in

دخلك بتعرف كيف حاولت الـCIA إسكات هستيريا الصحون الفضائية الطائرة خلال فترة الحرب الباردة؟

في شهر يناير من عام 1953، واجهت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية موقفاً شائكاً. ففي تلك الفترة، انتشرت تقاريرٌ عن رؤية صحون طائرة فضائية كالنار في الهشيم. ولم يتوقف الوضع عند ذلك، بل زادت وسائل الإعلام الوضع سوءاً، وبدأت تغذي خيال المواطنين ومخاوفهم من وجود تلك الصحون حقاً. لذا كان على الوكالة وضع حد لتلك الفوضى، فجمعت عدة علماء للتحقيق في صحة تلك الظاهرة الغريبة التي ظهرت في سماء الولايات المتحدة، وما إذا كانت تهدد الأمن الوطني للبلد.

في تلك الفترة أيضاً، تزايد قلق المواطنين الأمريكان من السوفيات، وتراوحت مخاوفهم من الحرب النفسية أو حتى استخدام الأسلحة النووية، لكن حكومة الولايات المتحدة قلقت من احتمال انتشار الهستيريا بخصوص موضوع الصحون الطائرة لدى عامة الشعب.

في العام السابق، بدأت قصة الصحون الطائرة تظهر بشكل جدي في الأحاديث اليومية والعامة. ففي شهر أبريل من عام 1952، نشرت المجلة الشهيرة حينها، Life، قصة بعنوان «هل نستقبل زواراً من الفضاء؟» ووعدت المجلة بتوفير «دليل علمي يؤكد صحة وجود هذه الصحون الفضائية». وفي شهر يوليو من ذاك العام، احتوت عناوين الصحف في البلاد تقاريراً عن أعدادٍ هائلة من الصحون الطائرة التي تُحلق فوق العاصمة واشنطن بين شهري مارس ويونيو من العام ذاته، أما عدد الصحون الطائرة التي وُثّقت مشاهداتها بشكل رسمي من طرف القوات الجوية الأمريكية، فتراوح بين 23 إلى 148 صحناً طائراً.

ومع الأخذ بعين الاعتبار هذا الاهتمام الشديد الذي حظيت به الصحون الطائرة، قررت وكالة الاستخبارات المركزية أنها بحاجة إلى «سياسة وطنية» عما «يجب قوله للرأي العام بخصوص هذه الظاهرة، في سبيل تقليص خطر واحتمال انتشار الرعب بين المواطنين، وهذا الكلام موثّق في مستندات ووثائق أمريكية حكومية.

تقرير روبرتسون: العدو الحقيقي هو الهستيريا

صورة مفترضة لما يُعتقد أنه صحن طائر
صورة لما ادعي أنه صحن طائر، التقطها المزارع بول ترنت في مزرعته في مكميلين فيل ضمن ولاية أوريغون، في 11 مايو من عام 1950. صورة: Bettmann Archive/Getty Images

تعاون مكتب وكالة الاستخبارات الأمريكية للاستخبارات العلمية مع (هاورد بيرسي روبرتسون)، وهو بروفيسور في الفيزياء الرياضية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وطلبت الوكالة منه جمع قائمةٍ تحوي عدداً من العلماء غير العسكريين. التقى (روبرتسون) والعلماء لبضعة أيامٍ في شهر يناير من عام 1953، وراجعوا سجلات القوات الجوية المتعلقة بمشاهدات الصحون الطائرة التي تعود إلى العام 1947.

