معلومات عامة

لماذا الألمان مهووسون بتوفير المال وادخاره؟

توفير المال وادخاره

لطالما اشتهر الألمانيون لمدة طويلة على أنهم شعب مدّخر ومقتصد ملتزم بادخار كل ما أتيح له من المال في السراء والضراء، لكن ما كان مصدر هذه الشهرة يا ترى؟

عمد معرض أقيم في أحد متاحف مدينة برلين بعنوان ”الادخار فضيلة ألمانية“ إلى شرح تاريخ والقصة وراء هذا الهوس ”الوطني“ بالاقتصاد. لكن على ما يبدو، لا يرى الجميع صفة الميل للادخار هذه على أنها فضيلة، والتي كانت محل الكثير من النكت التي لازمت هذا الشعب على مر السنين، كما أن هذه الصفة طالت حتى الحكومة الألمانية التي سنّت سياسات صارمة فيما يتعلق بقوانين الضرائب وفائض الإنتاج والتجارة، لدرجة جعلت الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي يلومانها كثيرا على بعض المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها بعض البلدان الأوروبية.

عنوان اللوحة البيضة في العش من ابداع (ويلهالم ليبل) في سنة 1877

لوحة يعنوان ”البيضة في العش“ حول الإدخار من ابداع (ويلهالم ليبل) في سنة 1877 – صورة: متحف Von der Heydt

ومهما كانت النظرة التي ترى بها ميل الألمان للتوفير والادخار، فإن هذه العادة لم تكن حدثا عرضيا غير مخطط له أو حدثا عفويا.

يظهر هذا المعرض في مدينة برلين أنه خلال 200 سنة، كانت الإعلانات والإشهارات الخاصة بالبنوك والحكومات الألمانية المتعاقبة تبرز وتشدد على أهمية توفير وادخار المال كشكل من أشكال الضمان من أجل المستقبل، مما وضع أساسات ما أصبح لاحقا عادة تأصلت في الهوية الوطنية الألمانية والذهنية الشعبية السائدة فيها.

بهو أحد البنوك التوفيرية الألمانية؛ لوحة للرسام (ألبرت كيكبوش) سنة 1894

بهو أحد البنوك التوفيرية الألمانية؛ لوحة للرسام (ألبرت كيكبوش) سنة 1894 – صورة: Historisches Archiv der Berliner Sparkasse

وكانت هذه الإعلانات التي تعددت أنواعها وأشكالها ورسائلها التي تضمنتها تحث الناس وتشجعهم على التحضّر لذلك اليوم العسير الذي سيحتاجون فيها لمدخراتهم تلك، من أجل ابتياع سندات الحرب للمساعدة على دفع عجلة الحرب للأمام، ومن أجل ابتياع السندات المختلفة من أجل إعادة إعمار البلاد بعد حربين عالميتين اثنتين.

كن مواطنا جيدا:

كانت الفكرة تتمحور حول صفات المواطن الجيد والمسؤول والواعي الذي يوفر بعضا مما يجنيه من المال من أجل إعانة نفسه وعائلته في أوقات الشدة كجزء من المنفعة العامة التي تعود بالنفع على المجتمع، وبدأ زرع هذا الفكر في الذهنية الوطنية القومية في وقت سابق في الماضي تعود جذوره إلى أوائل القرن التاسع عشر.

بدأت البنوك آنذاك ترسل بعثات إلى المدارس لتوعية الأطفال بضرورة الادخار والتوفير في وقت مبكر جدا من الحياة، ولم يستغرق الأمر طويلا أن لحقت الدولة بهذا الركب وحذت حذو البنوك، مما أدى إلى انفجار هائل في أعداد البنوك المحلية التوفيرية في أوائل القرن التاسع عشر.

