شخصيات

4 نساء عملن في مجال الجنس وخلّفن أثراً كبيراً في التاريخ

يعتبر العمل في مجال الجنس أقدم مهنة في التاريخ، بالرغم من مرور كل ذلك الزمن لم تتغير نظرة المجتمعات إلى العاملات في هذا المجال كثيراً، ولا تنال بائعات الهوى أي نوع من الإطراء بل يعتبرن منبوذات ومكروهات نوعاً ما، فلا يخلو أي مسلسل هزلي أجنبي من نكتة واحدة على الأقل في كل موسم تتضمن تهكما سخيفاً على بائعات الهوى، حتى أن المصطلح الشائع: ”عاهرة ذات قلب من ذهب“ يوحي بأن العثور على عاملة جنس قادرة على التعاطف هو أمر نادر الحدوث.

على كل حال تستحق العاملات في مجال الجنس كل الإحترام لأنهن بكل بساطة بشر، بغض النظر عمّا يقمن به لكسب المال طالما أنهن لا يسلبنه من أحد، وقد حضي عدد كبير من بائعات الهوى بالاحترام لأنهن ساهمن في تغيير مسار التاريخ وأنجزن الكثير من الأشياء المثيرة للإعجاب أكثر من أي سمسار بورصة مثلاً، وفي هذا المقال أمثلة عديدة على ذلك.

1. (تشينغ شي)، بائعة الهوى التي قادت واحداً من أكبر أساطيل القراصنة في التاريخ:

في فيلم «قراصنة الكراييبي: في نهاية العالم» Pirates of the Caribbean: At World’s End الذي خرج إلى صالات السينما عام 2007؛ كان يشار إلى شخصية أحد أسياد القراصنة التسعة باسم Mistress Cheng أو «العشيقة تشينغ» حيث اتضح بعدها أنها لم تكن خيالية بل كانت تستند إلى شخصية امرأة حقيقية -ومعرفة المزيد عنها سيجعلك تتساءل عن سبب عدم وجود سلسلة أفلام خاصة بها، بدلاً من نسختنا الحالية من الشخصيات التي جسدها الممثل (جوني ديب) مثل (كيث ريتشاردز) و(جاك سبارو) ثم إعادته لتجسيد دور (كيث ريتشارد) مرة أخرى-.

تعتبر (تشينغ شي) بكل تأكيد واحدة من أنجح القراصنة الذين أبحروا يوما ما، وكانت في الأصل بائعة هوى في بيت للدعارة في (كانتون) في جنوب الصين قبل أن تلفت أنظار القرصان (زانغ يي) الذي تزوجها بعقد وصفه البعض بأنه صفقة تجارية كبرى. لقد جمع الإثنان معاً أسطولاً ضخماً متكوناً من آلاف السفن وعشرات الآلاف من الرجال، وأدى ذلك إلى تقزيم جميع القوات البحرية في العديد من البلدان.

كان الزوجان يشكلان أكثر الثنائيات صلابة وقوة في العالم، وعندما مات (زانغ يي) استغلت زوجته (تشينغ شي) الفرصة فأصبحت تمتلك قوة حقيقية خاصة بها وتولت السيطرة التامة على أسطول القراصنة برمته.

صورة تبرز القرصانة (تشين شي) وهي تخوض إحدى المعارك.

صورة تبرز القرصانة (تشينغ شي) في إحدى المعارك وهي تحمل السيف وتقاتل الرجال بشراسة.