كان مشروع الكتاب الأزرق، الذي بدأ عام 1952، آخر ما توصلت إليه فرق التحقيق المختصة بمشاهدات القوات الجوية للصحون الطائرة. وبعد إجراء مقابلات مع الكابتن (إدوارد جاي. روبيلت) وعالم الفلك (جاي. ألين هاينيك)، توصل العلماء إلى نتيجة مفادها أن الكثر من المشاهدات التي سُجلت في الكتاب الأزرق قابلة للتفسير بشكل علمي. فعلى سبيل المثال، بعد مراجعة فيلمٍ يصوّر مشاهدة صحنٍ فضائي طائر قرب الشلالات العظمى في مونتانا في الخامس عشر من شهر أغسطس عام 1950، استنتجت لجنة العلماء أن الفيلم يُظهر حقيقة انعكاس أشعة الشمس على سطح مقاتلتين حربيتين تابعتين للقوات الجوية.

لكن هذا لا يعنى أن اللجنة دحضت كل الادعاءات، بل أقرت بإمكانية تسبب تلك الظاهرة بتهديد وطني، لكن المشكلة لا تتعلق بالصحون الطائرة أو أولئك الفضائيين ذوي اللون الأخضر كما اعتُبر وقتها.

قال جون غرينوالد جونيور، مؤسس موقع «الخزنة السوداء» الذي يحوي أرشيفاً من الوثائق الحكومية، أن المشكلة تمثلت بعامة الشعب! قلقت الحكومة من قيام الناس، الذين سيطرت عليهم الهستيريا والرعب، باستهلاك جميع مصادر الحكومة الأمريكية في وقت كانت فيه الحرب الباردة في ذروتها.

قلقت وكالة الاستخبارات الأمريكية من تدخل أجنبي أيضاً، حيث يقول (نيك بوب) –الذي عمل في برنامج الصحون الطائرة التابع لوزارة الدفاع في المملكة المتحدة منذ عام 1991 حتى عام 1994 –أن السوفيات «قد يجدون طريقة لاستغلال اهتمام الشعب الهائل بالصحون الطائرة، وقد يستغلون الأمر للتسبب بموجة من الذعر، ما قد يؤدي إلى إضعاف التماسك الوطني». يشير تقرير روبرتسون –الذي لم تصدر وكالة الاستخبارات المركزية للعلن حتى عام 1975 –إلى تلك القضية الأخيرة، ويشرح أن «الهستيريا الجماعية» المتعلقة بالصحون الطائرة قد تؤدي إلى «ضعفٍ إرادة الشعب تجاه أسلحة الحرب النفسية»، في إشارة لما قد يقوم به السوفيات.

علموا الشعب أن يكون أقل سذاجة

لمواجهة نقاط الضعف تلك، اقترحت لجنة العلماء إجراء برامج تعليم لدحض مشاهدات الصحون الطائرة تلك، وتعليم الناس كيفية التعرف على ظاهرة ما. اقترح العلماء أيضاً تعليم الناس عن تلك الأمور بواسطة المقالات والبرامج التلفزيونية والأفلام –حتى اقترحوا أن تقوم شركة «والت ديزني» بإنتاج تلك البرامج. وجاء في التقرير: «يجب على تلك البرامج أن تخفف وتحدّ من سذاجة العامة… وإكسابهم القدرة على تمييز البروباغندا المعادية».

فهل اتبعت الحكومة خطة العلماء وخلقت مثل تلك البرامج؟ تشير (ليزلي كين)، مؤلفة «UFOs»، إلى مثالٍ مشابه: وهو حلقة تلفزيونية خاصة أداها (والتر كرونكايت) عام 1966 بعنوان «الصحون الطائرة: صديق، عدو أم خيال؟».

تقول كين: «لدينا سجلٌ أن واحداً من الأشخاص الذين ينتمون للجنة روبرتسون كتب رسالة إلى شخصٍ آخر كان ضمن اللجنة، وقال أنه «ساعد بتنظيم برنامجاً على قناة CBS TV حول نتائج لجنة روبرتسون». أي كما اقترحت اللجنة، ركّز البرامج على دحض مشاهدات الصحون الطائرة.

