تاريخ

دخلك بتعرف الحقبة التي أصبحت فيها أوروبا مهووسة بالأبنية المخرَّبة عمداً

جدار الغيرة في بريطانيا

إذا حدث وكنت تتمشى في (حدائق بلفيدير) الواقعة في مقاطعة (وستميث) بآيرلندا، سيظهر لك مشهد درامي مختبئ خلف الأشجار: دير محطم كبير وشامخ من الأحجار المهدمة يصل إلى السماء، ولا يمكن للزوار إلا أن يتساءلوا عن عظمة البناء الذي كان يقف هنا.

لكن الأمر ما هو إلا عبارة عن خدعة، فالآثار التي تقف هنا وتدعى «حائط الغيرة»، قد تم بناؤها لتبدو بهذا الشكل المحطم في القرن الثامن عشر من قبل (روبرت روشفرت)، هذا الرجل الذي عرف عبر التاريخ باسم ”الإيرل الخبيث“، حيث نجد خلف جهة من جهتي «حائط الغيرة» منزلاً ريفياً جميلا وتم الاعتناء به جيدا، وخلف جهته الثانية منزلاً مخرباً ومهجوراً نمت عليه مختلف الحشائش والأعشاب تماما مثل واجهة الحائط المهلهلة نفسها. تفتح لنا القصة وراء هذه الحالة الغريبة مجالاً لندخل في العقل المعذب لأحد أكثر رجال العصر القوطي شراً، وتسلط لنا الضوء على صيحة معمارية اجتاحت العصر المنهار لأرستقراطية القرن الـ18.

منزل (روبرت روشفورت) في (حدائق بلفيدير)

منزل (روبرت روشفورت) في (حدائق بلفيدير)

لطالما تمكنت الآثار من السيطرة على مخيلة البشر، وبالنسبة للكتاب والفنانين فإنها أماكن توقف فيها سير الزمن وتمكننا من الضياع في عالم الأحلام حيث تعرض قوى الطبيعة نفسها بكامل قوتها، كما يصفها الدكتور الألماني المختص في علم الاجتماع (جورج سيمل): ”قامت الطبيعة بتحويل هذه الأعمال الفنية إلى مواد خام لتستخدمها في إظهار تعابيرها الخاصة، كما استُخدمت هي سابقاً كمادة خام لهذا الفن“، وكل هذا يشير إلى أنه في نهاية القرن الـ17 أصبح مشهد الأديرة المهدمة والمعابد المهلهلة شيئاً مرغوباً وجميلاً، عندها أصبح جميع ملاك الأراضي في أوروبا يرغبون في بناء الآثار التي تم تكن طبيعية أبداً.

في هذا المشهد برز رجل يدعى (روبرت روشفرت)، رجل أصبح موضوع إحدى أكبر الفضائح الاجتماعية في آيرلندا خلال القرن الـ18، وكان ابنا لعائلة إيرلندية غنية وله 11 شقيقا. كانت مسيرته السياسية ذات بداية واعدة كونه تسلّم منصب الإيرل الأول للبلفيدير، لكن اثنين من أخوته كان لهم دور كبير في سقوطه.

صور (جايمس هولي) قصة (روشفرت) في كتاب The Follies and Garden Buildings of Ireland وفي كتاب Nic Barlow Follies of Europe، ودارت على النحو التالي:

حوالي عام 1743 سمع (روشفرت) إشاعات حول زوجته الشابة (ماري)، وبأنها كانت غير مخلصة له وعلى علاقة مع أخيه (آرثر)، فرفض التحدث معها وانطلق في دوامة سوداء من الشكوك وتبادل الاتهامات، جعلته في النهاية يرسلها إلى منزل أهلها الواقع في بلدة Gaulstone المجاورة.

أُبقيت (ماري) وحيدة مع الخدم وكان يتعين عليها إذا أرادت أن تخرج لتتمشى قليلا طلب موافقة الإيرل الذي كان يرسل لها بين الحين والآخر رجلاً يدق جرساً ويصرخ بشتى الترهات عنها، وبقيت على هذه الحال لما يقارب الـ31 سنة، وبعد انقضاء 12 عاما من مدة السجن، قرر أحد أخوة الإيرل ويدعى (جورج) بأن يساعدها على الهروب، ولكن (راشفورت) كثير الشكوك تمكن من اعتراض الرسائل بين (جورج) و(ماري)، وعندما بدأت خطة الهروب تمكن الإيرل من القبض على (ماري) وإرجاعها إلى سجنها لكن مع ظروف أكثر سوءاً، ويقال أنها لشدة وحدتها أصبح صوتها كهمسات خفيفة، وبأنها قد بدأت بالتحدث إلى اللوحات المعلقة على جدران المنزل.

لم يسامح (راشفورت) أخاه (جورج) على محاولته للتخطيط ضده، وفي عام 1773 كان (جورج) بصحبة السير (جايمس كالدوال) الذي كان يشغل منصب الـ(شيريف) الأعلى الأسبق لـFermanagh، والذي صرح بأن منزل (جورج) –وهو المنزل الريفي الجميل في (تودينهام)– هو أجمل المنازل في المقاطعة على الرغم من كونه أصغر من قصر (راشفورت) في Belvedere.

منزل (جورج روشفورت) في (تودينهام)

منزل (جورج روشفورت) في (تودينهام).

بعد أن سمع (راشفورت) بهذا الإدعاء دخل مجدداً في نوبة من الغضب والغيرة، فأمر أحد المهندسين المعماريين المعماريين المشهورين ليقوموا بتشييد بناء ضخم متهدم يقف بينه وبين منزل أخيه كي لا يتمكن من رؤيته مجدداً.