بدأت بعدها (تشينغ شي) بسَن قوانين سلوك صارمة للغاية يجب على كل قراصنتها اتباعها تتمثل في: عدم السرقة من القرويين وعدم الهروب من المعارك، وكانت تسهر على أن تتم معاملة أي سجين وأسير -خاصة الإناث منهم- باحترام، وعلى الرغم من أن قراصنتها كانوا لا يزالون يرغمون السجينات علی الزواج بهم، إلا أنهم كانوا مضطرين للبقاء مخلصين لهن، كانت نتيجة عدم اتباع هذه القواعد هي الإعدام بقطع الرأس، وكان لا بد من تنفيذ مثل هذه الأحكام من قبل القرصانة القائدة، فلا يمكنك أن تكون رئيسًا لقراصنة أشدّاء دون أن تقطع رأس أحدهم على مرأىً من الجميع.

بعد إحباطها لهجمات متعددة شنتها ضدها العديد من الدول التي تتطلع إلى إسقاطها، تفاوضت (تشينغ) مع الحكومة على إقامة هدنة بما أن الغالبية العظمى من طاقمها تمكن من النجاة من تلك الهجمات، وفي نهاية المطاف استطاعت (تشينغ شي) التفاوض على شروط استسلامها وتمكنت بطريقة ما من الحصول على صفقة جيدة، حيث مُنحت حق الإبقاء على كل ما كانت قد جنته خلال سنواتها كقرصانة سيدة.

تقاعدت بذلك من مهنة القرصنة، وهو أمر لم يقدر على فعله سوى عدد قليل من القراصنة، وغيرت طبيعة عملها كلياً فأصبحت تدير دارًا للمقامرة في (كانتون) حتى توفيت عام 1844 عن عمر يناهز الـ69 عامًا.

2. (نينون دو لونكلو)، عاملة في مجال الجنس ومفكرةً فرنسية تعطي الرجال دروساً حول المساواة بين الجنسين:

بمجرد ذكر موضوع حركة التنوير الفرنسية تتبادر إلى أذهان معظم الناس أسماء مثل (فولتير) و(موليير)، فقد كان الإثنان فعلا مهووسَين بالعلم لدرجة قضيا وقت فراغهما في خدمة الحركة التنويرية الفرنسية، لكن لا يكتمل الحديث عن الثقافة الفرنسية في القرن السابع عشر دون الإتيان على ذكر (نينون دو لونكلو).

بعد أن تم نفي والدها لقيامه بقتل أحد الرجال أجبرتها والدتها على ممارسة الدعارة في سن مبكرة، وفي نهاية المطاف أصبحت (نينون) بائعة هوىً بارزةً للغاية، حيث كانت تتعامل مع العديد من عشاقها من الشخصيات البارزة في المجتمع وخلقت لنفسها سمعة جيدة، وسرعان ما أصبحت عاملة دائمة في صالونات محلية حيث كانت تحدث إلى الرجال والنساء حول مواضيع مختلفة، بما في ذلك مفهوم الحب -الذي لا يعتبر موضوعا علاجيا بالضرورة- وكانت أكثر نصائحها المعترف بها والموجهة إلى الرجال تقول: ”تحدث إلى المرأة التي تحب واجعلها محور الحديث باستمرار ولا تتحدث عن نفسك إلا قليلاً“.

كانت هذه النصيحة مثيرةً للجدل في ذلك الوقت إلا أننا في وقتنا الحالي ربما نتفق على كون هذا المعنى لا يزال صحيحًا وصالحاً، ويتلخص في مقولة موجهة للرجال: ”لا تكن كومة كبيرة من الأنانية“.

رسم للجميلة (نينون دو لونكلو)

رسم للجميلة (نينون دو لونكلو) – صورة: ويكيميديا

قدمت (نينون) الكثير لمجتمعها الصغير ولم يقتصر ذلك على مجرد تقديم النصائح الخاصة بالعلاقات، حيث أنها قامت بإنشاء صالونٍ يمكن للرسامين والملحنين والموسيقيين الإلتقاء فيه ومناقشة القضايا الفكرية والفلسفية، وكانت أيضاً من المؤيدين الأوائل للمساواة بين الجنسين وعلّمت الرجال كيفية التعاطف مع النساء بدلاً من اعتبارهن مجرد وسائل للمتعة يتسابقون في نيلها، ويعتبر هذا المفهوم من المواضيع التي يصعب الخوض فيها في وقتنا الحالي، لذا يمكننا أن نتخيل كيف مثّل الموضوع تغيراً فكرياً جذريا في القرن السابع عشر.

