in

تعرّف على القصة الكاملة وراء هروب كارلوس غصن من اليابان

في الخريف الماضي تقريباً، تلقى مقاول أمني في آسيا مكالمة هاتفية غريبة. فالمكالمة جاءت من زميل قديم جداً، وكالمقاول الأمني، كان هذا الرجل خبيراً في حماية الشخصيات المهمة ورفيعة المستوى والشحنات بالغة الأهمية التي يجب توصيلها في ظروف صعبة. على أي حال، عرض الرجل على المقاول وظيفة في اليابان.

لم يمنح المتصل تفاصيل كثيرة عن العمل. أما عقد العمل، فيشمل مرافقة شخص ما خارج البلاد، حسب أقوال الرجل المتصل طبعاً. بالطبع، كان الأجر المدفوع مقابل العمل جيداً جداً، وكان الرجل يبحث عن عملاء يملكون خبرة عسكرية أو شرطية، وكذلك عليهم امتلاك ملامح وجه شرق آسيوية، بحيث لا يمكن التعرف عليهم عاصمة عالمية مثل طوكيو.

أراد المقاول معرفة المزيد، فمن الشخص الذي سيعمل على حمايته؟ وما الخطر المحدق به؟ وهل سيحمل العميل أموالاً أو ذهباً أو أي شيء ذا قيمة معه؟ بالطبع، لم يحصل على أية أجوبة. لم يكن المقاول ملزماً بالقبول، لكنه أخبر الرجل أنه سيبقى على اتصال معه في حال طرأ شيء جديد أو غيّر رأيه، ثم أغلق الهاتف. بالطبع، لم يحظَ المقاول بفرصة التفكير في هذا العمل بعدما انتشرت أخبار هروب كارلوس غصن عالمياً.

قبل رأس السنة، تمكن قطب الأعمال كارلوس غصن، رئيس شركة «نيسان موتور» و«رينو»، من الهروب من طوكيو بعدما وجهت اليابان إليه تهماً جنائياً بإمكانها زجه في السجن لأكثر من عقد من الزمن. وعلى الرغم من إبقاء غصن تحت رقابة مكثفة حينما كان ينتظر المحاكمة، كالكاميرا المثبتة على باب منزله الأمام والعملاء السريون الذين يلاحقون جميع تحركاته، تمكن غصن من الهروب من اليابان، بل استطاع الوصول إلى مسقط رأسه، لبنان.

لماذا اعتقل غصن، ولماذا احتُجز كل تلك الفترة؟

صورة لكارلوس غصن من شهر أبريل عام 2019. صورة: Kyodo News/Associated Press

اتُهم غصن بإخفاء تقارير بخصوص تعويض خسائر شخصية تُقدر بأكثر من 16 مليون دولار، قام بتعويضها عن طريق تحويلها من حساب شركة «نيسان». بقي غصن رهن الاحتجاز وتعرض للاستجواب لـ 108 أيام.

اعتُقل مساعده الشخصي (غريغ كيلي) في اليوم ذاته الواقع في 19 نوفمبر، وبتهمة إخفاء تقارير عن مدخول السيد غصن. لكن السيد (كيلي) مُنح إطلاق سراح مشروط في ليلة عيد الميلاد جراء تدهور صحته. لكن الرجلين ينكران التُهم الموجهة لهما.

وبما أن غصن رجل ثري ولا يملك عائلة في اليابان، بالإضافة لحمله الجنسيات البرازيلية والفرنسية واللبنانية، فهناك خطر هروبه من قبضة العدالة، فلبنان والبرازيل لا يسلمان مواطنيهما المطلوبين للعدالة الدولية.

لذا حاول المحققون استجواب غصن بلا توجيه تهم جنائية له، واستطاعوا تمديد فترة بقائه محتجزاً خلال إجراءات المحاكمة الروتينية. ووفقاً للقانون الياباني، استجُوب غصن بدون توكيل محام خاص.

كما حُرم غصن من إطلاق السراح المشروط مرتين في شهر يناير على الرغم من أنه وعد المحكمة بتسليم جواز سفره ودفع ثمن أداة تعقب وأتعاب الحرس الأمني.

أدى احتجاز غصن إلى استياء عام من سلطة الأجهزة القضائية الواسعة في النظام العدلي الجنائي الياباني. فألقت هذه القضية الضوء على الأمر القضائي واجب النفاذ في اليابان، وتحديداً بحق الأجانب الذين يعملون هناك.