توفي (راشفورت) عام 1774 وتم الإفراج عن (ماري) التي لم تعش طويلاً بعد إطلاق سراحها لأن الندوب التي تركتها سنين الأسر الطويلة لم تمحى أبداً، واليوم تخلّد فضيحة (راشفورت) في الأفق الواسع لـWestmeath، مكتوبةً على حجارة الأديرة المتبعثرة التي لم تكتمل يوماً، ومنزل (جورج) الجميل الذي بنيت لتخفيه.

موقع حائط الغيرة على الخريطة

موقع حائط الغيرة على الخريطة

في الوقت الذي بنى فيه (راشفورت) «جدار الغيرة»، كانت صيحة الآثار الزائفة تنتشر بسرعة خلال أوروبا. في كل مكان، كانت الطبقة الأرستقراطية تقوم ببناء الآثار من الصفر أو تقوم بتخريب الأبنية المتواجدة بالفعل لخلق مشاهد درامية وتصورية.

في عام 1826 ذهب رجل إنجليزي يقطن في قلعة Scotney في بلدة Kent لأبعد من ذلك، حتى أنه انتقل من قلعته الجميلة في الريف الإنجليزي، وهي قصر غني فاخر بقاعات ضخمة وسلالم من خشب البلوط، ليبني منزلاً جديداً لنفسه على قمة تلة قريبة، ثم قام بتحطيم بعض الأحجار من منزله القديم وصنع حفراً في الجدران ليجعله أقرب ما يمكن إلى الآثار.

قلعة (سكوتني)

قلعة (سكوتني).

طالت هذه الآثار الزائفة مبالغة كبيرة، فهي لم تكن فقط تخليداً لذكرى ”إيرل مجنون“ أو مالك أراضي محب للموضة، فقد تم استعمالها من قبل المتطرفين والثوريين في إشارة إلى سرعة التغييرات التي تجتاح العالم، كما تقول (روز ماكولي) في كتابها Pleasure of Ruins: ”السياسة، والشغف، والدين جميعها لعب دوراً هامًا في بناء الآثار“، وفي نهاية القرن الـ18 قام دوق Norfolk المتطرف الذي كان داعماً للثورة الأمريكية في مقاطعة Grestoke في Cumbria ببناء صرحين دعاهما «الآثار المناهضة لبريطانيا» لدعم انهيار مصالح بريطانيا في أمريكا الشمالية، تحت مسمى «حصن بوتنام» و«تلة بانكر»، بعد الانسحاب الشهير من الحرب.

وقد كانت ”الآثار الزائفة“ تستخدم للاحتفال بالإمبريالية في بريطانيا أيضاً، حيث استُخدم في معبد (أوغاستوس) الواقع في Surrey أعمدة وتيجان من آثار مدينة اللبدة الكبرى في شمال ليبيا لجعل الإمبراطورية البريطانية في موضع الخلافة لإرث الإمبراطورية الرومانية.

كان للفرنسيبن النصيب الأكبر من الأعمال المبالغة فيها في هذا المجال، ففي منطقة Desert de Retz بُنيت مجموعة من الحدائق في نهاية القرن الثامن عشر يقع فيها برج مؤلف من ستة طوابق، وتم تصميمه ليبدو كعمود المعابد الكلاسيكي، وأطلق عليه اسم الـColonne Brisee أو العمود المهشم.

يثير هذا العمود نوعاً من التواصل مع العالم القديم الذي يبدو نصفه واقعاً ونصفه الآخر من الأحلام، فبُني ليبدو كقاعدة عمود ذو أبعاد هائلة الحجم، ويترك لمشاهديه تخيل حجم وضخامة البناء الذي شُيد لكي يدعمه، وانتهى بناؤه أخيرا في عام 1782 قبل سبع سنوات فقط من انطلاق الثورة الفرنسية.

نظرة إلى داخل (العمود المهشم) في فرنسا، أو كما عرف بـ(بيت العمود)

نظرة إلى داخل (العمود المهشم) في فرنسا، أو كما عرف بـ(بيت العمود)

لقد كان لهذه ”الآثار الزائفة“ تاريخ طويل، ومن المثير معرفة أنه بحلول نهاية القرن الـ20 فاق عدد الآثار الزائفة المنتشرة في أنحاء أوروبا عدد الآثار الحقيقية، وكانت المبالغة والابتذال في هذه الآثار –دون أن نذكر عجرفة من قام ببنائها– تبعث على الذهول بحق.

استخدمت الطبقة الأرستقراطية الغنية في أوروبا القديمة هذه الصروح لتصنع لنفسها صورة الآلهة الجديدة على الأرض، فتراهم يغيرون العالم كما يرغبون ويخلقون انطباعات تاريخية لأحداث لم تحصل أبداً، لكن هذه الآثار تحمل معها شعوراً غريبا وحزينا، وفقط مع حلول القرن الـ20 وتغيراته الكارثية وما خلفته حروبه من آثار مهدمة في أوروبا وسائر العالم، حتى تلاشت صيحة الآثار المزيفة.

وفي رماد (كوفنتري) و(دريسدن) و(ستالينغراد) وحطامها تغيّرت الفكرة الرومانسية وراء الآثار في مخيلة الأوروبيين للأبد، وبالرغم من الآثار الزائفة التي بنيت في عهد الأرستقراطية الأوروبية وكونها قد شيدت لتخدع الناظر، فإن ما يثير السخرية هو أنها نجحت في تخطي آمال من قام ببنائها، واليوم، ومثل الآثار التي بنيت لتشابهها، تجلس هذه الصروح وتتداعى على الأرض محاطة بالقصص والأساطير، مشيرةً إلى عالمٍ لم يوجد أبداً.

المصادر

عدد القراءات: 423