ساعدت هذه المرأة بشكل غير مباشر في التمهيد لمسيرة (فولتير) و(موليير) المهنية، فقد تركت بعد وفاتها ثروة كبيرة لابن محاسبها (فرانسوا أرويت) الذي هو (فولتير) نفسه، فبدون تلك الأموال لم يكن بإمكان (فولتير) كتابة ونشر كتبه مثل (كانديد)، كما أنها كانت تقرأ عمل (موليير) الشهير بعنوان (تارتوفي) في صالونها مما عزز سمعته. بعبارة أخرى: عززت (نينون) ظهور بعض الفلاسفة الأكثر احترامًا في عصر التنوير.

3. (بروك ماغنينتي)، عملت كبائعة هوى للحصول على درجة الدكتوراه، وقامت أيضا بدراسة سرطان الأطفال:

ما هو الأمر الأكثر صعوبة من محاولة علاج السرطان؟ ربما توجد أشياء أخرى يمكنها أن تثير اهتمامنا الكلي لكنها لا تقارن نسبياً بمحاولة إيجاد علاج للأطفال الذين يعانون مع السرطان.

بغض النظر عن صعوبة ذلك؛ كرست (بروك ماغنينتي) حياتها وأسهمت في العديد من الأبحاث العلمية حول هذا الموضوع، وتضمن عملها ورقة بحث عن الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها (كلوربيريفوس) -وهو مبيد حشري شائع الإستعمال- إلى قصور في النمو العصبي لدى الأطفال.

كانت الطريقة الوحيدة لمواصلة بحوثها انطلاقا من تلك النقطة هي الحصول على درجة الدكتوراه والتي كانت تكلف الكثير من المال، فاضطرت للعمل في مجال الجنس لتتمكن من تسديد مستحقات شهادة الدكتوراه.

من المؤكد أن الكثير من طلاب الجامعات قد راودتهم أفكار مشابهة لتسديد قروضهم التعليمية، لكن في حين أن معظم الناس يفكرون في العمل في مثل هذا المجال لتحقيق مصالحهم الشخصية فقط، فإن هدف (ماغنينتي) كان أسمی بكثير: وهو المساهمة في إيجاد دواء للسرطان يساعد الأطفال للتغلب علی هذا المرض والتقليل من معاناتهم.

كسبت (ماينانتي) ما يكفيها من المال من خلال عملها في مجال الجنس من عام 2003 إلى عام 2004، وخلال هذا الوقت أنشأت مدونة الكترونية تنشر فيها مغامراتها في هذا المجال تحت اسم مستعار «بيل دي جور» أو «جميلة اليوم»، والتي لاقت رواجاً كبيرا لدی الجمهور الأوروبي، وفي عام 2009 كشفت عن نفسها بأنها الدكتورة (بروك ماغنينتي) و(بيل دي جور) بائعة الهوی الشهيرة ولم يؤثر ذلك علی احترام وترحيب المجتمع العلمي لها بتاتاً.

هذه هي الدكتورة (بال دي جور) وهي (بروك ماغنينتي) نفسها

هذه هي الدكتورة (بال دي جور) وهي (بروك ماغنينتي) نفسها.

لقد ساهمت (ماغنينتي) كثيرا في المجتمع العلمي، لكنها لم تنس أصلها الذي كانت تكسب منه المال، وظلت مؤيدة بقوة لعدم تجريم مهنة الدعارة، كما ظهرت أمام مبنى البرلمان وشجعت أعضاءه للتصويت علی إلغاء قانون تجريم هذه الممارسة حتى يزداد احتمال لجوء المشتغلين في الجنس للسلطات عند تعرضهم للإساءات.