أمضى غصن أكثر من 100 في الحبس الانفرادي في أحد سجون طوكيو، واشتكى من المحاكمات في هذا البلد الذي يحظى فيه المدعي العام بسلطة هائلة، ولا تسقط الدعاوى في هذا البلد إلا نادراً. أما في لبنان، فهناك سياسية تحيل دون تسليم المواطنين إلى العدالة في بلدان أخرى، ومع الأخذ بعين الاعتبار مكانة غصن الخاصة بصفته أكثر اللبنانيين نجاحاً في المهجر، اعتُبر الرجل بطلاً قومياً، خاصة بسبب الصداقة التي تجمعه بأسماء سياسية وتجارية كبيرة في لبنان، حتى أن لبنان أصدر في السابق طابعاً بريدياً يحمل صورة غصن، ما يدل بكل وضوح على حساسية هذه القضية العالمية.

بعدما وصل غصن إلى بيروت بسلام، بدأ يرد على الادعاءات الموجهة ضده، فادعى أنها نتيجة مؤامرة حاكتها فصائل قومية، داخل شركة نيسان وداخل الحكومة اليابانية أيضاً، وادعى أيضاً أن الهدف منها هو الإطاحة به، باعتبار أن غصن أمضى عشرات السنوات وهو يحاول بناء صورة عامة تليق به.

بعد مرور بضعة أسابيع على هروب غصن، من غير الواضح ما إذا كان الرجل سينجح في مسعاه أم لا. في لبنان، على الأقل حالياً، لا يمكن للحكومة اليابانية وقوات الأمن الوصول إليه، لكن المشاكل القانونية لا يمكن حلها بالهروب. ففي فرنسا مثلاً، حيث توجد شركة «رينو» إحدى الشركات الداخلة في الاتحاد الثلاثي مع «نيسان»، لا تزال التحقيقات جارية. في المقابل، أصدرت الحكومة اليابانية ما يُسمى بـالإخطار الاحمر، ورفعته إلى الإنتربول، بالتالي من الممكن اعتقال غصن حالما يدخل بلداً آخراً أقل ترحيباً به من لبنان.

أصدرت اليابان أيضاً مذكرة اعتقال بحق زوجته كارول غصن، مدعين أنها أدلت بشهادة مزورة خلال التحقيق في اليابان. بالتالي، أصبحت استعادة غصن لمكانته الرفيعة في السوق الرأسمالية العالمية أمراً صعباً جداً. حتى أن زملاءه القدامى في حيرة من أمرهم، فمن الصعب جداً على الشركات والبنوك والمستثمرين التعامل مع رجل يُعتبر، رسمياً، فاراً من قبضة العدالة.

تمكن غصن من الاجتماع مع عائلته في بلده الأصلي، وبدا في اللقاءات الصحفية مفعماً بالحيوية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي حققه غصن عندما هرب إلى لبنان؟ وما الفائدة إذا كان جلّ ما فعله غصن هو تبديل مكان الاحتجاز –من منزله في اليابان إلى منزله في لبنان؟

عندما أُطلق سراح غصن بشكل مشروط في اليابان، أمضى الكثير من وقته في مكتب محاميه في طوكيو، في مبنى قريب من القصر الإمبراطوري. مُنع غصن من استخدام الإنترنت في أي مكان كشرط من شروط إطلاق سراحه المؤقت، لكنه تمكن من استخدام غرفة لقاءات واجتماعات بسيطة جداً تحوي طاولة ولابتوب. وكانت تلك الغرفة المكان الوحيد الذي تمكن فيه غصن من مكالمة زوجته كارول، وحتى مع تلك الشروط، لم يُسمح له بمكالمة الزوجة إلا بعد موافقة القاضي. منذ شهر أبريل، عندما حصل آخر لقاء بين كارلوس وزوجته، تمكن من الحصول على إذن إجراء مكالمة معها مرتين فقط: واحدة في شهر نوفمبر، وواحدة أخرى في ليلة عيد الميلاد، ولمدة ساعة واحدة فقط.