تقرير كوندون

بين عامي 1966 و1968، دعت الحكومة الأمريكية إلى إجراء بحثٍ علمي أطول يتعلق بمشروع الكتاب الأزرق، قاده الفيزيائي (إدوارد يو. كوندون). تدخلت وكالة الاستخبارات المركزية قليلاً بلجنة كوندون، لكن اللجنة فُوّضت من طرف القوات الجوية الأمريكية وأجرت أبحاثها على يد علماء من جامعة كولورادو، وكان تقريرها متاحاً للعامة منذ صدوره. وعلى غرار لجنة روبرتسون، توصلت اللجنة الجديدة إلى نتيجة مفادها أن الصحون الطائرة لا تشكل خطراً على أمن وسلامة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن معظم تلك المشاهدات التي وردت بالإمكان تفسيرها. وبالإضافة لذلك، اقترح التقرير أن تقوم القوات الجوية الأمريكية بإنهاء تحقيقات مشروع الكتاب الأزرق المتعلقة بالصحون الطائرة، والتي انتهت فعلاً عام 1969.

اقترح الكثير من الناس الذين درسوا مشاهدات الصحون الطائرة أن الحكومة لم تسمح أبداً للجنة روبرتسون ولجنة كوندون –وحتى مشروع الكتاب الأزرق –بمراجعة معظم المشاهدات «الحساسة»، فتلك الحوادث احتوت عدداً من المعلومات المُصنفة على أنها سرية. واحدٌ من الأدلة المتعلقة بتلك المشاهدات كانت مذكرة من عام 1969 موقعة من طرف قائد اللواء (كارول إتش. بوليندر) والتي جاء فيها أن القوات الجوية الأمريكية لم تشارك جميع مشاهدات الصحون الطائرة مع مشروع الكتاب الأزرق، وأن الحكومة استمرت بالتحقيق في المشاهدات التي قد تمثل خطراً قومياً حتى بعد انتهاء المشروع نفسه.

أشار عددٌ من النقاد أيضاً إلى كون الهدف الرئيس من لجنة روبرتسون ولجنة كوندون –و/أو مشروع الكتاب الأزرق –لم يكن التعرف على ما يجري أو التعرف على تلك المشاهدات الغريبة للصحون الطائرة، إنما كان السبب الأساسي وراء تلك التحقيقات هو إسكات واحتواء قلق عامة الشعب الأمريكي تجاه تلك الظاهرة.

وإن كان ذلك صحيحاً، فلا يعني بالضرورة أن الحكومة الأمريكية تملك معلومات سرية على كائنات فضائية وتريد إخفائها عن سكان كوكب الأرض، كما يُشاع على الأقل. ففي بعض الحالات، حاولت الحكومة الأمريكية إخفاء وتغطية نشاطاتها. ومنذ انتهاء مشروع الكتاب الأزرق، اعترفت وكالة الاستخبارات المركزية أن أكثر من نصف التقارير المتعلقة بالصحون الطائرة، والتي تلقتها الحكومة الأمريكية في أواخر خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تعلقت بطائرات تجسس ومراقبة مثل «لوكهيد يو –2» التي استخدمتها الحكومة الأمريكية.

ولأن الحكومة لم ترغب أن يعرف الشعب الأمريكي برحلات التجسس والمراقبة تلك، كان أعضاء مشروع الكتاب الأزرق يفسرون تلك المشاهدات الغريبة التي يراها الناس عن طريق ربطها بظواهر طبيعية مثل بلورات الجليد أو انقلابات درجات الحرارة، وذلك وفقاً لما كتبه مؤرخ مكتب المراقبة الوطني التابع لوكالة الاستخبارات المركزية، السيد (جيرالد كي. هينس). في عام 2014، نشرت وكالة الاستخبارات المركزية تغريدة على موقع تويتر عن تلك القصة، أقل ما يُقال عن تلك التغريدة أنها «غريبة»، وجاء فيها: ”هل تذكرون التقارير التي تتحدث عن أنشطة غير طبيعية في السماء في خمسينيات القرن الماضي؟ نحن من كنا وراء ذلك“.