معلومات عامة

ماذا سيحصل إذا رميت قطعة نقدية من على مبنى عالٍ جداً؟

بني مبنى (إمباير ستيت) في نيويورك عام 1931 في 31 آذار/مارس، وكان حينها أعلى بناء في العالم، وانتشرت منذ ذلك الحين فرضية بشكل جنوني، وتم تناقلها عبر الأجيال إلى أيامنا هذه، تقول بأنك إذا صعدت إلى قمة المبنى الذي تتكون سلالمه من 1860 درجة لتقف على ارتفاع 102 طابقاً فوق شوارع نيويورك، ورميت قطعة نقدية صغيرة فهي كفيلة بقتل شخص إن سقطت عليه.

الفكرة هنا هي أن رمي شيء صغير الحجم من ارتفاع كافٍ قادر على تزويده بسرعة عالية ليصبح بسرعة الطلق الناري، وبالتالي يمكنه أن يخترق رأس الشخص غير المحظوظ الذي يقف في الأسفل.

ولكن… ما مدى صحة هذا الكلام؟ وهل فعلاً يمكن لفعل بسيط كرمي أو حتى إسقاط قطعة نقدية عن غير قصد بأن يقودك في النهاية إلى المحكمة بتهمة القتل؟

حسناً دعونا اليوم وفي هذا المقال على موقع (دخلك بتعرف) نحلل هذه المعلومات، ونفصل الصحيح عن المغلوط والحقيقة عن سوء الفهم.

لنخوض في التفاصيل سنفترض أنه سيتم رمي قطعة نقدية من فئة سنت واحد من أعلى مبنى (إمباير ستيت) لتسقط على رأس أحدهم، والسؤال هنا: كم ستكون سرعتها لحظة وصولها إلى رأس صديقنا؟

في الحقيقة، بعد بلوغ القطعة مسافة صغيرة فقط ستواجهنا أول مشكلة، وهي مشكلة أساسية في المفهوم المطروح أنه يفترض أن الجاذبية ستقوم بزيادة سرعة القطعة النقدية لمدة أطول بكثير من المدة الحقيقية، ففي الحقيقة، لن تصل سرعة أي جسم في طور السقوط الحر إلى تلك السرعة الخيالية.

السبب في ذلك هو الغلاف الجوي أو (الأتموسفير)، فهو يتكون من عدة طبقات، والطبقة الدنيا والأقرب إلى سطح الأرض تمتاز عن البقية بكثافة الهواء الموجود فيها، وهي تسمى (تروبوسفير).

أي أن كل شيء يتحرك على سطح الأرض سيواجه مقاومة الهواء بكل تأكيد، فعندما تقوم قوة الجاذبية بسحب السنت بقوة متسارعة بشكل مستمر باتجاه الأرض، تتزايد مقاومة الهواء له (طبعاً ستكون جهة مقاومة الهواء بعكس جهة قوة الجاذبية)، وفي النهاية سوف تتساوى القوتان المؤثرتان على السنت، مما يعني أن السنت لن يستطيع بلوغ سرعة أعلى ويكون بهذا قد بلغ السرعة القصوى أو السرعة النهائية.

المفاجأة أن السنت يبلغ السرعة القصوى بعد أن يقطع مسافة 15 متر فقط من مكان سقوطه، أي ارتفاع 4 طوابق فقط، ويعني هذا أن سقوط السنت من أي مسافة أكثر من 15 متراً سيؤدي إلى ارتطامه بالأرض بنفس السرعة دائماً.

ماذا سيحصل إذا رميت قطعة نقدية من على مبنى عالٍ جداً؟

المفاجأة الأخرى أيضاً هي أن مبنى (إمباير ستيت) هو أطول من 15 متر؛ حيث يبلغ ارتفاعه 443 متر، آخذين بعين الاعتبار أن الطابق الخامس من نفس المبنى يبلغ ارتفاعه 22 متر، فإن رمي السنت من الطابق السادس والثمانين، وهو المرصد الفضائي، هو ببساطة إضاعة للوقت والمال أيضاً (ذلك لأن بطاقة الدخول إلى ذلك الطابق ستكلفك 43 دولارا).