صندوق توفير وادخار خاص بتلاميذ المدارس في برلين سنة 1910

صندوق توفير وادخار خاص بتلاميذ المدارس في برلين سنة 1910 – صورة من المتحف التاريخي الألماني

يقول (روبرت موشالا) أمين المتحف والقيم على هذا المعرض: ”سرعان ما لاحظت الحكومة أن البنوك التوفيرية كانت تخدم أهدافا متعددة في آن واحد“، وأضاف: ”من جهة، كان بالإمكان استخدامها لمنع انتشار الفقر بين أوساط المجتمع، ومن جهة أخرى للمساعدة على ضمان التحكم في الظروف الاجتماعية، ومن جهة ثالثة تخدم حاجة الدولة للمال بعد الحروب التي كانت تتركها في حالة دمار في كل مرة“.

التوفير في السراء أو الضراء:

لطالما ارتبط مفهوم التوفير والاحتياط بالأوقات العصيبة في ألمانيا، حيث كان الألمان يشجعون على شراء سندات الحرب لمساعدة البلاد خلال الحرب العالمية الأولى، وساعدت عقلية الادخار والتوفير على تجاوز محنة الأزمة التي حلت بالبلد بعد الحرب العالمية الأولى التي ساد فيها كذلك الكساد والتضخم، حتى بعد أن تم مسح معظم المدخرات في سنة 1923، عندما أصبحت العملة الألمانية لا تساوي شيئا.

صورة ومنشور يعود تاريخه لسنة 1917 -1918 يشجع الناس على الاستثمار في سندات الحرب

صورة ومنشور يعود تاريخه لسنة 1917–1918 يشجع الناس على الاستثمار في سندات الحرب – صورة من المتحف التاريخي الألماني

عندما تسلّم (أدولف هتلر) مقاليد السلطة في سنة 1933، أمطر الشعب الألماني بحملات دعائية تروج للادخار والتوفير واصفا إياها على أنها ”واجب المواطن الألماني القومي“، والتي كان بالإمكان استخدامها من أجل مواجهة السيطرة المالية لليهود كذلك، فارتفعت نسب المدخرات بعدها لتصل إلى مبالغ خيالية، واستعلمت لتمويل آلة الحرب التي أطلق لها (هتلر) العنان، وهذا بعد أن استولى كذلك على مدخرات الشعب اليهودي بغير حق.

تضمنت إحدى النشرات الإعلانية في أحد المعارض حوالي سنة 1938 العبارة التالية: "أولئك الذين يعملون ويدخرون يحافظون على التقاليد الالمانية"

تضمنت إحدى النشرات الإعلانية في أحد المعارض حوالي سنة 1938 العبارة التالية: ”أولئك الذين يعملون ويدخرون يحافظون على التقاليد الالمانية“ – صورة من المتحف التاريخي الألماني

في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، بدأت الإعلانات البنكية تتغير لمجاراة تغير أنماط الحياة الجديدة السائدة، وابتداء من سبعينات القرن الماضي أصبحت الإعلانات تروج للمدخرات ليس على أنها واجب وطني أو قومي، بل على أنها عادة تمكن صاحبها من امتلاك أشياء قيمة أو قضاء عطل مريحة.

حتى مع انخفاض نسب الفوائد في السنوات الأخيرة، لم تتغير عادة الشعب الألماني في توفير المال وادخاره، فيقول أمين المتحف في (برلين): ”لطالما حافظ الشعب الألماني على عادة الادخار بمستويات عالية وخلال مدة زمنية طويلة وبصفة ثابتة دون أدنى انحراف، ومع أدنى تأثر بالتطورات الاقتصادية والسياسية ولا بالتضخم المالي أو الحروب أو الأزمات العالمية والاقتصادية أو نسب الفوائد المنخفضة جدا“.

ولهذا يلتزم الشعب الألماني بالادخار مهما كلف الأمر، ويصف أمين المتحف (ماشالا) الادخار في ألمانيا على أنه أمر أقرب إلى ”العبادة“، فبالنسبة للكثيرين في البلد، يقول (ماشالا) أن ”البقاء متحضرا هو هدف يجب المحافظة عليه مهما كلف الأمر“.

المصادر

عدد القراءات: 4٬575