تاريخ

دخلك بتعرف جواسيس الحرب الذين استعملوا الحياكة كغطاء للجوسسة

امرأة تقوم بالحياكة

خلال الحرب العالمية الأولى، كانت إحدى ”الجدات“ في بلجيكا تقوم بالحياكة بالقرب من نافذة منزلها، وكانت في نفس الوقت تراقب القطارات التي تمر من هناك، وكلما توقف قطار في المحطة، كانت تحدث عمدا غرزة ناتئة في النسيج، وكلما مر قطار آخر كانت تزيل غرزة من النسيج مما يحدث ثقبا فيه. لاحقا كانت تخاطر بحياتها من أجل توصيل قطعة النسيج تلك إلى أحد الجنود، الذي يكون عادة جاسوسا زميلا ضمن صفوف قوات المقاومة البلجيكية، يعمل من أجل هزيمة القوات الألمانية المحتلة.

سواء كانت النساء يَحِكن الشيفرات في النسيج أم أن الجيوش كانت تستعين بالنموذج النمطي للنساء العاملات في الحياكة كغطاء لجواسيسها، فإنه يوجد تاريخ عريق بين الحياكة والجوسسة.

وفقا لكتاب نشر سنة 1942 بعنوان ”دليل للشيفرات والإشارات“ A Guide to Codes and Signals: ”عرف عن الجواسيس أنهم كانوا يخفون رسائل مشفرة بواسطة حياكة النسيج والتطريز وجدولة السجاد إلخ“. خلال زمن الحرب، حيثما وجدت النساء العاملات في الحياكة كان غالبا يوجد جواسيس؛ عيون تراقب بحذر من بين إبرتي الحياكة.

عندما كان العاملون في الحياكة يستخدمون الحياكة من أجل تشفير الرسائل، كانت هذه الرسائل غالبا على شكل ”ستيغنوغرافيا“ وهي طريقة لإخفاء الرسائل فيزيائيا -التي تتضمن على سبيل المثال إخفاء شيفرة مورس في مكان ما على بطاقة بريد، أو تمويه صورة داخل صورة بطريقة رقمية-، وإذا كان يجب أن تكون الرسالة ذات تكنولوجيا منخفضة فالحياكة هنا هي أفضل خيار؛ يتم إعداد كل ثوب محيك من توليفة مختلفة من غرزتين اثنتين: غرزة الحياكة التي تكون سلسة وتشبه شكل حرف الـV وغرزة الغزل التي تشبه خطا أفقيا أو نتوءا صغيرا، ومن خلال إعداد توليفات معينة من غرز الحياكة والغزل في نمط حياكة معدٍّ مسبقا، يستطيع الجواسيس تبادل قطع نسيج عادية وقراءة ما تحتويه من رسالة مشفرة مدفونة بين خيوط وشاح أو قبعة تبدو بريئة تماما ولا تثير أي شبهة.

نساء في برلين يحبكن الملابس للجنود في سنة 1914

نساء في برلين يحبكن الملابس للجنود في سنة 1914 – صورة: Library of Congress

أمضت (فيليس لاتور دويل)، وهي عميلة سرية لدى الحكومة البريطانية خلال الحرب العاملية الثانية، سنوات الحرب وهي تهرّب المعلومات القيمة للبريطانيين باستخدام الحياكة كغطاء، وكانت قد قفزت بالمظلة من طائرة سلاح الجو الملكي ونزلت في جبهة النورماندي المحتلة في سنة 1944، وكانت تقود دراجات هوائية مخفية وتوصلها للجنود، وكانت تدردش مع الجنود الألمان تحت غطاء امرأة عادية تحاول المساعدة، ثم كانت تعود لمعدات الحياكة خاصتها حيث كانت تخفي خيطا حريريا جاهزا ليتم ملؤه برسائل سرية محيكة، التي ستعمل لاحقا على ترجمتها باستخدام معدات شيفرة مورس.

قالت لشبكة أخبار جيش نيوزيلندا في سنة 2009: ”لطالما كنت أحمل معي عدة الحياكة لأن شيفراتي كانت مخبأة ضمن قطعة من الحرير، وعندما كنت أستعمل شيفرة ما كنت أعلّمها من خلال إحداث وخزة فيها بواسطة إبرة للإشارة على أنها تم إرسالها. كنت ألُف قطعة الحرير حول إبرة الحياكة وأدخلها داخل شريط حذاء أجوف من الداخل، الذي كنت أستعمله لألف شعري“.

قد يبدو نمط الحياكة أيا كان بالنسبة لغير المختصين في الحياكة بأنه غير قابل للتحليل وفك شيفرته، مما قد يحدث حالة من الارتياب حول ما قد تعنيه أنماط معينة من النسيج المحيك. كتبت (لوسي أدلينغتون) في كتابها بعنوان ”غرزات في الزمن“ Stitches in Time حول مقال معين ظهر على مجلة (بيرسونز) البريطانية في شهر أكتوبر من سنة 1918 الذي تحدث حول كون الألمان يحيكون سترات كاملة من أجل إرسال الرسائل المخفية لجواسيسهم، وهو الأمر الذي قد يكون مبالغا فيه نوعا ما.

