in

دخلك بتعرف ”عجلة البول“؟ أقدم أداة لتشخيص الأمراض عند الإنسان في التاريخ

طبيب يختبر بول مريض. لوحة من (تروفيم بيغوت) 1579-1650.

بإمكان وعاء من البول أن يخبر الكثير عن حميتك الغذائية وصحتك، يمكنه أن يخبر ما إن كان جسمك يحصل على القدر اللازم من المياه، كما يمكنه الإشارة غلى فعالية أداء كليتيك لوظيفتهما. بإمكانه كذلك أن يدل على إصابتك باليرقان، أو إن كانت مستويات السكر في دمك مرتفعة أكثر من اللازم.

بإمكان التحليل الحديث للبول عن طريق الكيمياء الكشف عن صف متنوع من الأمراض والعلل، وحتى قبل قرون من الآن، قبل أن تصبح هذه الفحوصات المتطورة متاحة، وقبل اختراع المجهر واختبارات الدم والأشعة السينية، كان البول هو السائل الوحيد في الجسم الذي يمكن تحليله بفعالية والاعتماد على نتائج تحليلاته. لقد كان شفافاً، وذا ألوان ورواسب مختلفة، وكانت له رائحة فريدة، كما كان حتى بالإمكان تذوقه.

قبل أكثر من 3500 سنة، كان المعالجون من مصر القديمة والهند قادرين على تشخيص داء السكري عند مرضاهم من خلال وجود السكر بكميات مفرطة في بولهم. تطلب التشخيص من المعالج أن يتناول شراباً كريهاً، الذي هو البول نفسه.

بالفعل كان داء السكري واحداً من أول الأمراض التي شخصها الإنسان. تصف مخطوطة مصرية قديمة يعود تاريخها إلى سنة 1500 قبل الميلاد المرض على أنه: ”تفريغ للبول أكثر من اللازم“، بينما وصفه المعالجون الهنود في نفس الفترة التاريخية على أنه ”مادوميها“، أو ”بول العسل“، منوهين إلى مذاق البول الفريد: ”الحلو والأبيض“.

عجلة البول.
عجلة البول.

تقريبا كان الجميع حول العالم يعرفون مذاق بول شخص مصاب بداء السكري، حيث أن حتى الصينيين القدماء كانوا يطلقون على هذا الداء اسم ”تانغ نياو بينغ“، التي تعني حرفيا ”مرض البول السكري“.

تم تأليف مصطلح (ديابيتيس) Diabetes –السكري– أول مرة من طرف الطبيب الإغريقي القديم (أبولونيوس) من مدينة (ميمفيس) في القرن الثالث قبل الميلاد. يعني هذا المصطلح: ”الذي يعبر“، أو ”الذي يمر“، في إشارة إلى ميل مرضى داء السكري إلى تمرير البول وطرحه بشكل متكرر.

أضيف مصطلح ”حلاوة العسل“ إلى مصطلح السكري من طرف المعالج والطبيب الإنجليزي (توماس ويليس) في سنة 1674، تماما مثل المعالجين الذين سبقوه من حضارات مختلفة؛ وجد (ويليس) أن بول الشخص المصاب بداء السكري كان ”حلواً بشكل مذهل كما لو كان ممزوجا بالعسل أو السكر“.

المعالج (كونستانتين الإفريقي) من القرن الحادي عشر يفحص بول أحد المرضى.
المعالج (كونستانتين الإفريقي) من القرن الحادي عشر يفحص بول أحد المرضى.

إن فحص البول، وهي ممارسة تقتضي تفحص البول بصرياً، هي ممارسة طبية شجع عليها أبقراط، الذي اشتهر بكونه ”أب الطب“. كان أبقراط يؤمن بأن البول هو عبارة عن فضلات يحاول من خلالها الجسم التخلص من المواد المضرة التي تسببها له الأمراض، وكان لون البول، وشفافيته، وبعض معالمه وأوصافه الأخرى تمنح نظرة إلى داخل ما كان يحدث في الجسم.

يقول أبقراط في إحدى حكمه: ”عندما تستقر الفقاعات على سطح البول، فهذا يعني أن مرضاً ما أصاب الكليتين“.