يزن السنت الأمريكي 2.5 غرام، وبهذا الوزن سيبلغ بعد 15 متر من مكان إلقائه سرعة 40 كيلومتر في الساعة، وهي السرعة القصوى له، وهذه السرعة ليست حتى قريبة من السرعة الكافية لقتل أحدهم، أو حتى إيذائه.

في الحقيقة، الجزء الآخر من السبب الكامن وراء ذلك هو أن تصميم السنت ليس آيروديناميكي؛ أي أن تصميمه لا يساعده في التحرك بسلاسة أو بسرعة في الهواء (تصاميم السيارات ذات السرعة العالية تعتبر آيروديناميكية أي أنها مصممة لتقليل مقاومة الهواء عليها قدر الامكان).

السنتات هي أقراص معدنية صغيرة، خفيفة ومسطحة، لذا ستواجه مقاومة هواء كبيرة جداً، الأمر الذي سيؤدي إلى تحركها ودورانها بشكل عشوائي، وهذا الأمر سيبطئ من سقوطها بشكل كبير.

وأبعد من ذلك، كل تلك الحسابات التي قمنا بها كانت ضمن شروط مناخية مثالية غير واقعية بطبيعة الحال، ولم نأخذ بعين الاعتبار تأثير الرياح على القطعة النقدية، وبالطبع فإن المبنى نفسه يشكل رياحاً نحو الأعلى تؤثر على السنت؛ عندما تصطدم الرياح بالمبنى فإنها تُجبَر على الاتجاه نحو الأعلى، مما يتسبب بدفع أي جسم خفيف -السنت في هذه الحالة- للاتجاه نحو الأعلى، وأغلب الظن أنه سيهبط أخيراً على حافة أحد النوافذ.

أي أن قذيفتنا الصغيرة لن تفلح حتى في بلوغ الأرض في معظم الأحيان، تاركةً الضحية الافتراضية تنعم بالسلام.

والآن تخيلوا ماذا سيحدث إذا قمنا بازالة مقاومة الهواء كاملة؟ دعونا نذهب بفرضيتنا أبعد بقليل وأن نقوم بتغليف المبنى كاملاً بمجال خالٍ من الهواء:

لو كان هذا ممكناً، وأعتقد أنه ليس كذلك، سيتسبب عدم وجود مقاومة الهواء إلى وصول السنت لسرعة 320 كم في الساعة، وهذه سرعة كافية لكي يتسبب السنت بجرح بليغ في رأس الشخص المسكين، ولكن لحسن حظة فإنها لن تقتله.

يمكننا بالطبع تجربة رمي جسم آيروديناميكي أكثر من السنت: كجسم ذو شكل يجعله أكثر انزلاقاً في الهواء من السنت، وقد يكون قلم الحبر مناسباً لهذا الغرض، بحيث يمكنه أن يبقى ثابتاً بشكل طولي خلال سقوطه في الوسط الهوائي كسقوط الرمح.

في الحقيقة، لقد عمل العلماء كثيراً على هذه الفكرة، وتوقعوا أن القلم جيد الصنع قد يصل إلى سرعة 320 كم في الساعة في مناخ مثالي (وهي سرعة السنت في وسط خالي من الهواء)، وبما أن معظم أقلام الحبر مزودة برؤوس حديدية نحيلة بشكل كافٍ، فإذا سقط القلم على رأس أحدهم قد لا يكون احتمال الموت بعيداً.

وبالطبع إذا كنت تخطط لاغتيال أحد المارة أمام مبنى (إمباير ستيت)، توقف عن العبث بالسنتات والأقلام، وارمي عليه مايكرويف، سيفي ذلك بالغرض.

المصادر

عدد القراءات: 5٬479