكرار روتيني ممل للأحداث والصلة بين المجهود المقدم والجائزة في المقابل. فبينما من النادر وجود عمل يحقق هذه الشروط فالألعاب تستفيد من الإحباط لدى العاملين بهكذا أعمال لتوجيههم نحوها حيث تتحقق هذه الشروط ولو بشكل افتراضي.

سوليتر

في النهاية فالأمور السابقة مجتمعة هي ما تحقق الإدمان على الألعاب وليس أحدها فقط فالخلطة المناسبة بين العناصر هي التي تصنع لعبة ناجحة تجمع الكثير من اللاعبين الذين لا يستطيعون التوقف عن اللعب.

عدد القراءات: 3٬246