عجلة البول
عجلة البول.

في القرن السابع ميلادي، ألف المعالج البيزنطي (ثيوفيلوس) كتابا ذا شعبية كبيرة حول فحص البول، وفصّل فيه كيفية تشخيص عدد من الأمراض من خلال النظر إلى البول. بعد حوالي 300 سنة لاحقاً، طوّر المعالج العربي إسحق بن سليمان الإسرائيلي المكنى بأبي يعقوب مخططاً انسيابياً معقداً قال بأنه بإمكانه تحديد أي مرض معروف لدى الإنسان، مع أكثر من عشرين لوناً من ألوان البول ليختار منهم المعالج، أصبح هذا المخطط الانسيابي ذا شعبية عظيمة بين معشر الأطباء والمعالجين في العصور الوسطى.

أصبحت هذه المخططات الانسيابية، التي اشتهرت باسم ”عجلات البول“، تطبيقا معياريا في النصوص الطبية على مدى قرون، خاصة خلال العصور الوسطى، حيث بلغ الاهتمام بتفحص البول بحثا عن الأمراض ذروته. بحلول ذلك الوقت، أصبح يعرف بشكل واسع على أن بعض الأمراض كانت تؤثر بشكل ملحوظ على لون البول ورائحته ومذاقه. أصبحت الفحوصات البصرية للبول ممارسة طبية معيارية لدرجة أصبحت صورة الطبيب الذي يحمل دورقاً به بول أمام مصدر ضوء لفحصه هي الصورة النموذجية للطب والطبيب.

بعيدا عن الأمراض، استُخدم البول كذلك لاختبار وتحديد الحمل. يشرح أحد النصوص الذي يعود تاريخه إلى سنة 1552 كيف أن بول المرأة الحامل يكون ”ذا لون ليموني شاحب وفاتح يميل نحو الإبيضاض، وله غيمة على سطحه“.

كان بعض الأطباء يضيفون النبيذ إلى البول لأغراض تشخيصية، فعندما يتفاعل الكحول في النبيذ بشكل ملحوظ بالعين المجردة مع البروتينات في البول، يعتبر الاختبار إيجابياً، أي أن الحمل قد تحقق، وبما أن طرح البروتينات عن طريق البول يرتفع بشكل ملموس خلال الحمل، فإن هذا الاختبار قد يكون ناجحاً بنسبة كبيرة على الأرجح.

دليل لفحص البول الذي يمكن أداؤه في المنزل، حوالي سنة 1920.
دليل لفحص البول الذي يمكن أداؤه في المنزل، حوالي سنة 1920.

وصل التقييم الحسي للبول إلى نهايته في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، فاستبدل بالفحوصات الكيميائية، غير أن بعض المعالجين تشبثوا بهذه الفحوصات القديمة بشكل عنيد، وهؤلاء الأخيرون أصبحوا يعرفون باسم ”أنبياء البول“.

في القديم، قِدم الحضارة الرومانية، كان البول كذلك يستخدم لأغراض التنبؤات والتكهنات الروحانية، في ممارسة عرفت باسم Uromancy، كان المتبصّر هنا يحدق في وعاء به بول ويدعي ”التنبؤ الإلهي“ بناء على نمط تشكل الفقاعات حول الوعاء. بينما كان آخرون يدعون بأنه بإمكانهم رؤية علامات الجنة في لون ومذاق البول، ومنه يستطيعون معرفة ما إن كان صاحبه من أصحاب النعيم أم الجحيم.

مازال تحليل البول أداة تشخيصية فائقة الأهمية، هذا على الرغم من أن علماء الأمراض والأوبئة في عصرنا هذا نادرا ما يحدقون إلى البول خلف عدسة المجهر أو يمزجونه مع عدة مواد كيميائية لفحص النتائج، ومنه يمكننا اعتبار رجّ دورق مملوء بالبول والارتشاف منه لمعرفة مذاقه فناً ضائعاً ومفقوداً، وهو فن من المؤكد أن الأطباء لن يحنّوا له.

جاري التحميل…

0