أوضح غصن لاحقاً أن أكثر الأمور التي واجهته صعوبة هو عدم قدرته على مكالمة زوجته، وكان غيابها «شاقاً» عليه. لكن الأمور أصبحت مقلقة في ليلة عيد الميلاد، عندها علم أن المدعي العام أراد تأخير إحدى محاكمتيه لعام 2021، وأخبره محاموه أن حل القضية بأكملها قد يستغرق 5 سنوات.

أُدين غصن بـ 4 تهم، تتعلق جميعها بسوء الإدارة المالية. تعلقت التهمتان الأولى والثانية بإخفاء غصن تقارير متعلقة بالتعويضات التي يحصل عليها وعدم إدراجها ضمن التقارير الرسمية، وقال المحققون أن غصن أراد استلام 10 ملايين دولار. أما التهمتين الثانية والثالثة، فهما متعلقتان بخرق الثقة، حيث اتهمه المدعي العام من الاستفادة بشكل غير قانوني من علاقات نيسان مع شركائها في العالم العربي، وأن غصن حوّل 5 مليون دولار من أموال الشركة إلى مصالحه الخاصة عبر مجموعة لتجارة السيارات في دولة عمان.

أنكر غصن جميع تلك التهم، وادعى أن قصة التعويضات مضللة، وأنها مجرد ادعاء نظري لا وجود له على أرض الواقع، وأنه لم يسئ استخدام أموال «نيسان» على الإطلاق.

المحققون اليابانيون يقتحمون منزل غصن بعد هروبه. صورة: AP

في اليابان وجميع أنحاء العالم، لا يملك المتهمون خيار التهرب من الإجراءات إذا كانوا واثقين بعدم قدرتهم على الفوز في القضايا. لكن غصن تمكن من ذلك لامتلاكه موارد مالية هائلة وجوازات سفر لبنانية وفرنسية وبرازيلية. لعدة أشهر، قاد فريق مؤلف من أفراد من القوات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي سلسلة من العمليات الأمنية، وخططوا لإخراجه من اليابان وإيصاله إلى لبنان، حيث يملك غصن هناك عدداً هائلاً من العلاقات رفيعة المستوى. كانت سرية تلك المهمة شديدة للغاية: فبعض المشاركين في عملية التهريب لم يعلموا أساساً هوية الرجل الذي كانوا مسؤولين عنه، حتى بعدما قبل بعضهم الوظيفة.

تمتع قائد الفريق المسؤول عن تهريب غصن بمسيرة مهنية لا تختلف كثيراً عن مسيرة غصن نفسه. فقائد الفريق هو (مايكل تايلور)، وهو رجل مولود في ستاتن آيلاند بولاية نيويورك، والتحق بالجيش الأمريكي عقب إنهاء المدرسة الثانوية. استطاع الرجل إثبات مهاراته في التدريبات، فتمتع مثلاً بمهارات القفز المظلي والقفز من الطائرة على ارتفاع يزيد عن 9 كيلومتر.

بُعث (تايلور) إلى لبنان خلال إحدى أكثر الفترات وحشية في ذاك البلد، أي خلال الحرب الأهلية التي انتهت عام 1990، وهناك، تمكن (تايلور) من التعرف على زوجته المستقبلية لمياء، وهي سيدة تنتمي إلى الأقثلية المسيحية المارونية في لبنان، أي مثل غصن أيضاً.

سخّر (تايلور) مهاراته بعد تقاعده من الخدمة العسكرية للعمل في القطاع الخاص، فأنشأ شركة AISC أو كتيبة الامن الدولي الأمريكية، في مدينة بوسطن. كانت تلك الشركة مسؤولة عن حماية عملائها في الأماكن الخطرة، وتجهيز تقييمات المخاطر في الأماكن ذات البنى التحتية الحرجة، بل أنها كانت مسؤولة أيضاً عن إنقاذ الضحايا المختطفين.

تعاون (تايلور) مع وكالات أمريكية أخرى مثل إدارة مكافحة المخدرات DEA ومكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات ATF، وفي إحدى المناسبات، عمل (تايلور) متخفياً للتحقيق في مهربي المخدرات اللبنانيين، وبنى علاقات مع ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الشهير (دوين كلاريدج)، وهو من أشرف على شبكة تجسس خاصة عندما أصبح متقاعداً.