صف تعليم الحياكة في جمعية الصليب الأحمر الأمريكي خلال الحرب العالمية الأولى

صف تعليم الحياكة في جمعية الصليب الأحمر الأمريكي خلال الحرب العالمية الأولى – صورة: National Archives

وكتبت (أدلينغتون): ”عندما كانت السلطات الألمانية -لدى استلامها لهذه السترات- تقوم بفك وحل هذه السترات بعناية شديدة، كانت تجد أن النسيج الصوفي كان منقطا بالعديد من العقد، ومن خلال تعليم الإطار العمودي لبابٍ من الأبواب بحروف الأبجدية مع مسافة فاصلة بين كل حرفين تقدر بإنش واحد، كان بإمكانهم فك شيفرة العقد وترجمتها إلى كلمات من خلال قياس الغزل بهذه الحروف وتحديد الحروف التي لمستها العقد“، وأضافت بأن المجلة وصفت هذه الطريقة بـ”الآمنة ومن غير الممكن كشفها“.

وعلى غرار الكثير من الأشياء المتعلقة بالجوسسة والجواسيس، فإن الحصول على التفاصيل الدقيقة حول حياكة الشيفرات والرسائل المشفرة قد يكون أمرا صعبا، حيث كان العاملون في الحياكة معظم الوقت يستخدمون الإبر والغزل كغطاء للتجسس على أعدائهم دون إثارة الشكوك والشبهات حولهم، وكانت حياكة الرسائل المشفرة والمخفية ضمن النسيج أقل شيوعا وانتشارا.

تبدو قصة مجلة (بيرسونز) البريطانية حول حياكة الرسائل المشفرة معقدة نوعا ما، لكن الكثير من الإشاعات حول هذا الموضوع كانت عاكسة للحقيقة والواقع، حيث كانت الحياكة وأعمال النسيج اليدوية الأخرى شائعة جدا في زمن الحروب لأنه كان يتم حث النساء وتشجيعهن على حياكة الجوارب والقبعات والملابس للجنود خلال العديد من الحروب والصراعات، مثل الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين، ومنه وُجدت الحياكة من بين الوسائل التي كان بالإمكان استخدامها في الجوسسة بسهولة تامة.

كتب (جيل دوبيني براندرث) و(بيتر ستيفنسن) في كتابهما بعنوان ”كتابة الشيفرات السرية وإرسال الرسائل المخفية“ Writing Secret Codes and Sending Hidden Messages، بأنه بعد اختراع شيفرة مورس أدرك الجميع بعد فترة وجيزة بأن الحياكة والغزل تناسبانها تماما، وأن: ”عقدة أنشوطة عادية بإمكانها أن تحل محل النقطة وأن عقدة بشكل رقم ثمانية 8 بإمكانها أن تحل محل الفاصلة الخطية القصيرة“.

جنود مصابون في المشافي يمارسون الحياكة خلال الحرب العالمية الأولى

جنود مصابون في المشافي يمارسون الحياكة خلال الحرب العالمية الأولى – صورة: National Archives/فليكر

لعل أفضل مثال وأكثرها شهرة حول حياكة الرسائل السرية والشيفرات في النسيج وُجد في إحدى قصص الخيال القديمة؛ بالتحديد في رواية بعنوان ”حكاية مدينتين“ Tale of Two Cities حيث تقوم امرأة فرنسية متعطشة للدماء تدعى (مادام ديفارج) بالحياكة بكل برودة بين الحضور والجماهير التي أتت لمشاهدة حكم الإعدام بالمقصلة وهو ينفذ في النبلاء الفرنسيين، وكانت تعد بحماسة سلسلة من الغرز لشيفرة أسماء النبلاء الذين سيتم إعدامهم لاحقا.

كتبت (جاكلين فيتتوفسكي) في مجلة ”الثقافة غير المرئية“ InVisible Culture: ”على الرغم من مساهمة قصة (مادام ديفارج) في استخدام الحياكة كوسيلة لشيفرة الرسائل المخفية، فإن لاستخدام الحياكة في الجوسسة خلفية وجذورا حقيقية ليست خيالية في المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الأولى“. خلال نفس الفترة الزمنية التي حظرت فيها المملكة المتحدة أنماط الحياكة خوفا من تسلل الرسائل المشفرة وتعريض أمنها للخطر، قامت وكالة المخابرات البريطانية بتوظيف جواسيس في المناطق المحتلة لكي ينتحلوا صفات مواطنين عاديين يقومون بمهمات ووظائف عادية جدا، التي تضمنت أحيانا الحياكة.

