علوم

هل يقف المجتمع أمام تقدم العلم؟

نيكول كيدمان في دور عالمة الكيمياء الحيوية
نيكول كيدمان في دور عالمة الكيمياء الحيوية

في الحقيقة، إن العلم دائما يجمع المعرفة بشكل أسرع من استيعاب المجتمع لهذه المعرفة، لم يحدث أبدا أن كان الإثنان يسيران معا بنفس التسارع أو على نفس الخط، حتى هذه اللحظة، بل وكثيرا ما يقف المجتمع نفسه عائقا أمام تقدم المعرفة.

”أسوأ مظاهر عالمنا في هذه اللحظة أن العلم يجمع المعرفة بشكل أسرع من جمع المجتمع للحكمة“ —إسحاق عظيموف سنة 1988.

خذ مثلا الوقت والجهد الذي استغرقته أفكار كوبرنيكوس عن عدم مركزية الأرض في الكون، أو أفكار جاليليو عن دوران الأرض حول الشمس، حتى تصبح هذه الأفكار سائدة داخل المجتمع، خذ مثلا الجهد المبذول في نشر أفكار داروين عن التطور البيولوجي منذ أكثر من 150 سنة وحتى هذه اللحظة، تخيل لو أن المجتمع أصبح من العقل بشكل ما لاستيعاب هذه الأفكار وغيرها بشكل سريع والعمل بها والبناء عليها مستقبلا، تخيل كم التقدم العلمي الذي سيحدث لو أصبح المجتمع البشري قادرا على هذا!

العدد الأول من مجلة سوبرمان العربية

العدد الأول من مجلة سوبرمان العربية

في أوائل الثلاثينات صدر أول عدد من سوبرمان؛ لكن كان انتشار هذه القصص بين من يعتبرهم المجتمع مهوسيين، وكانوا يتلقون السخرية في المدرسة أو الجامعة أو العمل، استغرق الأمر أكثر من 70 عاما، حتى تصبح متابعة هذه القصص والمسلسلات والأفلام المنقولة عنها هو السائد وتعبر عن الذكاء والمرح، وأصبح الذين لا يتابعون هذه القصص هم المتخلفين أو الأغبياء وغير المرحيين!

أيام الحرب الباردة كان يكفي العلماء ذكر كلمة واحدة للحصول على التمويل الكافي من الكونجرس لإقامة مشاريع علمية ضخمة في الولايات المتحدة، هذه الكلمة هي ”روسيا أو الاتحاد السوفيتي“، وقتها كانت الولايات المتحده في أزهى عصورها العلمية.

لكن بعد أن سقط الاتحاد السوفيتي انتهى ولع الكونجرس أو رعبه، وانتهى عصر التمويل المفتوح للمشاريع العلمية الضخمة، فكانت النتيجه إقامت أكبر مسرع جزيئات في التاريخ CERN بجنيف في سويسرا بعد أن كان في الولايات المتحدة، مما أدى لتحويل كعبة العلماء منها لجنيف.

ثم واجه المجتمع العلمي مشكله أخرى، وهي بداية ميلاد قوى عظمى جديدة مثل الصين والهند، اللتين بدأتا، لا في استعادة علمائها الذين يشكلون نسبة كبيرة جدا من العلماء في الولايات المتحده فقط، بل وجذب علماء أخرين من أوروبا وأمريكا نفسها، بعد أن وفرتا البيئة المناسبة لهؤلاء العلماء وسهلتا اجراءات الحصول على موافقات التجارب التي تحرمها معظم الدول أو تضع عليها قيودا كبيرة، مثل تجارب التحرير الجيني أو التجارب الجينية على البشر.

أصبح العلماء في الولايات المتحدة يقعون بين صعوبة الحصول على التمويل اللازم لبدأ تجاربهم و الحصول على موافقات وتصاريح خاصه بهذه التجارب، كذلك فإن أغلب الجمهور الأمريكي لا يثق في العلم، وحتى العقول النابغة تذهب للعمل في البورصة في Wall Street أو تسخر تجاربها في اتجاه الحصول على المال والربح، لا في اتجاه إجراء التجارب الكبيرة والبحث عن نظريات مهمة.

هذا ما اضطر العلماء للبحث عن طريقة أخرى لحث الكونجرس على تمويل أبحاثهم، هذه المرة اتجه حديثهم نحو المجتمع ذاته، نحو دافعي الضرائب أصحاب الأصوات الانتخابية، الموجة التي بدأها علماء مرموقين مثل كارل ساجان، والتي تسارعت بشكل جيد في السنوات الاخيرة، الآن لدينا بوسترات ومقطتفات من أقوال هؤلاء العلماء تماما كمطربي البوب أو الممثلين.

كارل ساجان

كارل ساجان

هذه خطوات جيدة لكنها للأسف اتخذت منحى غير متوقع، بل ومضر، حيث أدت لنشر الاهتمام بالعلم لا في نشر العلم نفسه للأسف، حيث أصبحت هناك قنوات عديدة تمرر أفكارا مشوهة غير علمية بالمرة لكن في صورة علمية، يتم استخدامها في تجهيل المجتمع بشكل أعمق، وهو ما سيزيد الفجوة التي تحدث عنها إسحاق عظيموف، مالم يتم تعديل مسار هذه الموجة عن طريق البدء في نشر العلم والتفكير العلمي.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي.

عدد القراءات: 587