اشتُهر (تايلور) بانخراطه في أعمال ضمن المناطق الرمادية. ففي تسعينيات القرن الماضي مثلاً، اتُهم في ولاية ماساتشوستس بتهم متعلقة بالتنصت غير القانوني، وأُدين بجنح صغيرة. لاحقاً، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن (تايلور) كان على اتصال مع شبكات تهريب «خارج السجلات» في أفغانستان، وخالفت تلك الشبكات القوانين العسكرية الواضحة التي تمنع توظيف المقاولين الخاصين كجواسيس، لكن (تايلور) لم يتعرض للملاحقة.

في عام 2012، اتهم المدعي العام الفيدرالي (تايلور) بدفع رشوة إلى ضابط في الجيش للحصول على 54 مليون دولار أمريكي من خلال الصفقات، واتهمه أيضاً بالتآمر مع عميل للـ FBI (مكتب التحقيقات الفيدرالي) سعياً لإيقاف تحقيق يبحث في تلك القضية. اعترف (تايلور) بالتحايل والتنصت وخرق قانون الشراء الفيدرالي، وزُج في السجن لسنتين، فانهارت شركته الخاصة التي أنشأها.

تفاصيل عملية الهروب

الصندوق الذي هُرب عبره كارلوس غصن.

من غير الواضح تماماً إن كان (تايلور) على اتصال مباشر مع غصن، على الرغم من أن العائلات قد تعرف بعضها في هذا البلد الصغير، لبنان. وبينما كان غصن أحد أشهر المدراء التنفيذيين الذين تربعوا على منصبهم لـ 20 عاماً، فهو بالتالي من أشهر الشخصيات الأجنبية في اليابان، أي من الصعب التصديق أن غصن تمكن من الهروب عبر المطار بلا أن يلحظه أحد، خاصة أن الحكومة اليابانية كانت تتابع كل تحركات الرجل.

ربما جاءت مساعدة (تايلور) لـغصن بدافع الشفقة والعطف، على الرغم من الخلفيات المتباينة جداً لكل منهما. لكن (تايلور) مُنع من دفع الكفالة أيضاً والخروج من السجن حتى ينتظر محاكمته، وبالتالي سُجن هو الآخر في ولاية يوتا الأمريكية بعيداً جداً عن منزله وموطنه الأصلي في ولاية ماساتشوستس.

في اليابان، تلقى (تايلور) العون من صديق قديم له في لبنان يُدعى جورج الزايك، والأخير عالم جواهر بالممارسة، والتحق بميليشيا مسيحية إبان الحرب الأهلية اللبنانية، وأُصيب بجروح بالغة في قدمه خلال تلك الفترة. فأراد الأطباء في لبنان بتر طرفه، لكن (تايلور) ساعده في تلقي علاجٍ أفضل في بوسطن ضمن الولايات المتحدة. وبالفعل، تمكن الزايك من الحفاظ على قدمه، وبالتالي أصبح من المعارف المخلصين لـ (تايلور)، بل أصبح مواطناً أمريكياً وعمل في شركات (تايلور) خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم عمل لصالح (تايلور) في العراق. وبالمناسبة، لم يدل الاثنان –تايلور والزايك– أي تصريحات عن عملية هروب غصن.

بدأت التحضيرات الأخيرة لعملية هروب غصن قبل عيد الميلاد. ففي الرابع والعشرين من شهر ديسمبر، دفعت شركة تُدعى «النطاق الأخضر» مبلغاً من المال قيمته 175 ألف دولار أمريكي لمجموعة طيران تركية تُدعى MNG Jet لاستئجار قاذفة قنابل غلوبال إكسبريس جيت، والتي بإمكانها التحليق لمسافة أقصاها 11 ألف كيلومتر. وإذا حاول شخص ما في شركة MNG البحث عن هذا العميل الذي دفع 175 ألف دولار، فالعملية لن تكون سهلة أبداً: فشركة «النطاق الأخضر» التي جاء في العقد أنها مُسجلة في دبي الإماراتية غير موجودة من الأساس. وفي الفترة ذاتها، صرحت شركة MNG أن عميلاً آخراً رتب لاستئجار طارة أخرى، وهي قاذفة ذات مدى أقصر، للتحليق فيها من اسطنبول إلى بيروت.