كان من بين هؤلاء الجواسيس الذين استعانت بهم بريطانيا (مادام لافنغل) التي كتبت عنها (كاثرين أتوود) في كتابها بعنوان ”بطلات الحرب العالمية الأولى“ Women Heroes of World War I: ”كانت تتجلس أمام نافذة بيتها تقوم بالحياكة بينما تضرب بعقب نعلها أرضية المنزل مرسلة إشارات إلى أبنائها في الغرفة السفلية مباشرة“، وكان أطفالها يترجمون تلك الشيفرات ثم يدونونها متظاهرين بأنهم كانوا يؤدون واجباتهم المدرسية، كل هذا كان يحدث أمام ناظري أحد المارشالات الألمان الذي كان حاضرا في المنزل يراقب دون أن يستشعر أي حركة مشبوهة.

تضمنت شبكة الجوسسة البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى مجموعة أطلق عليها اسم ”شبكة أليس“، وكانت مجموعة من الجواسيس والحلفاء المنتشرين في كامل أوروبا الذين كانوا خبراء في الكيمياء والراديو والتصوير والكثير من المهارات الأخرى، واستطردت (أتوود) شارحة بأن: ”هذه الشبكة كانت تقوم بتوظيف أشخاص عاديين جدا اكتشفوا طرائق غير عادية ولكن فعالة جدا في جمع المعلومات“.

ملصق إعلاني خلال الحرب العالمية الأولى يروج للحياكة من أجل الجنود ويحث النساء على حياكة كل ما يستطعن من ثياب

ملصق إعلاني خلال الحرب العالمية الأولى يروج للحياكة من أجل الجنود ويحث النساء على حياكة كل ما يستطعن من ثياب – صورة: Library of Congress

في العديد من الحالات، كان مجرد كونك عاملا في الحياكة -حتى وإن كنت جاهلا بكيفية إعداد الشيفرات ضمن النسيج- كافيا كغطاء لجمع المعلومات، واستمر هذا التقليد على مر عقود لاحقة خلال الحرب العالمية الثانية. مرة أخرى في بلجيكا، حيث عمدت حركة المقاومة إلى توظيف النساء المسنات وتوزيعهن بالقرب من محطات القطارات من أجل إخفاء الشيفرات داخل النسيج الذي كن يحكنه لتسجيل وتعقب حركة السفر وتنقل قوات العدو.

كتبت (فيتوفسكي) في هذا الشأن: ”أدى هذا الأمر بمكتب الرقابة Censorship Office إلى حظر أنماط الحياكة خلال الحرب العالمية الثانية في حالة ما كانت تحتوي على رسائل مشفرة ومخفية“.

تضمنت أعمال الحياكة التي استخدمتها المقاومة البلجيكية خلال الحرب العالمية الثانية فك غرز لإحداث ثقوب في النسيج في كل مرة يمر فيها قطار، وتشكيل غرز ناتئة لكل قطار آخر يمر، مما ساعد المقاومة على تعقب حركات الدعم اللوجيستيكي لأعدائها.

استخدمت (إليزابيث بينتلي)، وهي امرأة أمريكية عملت جاسوسة لصالح الاتحاد السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية وأصبحت لاحقا مخبرة أمريكية، حقيبة الحياكة خاصتها لتهريب مخططات أولية عن قنابل الـ(بي – 29) بالإضافة إلى معلومات حول صناعة الطائرات.

واستخدمت الجاسوسات خلال حرب التحرير الأمريكية نموذج ”النساء المسنات اللواتي يعملن دائما على الحياكة“ النمطي لصالحهن، ومن أمثلة ذلك كانت (مولي رينكر) الملقبة بـ(أولد موم) أو ”الأم المسنة“، التي كانت تتجسس لصالح (جورج واشنطن) خلال الحرب التحرير الأمريكية وكانت تجلس على قمة هضبة وتتظاهر بأنها كانت تحيك النسيج بينما هي كانت في الواقع تتجسس على البريطانيين، وذلك وفقا لـ”موسوعة النساء الأمريكيات في الحرب“ An Encyclopedia of American Women at War، ثم كانت (مولي) تخفي مسودات من الورق تحتوي على معلومات حساسة داخل كرات الغزل ثم كانت تركلها لتتدحرج أسفل الجرف متجهة نحو جنود أمريكيين مختبئين أسفلها مباشرة، وكان كل هذا يحدث أمام جنود العدو الذين لم يتفطنوا لشيء.

لطالما ارتبطت الحياكة بالجوسسة والرسائل المشفرة لدرجة أن العاملين في الحياكة من مختلف أنحاء العالم اكتشفوا طرقا تجعلك قادرا على إعداد شيفرات الحياكة السرية الخاصة بك، فأصبح العاملون في مجال الحياكة من غير الجواسيس قادرين على صناعة قفازات وأوشحة بواسطة نظام (ديوي) العشري، وشيفرة مورس، ولغة البرمجة الثنائية الخاصة بالحواسيب، وذلك باعتبار الغرزات والعقد مثل الأصفار والآحاد، لذا إن كنت ترغب في المساهمة في الإبقاء على هذا التقليد حيا للأجيال اللاحقة، فربما يجب عليك البدء بالتفكير في تعلم الحياكة كنقطة انطلاق.

المصادر

عدد القراءات: 773