للمرة الأولى منذ عقود استمع نواب برلمانيون بجدية إلى تلك المخاوف والمطالب، وبينما لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به لتمكين عاملات الجنس من نيل حقوقهن في العمل بشكل قانوني وضمان حقوقهن المدنية، فإن مستقبل هذه القضايا يبدو مشرقا خاصة عندما تكون من قادته شخصيات قوية مثل (ماغنينتي).

4. (جوليا بوليت)، بائعة الهوى التي تبرعت بالكثير من ما جنته لفائدة جنود الاتحاد في الحرب الأهلية الأمريكية ورجال الإطفاء:

لم تستخدم (جوليا بوليت) الأموال التي كسبتها في مجال الجنس في إغراق نفسها في كومة من الأغراض الباهضة وغير المجدية على غرار أفخر الملابس والمقتنيات، بل قامت بدلا من ذلك بمساعدة مواطنيها. كانت (بوليت) قد امتهنت الدعارة عندما كانت تقطن في (كاليفورنيا)، ثم انتقلت إلى مدينتي (فيرجينيا) و(نيفادا) حيث واصلت عملها، وسرعان ما حضيت بشهرة واسعة بين عمال المناجم هناك الذين أصبحوا زبائن مخلصين لها.

قامت (بوليت) خلال حياتها بالعديد من الأعمال لتحسين المدينة التي تعيش فيها، نذكر منها على سبيل المثال أنها كانت تندد بالعمل في مجال التعدين حيث أنه لم يكن عملا آمنا، وعندما أصيبت مجموعة من عمال المناجم بالمرض بعد شربهم لمياه ملوثة جراء التعدين، حولت (بوليت) بيت الدعارة خاصتها المعروف باسم «قصر جوليا» إلى مستشفى لعلاجهم، حتى أنها ساهمت في رعاية المرضى استنادا على مهارتها في التمريض.

تبرعت (بوليت) بأموال طائلة لفائدة «لجنة لينكولن الصحية» -وهي وكالة إغاثة تهدف إلى دعم جنود الاتحاد من الجرحى والمرضى خلال الحرب الأهلية- كما تبرعت بسخاء لمراكز الإطفاء في البلدة، ولم تقتصر مساهماتها على الأموال فقط فقد أشارت بعض التقارير إلى أنها كانت تنضم في بعض الأحيان إلى رجال الإطفاء في سياراتهم وتبقی هناك لتشغيل مكابح محركات سيارات رجال الإطفاء التي كانت تعمل يدويا حينها.

صورة لـ(جوليا بوليت) وهي ترتدي حزاماً يحمل رقم واحد وخوذة رجال الإطفاء موضوعة بجانبها تحمل نفس الرقم الذي منحتها إياه دائرة الإطفاء

صورة لـ(جوليا بوليت) وهي ترتدي حزاماً يحمل رقم واحد وخوذة رجال الإطفاء موضوعة بجانبها تحمل نفس الرقم الذي منحتها إياه دائرة الإطفاء – صورة: ويكيميديا

للأسف ، تم اغتيال (جوليا بوليت) في 20 يناير من سنة 1867، وقد اجتمع سكان البلدة وقدموا لها جنازة تليق بالملوك، وسار الآلاف من الناس في موكب لتكريمها، بما في ذلك رجال الإطفاء الذين عملت معهم جنبا إلى جنب، بالإضافة إلى ميليشيا (نيفادا).

تم القبض على قاتلها (جون ميلان) بعد مضي أكثر من عام على وفاتها، وعندما حان يوم تنفيذ حكم الإعدام شنقا فيه، أغلقت كل المتاجر أبوابها حتى تتمكن المدينة بأكملها من رؤية ذلك وتكريم ذكرى محبوبتها المحبة لفعل الخير.

المصادر

عدد القراءات: 46٬874