في صباح الأحد الواقع في الـ 29 من شهر ديسمبر، وصل (تايلور) والزايك إلى مطار كانساي الدولي قرب أوساكا اليابانية على متن طائرة غلوبال إكسبريس المُستأجرة. كان على متن الطائرة طياران، وذلك وفقاً لما أورده أُناسٌ على دراية بتلك الرحلة، لكنهم رفضوا كشف هويتهم. لكن أهم ما على الطائرة تلك هو الصناديق السوداء الكبيرة التي تُستخدم عادة لنقل المعدات الصوتية أثناء الحفلات الموسيقية (مثل مكبرات الصوت أو الآلات الموسيقية).

الحرس الأمني الخاص أمام منزل كارلوس غصن في لبنان. صورة: AP

غادر غصن مقره في ذات اليوم، بناءً على صور كاميرات المراقبة التي نقلتها وسائل الإعلام اليابانية، ويقع بيته في حي روبونغي الصاخب. ارتدى غصن قبعة وقناعاً للوجه، بينما اختار فريق (تايلور) الوجهة التالية لغصن بعناية فائقة. فخلال الأشهر الماضية، قضى أعضاء الفريق وقتهم في مراقبة العملاء المكلفين بمراقبة غصن وتسجيل جميع تحركاته في طوكيو، فلاحظ فريق (تايلور) أمراً مثيراً للاهتمام، وهو أن العملاء اليابانيين لم يتبعوا هدفهم (غصن) أثناء دخوله الفندق.

وصل غصن إلى فندق قريب هو فندق «غراند حياة طوكيو» القريب من «روبونغي هيلز»، والأخير هو مولٌ عملاق ومجمع مكاتب له عدد كبير ومعقد من المداخل والمخارج في عدد من الطوابق. انطلاقاً من ذلك المول، ووفقاً لما أوردته وسائل الإعلام اليابانية، استطاع غصن الوصول إلى محطة شيناغوا، وهي محطة قطارات رئيسة، ثم ركب غصن في القطار السريع المتجه نحو مدينة أوساكا. لم يكن ظهور غصن ضمن شبكات المواصلات العامة أمراً مثيراً للشكوك. فشروط إطلاق السراح تسمح له بالتحرك والانتقال ضمن البلاد، بل زار مدينة كيوتو سابقاً برفقة إحدى بناته.

كجميع التفاصيل في عملية هروب غصن، اختار الفريق وسائل انتقال غصن من اليابان بعناية شديدة، فقيّم الفريق عدداً لا بأس به من السيناريوهات المحتملة. وبالمناسبة، استخدام جواز سفر مزيف لغصن كي يسافر على متن الطائرة الخاصة أمر شديد الخطورة، بل أشبه بالمقامرة: فختم الدخول الياباني يحتوي ترميز QR، وإذا تم مسح هذا الترميز من خلال الأجهزة الموجودة في محطات العبور (المطارات والقطارات وغيرها)، سيتبين على الفور أنه جواز سفر مزيف.

بحث فريق (تايلور) واستكشف جميع المطارات الموجودة في اليابان، تحديداً تلك المطارات المتهاونة نوعاً ما في الحماية الأمنية. قبل أشهر من الحادثة، قال أحد الأشخاص المطلعين على العملية أن فريق (تايلور) لاحظ أن أجهزة الفحص باستخدام أشعة X في مطار كانساي صغيرة جداً ولا تتسع لمسح وفحص صندوق كبير مثلاً، بينما كان المطار يسمح للصناديق الكبيرة جداً بالمرور بدون فحص!

وبالفعل هذا ما حصل في ليلة التاسع والعشرين من شهر ديسمبر. لم يتفحص مسؤولو المطار الصناديق السوداء الكبيرة التي جلبها (تايلور) والزايك معهما، وحُملت تلك الصناديق داخل الطائرة الخاصة بدون أي مشكلة. اتجهت تلك الطائرة نحو اسطنبول، فتوجيه الرحلة نحو لبنان سيجلب الكثير من الانتباه. وهكذا، حلّقت الطائرة نحو الساعة الحادية عشر مساءً في الجو.

هبطت الطائرة في مطار أتاتورك في اسطنبول بعد مرور 12 ساعة تقريباً، وكان بانتظارهم مدير عمليات AMG والشخص الذي رتّب عملية استئجار الطائرة، التركي (أوكان كوسيمن). قال (كوسيمن) في إدلاء لاحق أمام القضاء التركي أنه عندما وصل إلى الطائرة وجد رجلين أمريكيين –ربما (تايلور) والزايك– ثم قاداه إلى مؤخرة القمرة، هناك وجد غصن بانتظاره.

انتظر (كوسيمن) مغادرة الطاقم، وأمر التقني الذي جاء للعمل على الطائرة بالابتعاد، ثم نقل غصن في مركبة من طراز «فورد» لنقله إلى الطائرة الثانية المتجهة نحو لبنان. بالمناسبة، قال (كوسيمن) أنه لم يكن على دراية بالوضع، ولم يعلم أنه يساعد هارباً من العدالة، بل أن أحد الأشخاص المشتركين في عملية الاستئجار هدده بإيذاء عائلته إن لم يتعاون.

بالطبع، لم يملك غصن جواز سفر بعدما أطلقت السلطات اليابانية سراحه بشكل مشروط (احتفظت السلطات بجواز سفره)، لكن بما أن غصن يملك جواز سفر فرنسي (وهو امتياز يُمنح للمواطنين الذين يضطرون إلى السفر مراراً). لذا، حصل غصن على الإذن بالاحتفاظ بجواز سفره الفرنسي، وعلى كل حال، كان عليه حمل وثائق تثبت هويته دائماً في اليابان. لكن اشتُرط وضع جواز السفر في محفظة بلاستيكية مقفولة لا يمكن فتحها إلا من طرف محامي غصن. لكن غصن تمكن على ما يبدو من فتح المحفظة، حيث أظهرها للمفتشين الموجودين في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، كأي مسافر طبيعي.

خلال الأيام الأولى التالية لهروب غصن، لم يملك المسؤولون اليابانيون رداً واضحاً على القصة. فمثلاً، لم يدلِ رئيس الوزراء (شينزو آبي) ولا نوابه بأي تصريح، وفي مكتب المدعى العام في طوكيو ووزارة العدل، لم يستطع الصحفيون استخراج أقوالٍ واضحة من المسؤولين. بالتالي أشعل هذا الصمت عدداً من النظريات مفادها أن غصن حصل على الضوء الأخضر من اليابان كي يهرب –أي أن المسؤولين الحكوميين ملّوا من العوائق المرافقة للتحقيق مع هذه الشخصية رفيعة المستوى ذات العلاقات الواسعة، فقرروا التخلص منه في نهاية المطاف.

بالطبع، لم تدم تلك النظريات طويلاً. ففي السابع من شهر يونيو، قال المدعي العام أنه حصل على مذكرة اعتقال بحق كارول، زوجة غصن، موضحاً أن ذلك جاء بناءً على تصريحات مزيفة أدلتها كارول قبل أكثر من 8 أشهر. اعتبر ممثلوا غصن أن تلك الحركة التي تلتها تقارير تفيد أن اليابان تسعى لوضع كارول على النشرة الحمراء لمنظمة الإنتربول (والنشرة الحمراء تعني اعتقال كارول أو معرفة مكانها بهدف تسليمها إلى السلطات اليابانية)، ورأى ممثلوا غصن أن تلك محاولة لتحدي كارلوس بعد ظهوره لأول مرة على العلن عقب هروبه.

حدث أول لقاء صحفي في الثامن من شهر يناير في بيروت، وكانت تلك فرصة غصن لإثبات براءته. دام خطابه أكثر من ساعة، وتحدث فيه عن الكثير من الوثائق، وادعى أن الادعاءات مُعدة مسباً ونتيجة مؤامرة لإيقاف خططه المتمثلة باتحاد نيسان مع شريكها رينو بالكامل. وادعى أيضاً أن (هيروتو سايكاوا)، خليفته في منصب المدير التنفيذي لنيسان، هو أحد مدبري تلك المؤامرة، و(هيتوشي كاواغوتشي) أيضاً، والذي كان مسؤولاً عن العلاقات الحكومية وعضواً في مجلس ماساكوزا تويودا. لكن جميع المتهمين أنكروا ادعاءات غصن.

بالطبع، لم يتحدث الرجل عن مخطط هروبه لحماية الأشخاص الذين ساعدوه وهويات المسؤولين اليابانيين الذي من المفترض أنهم شاركوا في العملية.

قال غصن: «أنا هنا لأوضح القصة. هذه الادعاءات ليست صحيحة، ولا يجب على السلطات اعتقالي. اعتبرني العالم مذنباً، وخضعت لنظام مهمته الوحيدة إرغام الناس على الاعتراف ودفعهم على الإقرار بالذنب، بدون أي اعتبار للحقيقة». أما عن هروبه، فقال: «مخاطرة لا يرتكبها المرء إلا في حال استحالة حصوله على محاكمة عادلة».

الرئيس التنفيذي السابق لنيسان، كارلوس غصن، وزوجته كارول. صورة: Reuters

لكن مع استمرار التصريحات، تحوّل الوضع إلى فوضى. فبدأ غصن ينتقل من ادعاء إلى آخر لدرجة أن الصحفيين والمراقبين لم يستطيعوا استيعاب القصة بأكملها. لكن غصن أخطأ كثيراً عندما قارن اعتقاله بالهجوم الياباني على بيرل هاربور، وذلك أمر لا يتقبله اليابانيون من الأجانب على الإطلاق. بدا غصن متعجرفاً أيضاً، فقال أن شركة نيسان كانت «في الحضيض» قبل مجيئه، وهذا ما تؤكده –وفقاً لغصن– الكتب العشرون عن الإدارة والتي كُتبت عنه تحديداً.

لكن شعور الحرية الذي عثر عليه غصن في لبنان لن يدوم طويلاً. فبعد النشرة الحمراء التي طالبت اليابان بها، ستبدأ بلا شك الإجراءات في لبنان، فبعد يوم من تصريحاته الصحفية السابقة، استُدعي الرجل إلى وزارة العدل، وسأله المحققون عن الادعاءات اليابانية وعدد من القضايا المنفصلة، أهمها زيارته إسرائيل بصفته الرئيس التنفيذي لشركة رينو. بسبب طبيعة العلاقة بين إسرائيل ولبنان، فممنوع على اللبنانيين زيارة إسرائيل، والعقوبة قد تصل إلى السجن –وهذا دليل على أن قيم غصن العولمية قد لا تتوافق مع الحكومة اللبنانية.

على أي حال، منعت الحكومة اللبنانية غصن من مغادرة البلاد، فجردته من جواز سفره الفرنسي. في مقابلة من بيروت، أصر وزير العدل ألبرت سرحان أن لبنان سيأخذ بعين الاعتبار المطالب اليابانية، ومن المبكر القول أن غصن لن يُسلم إلى اليابان. لكن مع أخذ السياق القانوني والسياسي بعين الاعتبار، فالنتيجة غير مرجحة.

يدعي غصن أنه قادرٌ على إثبات براءته، وهو أمر يرجح محاموه أنه سيجري في لبنان، ذاك البلد المُصنف في المرتبة الـ 138 من ناحية الشفافية عالمياً وفقاً لمؤشر مفاهيم الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية.

ربما لم يتمكن غصن من هزيمة النظام القضائي في اليابان، لكن علاقاته وصلاته وأمواله ووصوله إلى وسائل الإعلام العالمية هي موارد يعتمد غصن عليها للهروب من قبضة العدالة.

تمنح اليابان دولة لبنان الملايين من الدولارات على شكل مساعدات، لذا من الطبيعي أن اليابان تريد عودة غصن إلى أراضيها واستكمال المحاكمة.

لكن غصن أوضح أنه مستعد لخوض أي محاكمة ما دامت عادلة. وقال بوضوح أنه «مرتاح أكثر للنظام القضائي اللبناني مقارنة بالياباني». تلك مشكلة كبيرة حقاً يعاني منها لبنان، وسببها النخبة السياسية الفاسدة. فإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً، ونظرنا إلى الحراك الشعبي اللبناني الذي ملأ شوارع لبنان ليحارب الفساد ويطالب برحيل «جميع الساسة»، سنجد أن استقلال القضاء هو أحد أهم المطالب التي نادى بها اللبنانيون، بالتالي من الواضح أن النخبة السياسية والاقتصادية في البلد هي من تسيّر البلد بأكمله، وهي النخبة ذاتها التي تقف إلى جانب غصن.

هل كان غصن مذنباً فاراً من العدالة، أم ضحية نظام قضائي يعمد على تشويه صورته؟ تلك أمور لن نعرفها حالياً، لكن من المؤكد أن الوضع فوضوي وغامض أكثر مما نتخيل!