تاريخ

قصة ”الدبابة القيصر“ الروسية الرهيبة

نموذج عن الدبابة القيصر الروسية

منذ سنة 1914 إلى غاية سنة 1918، تحولت الكثير من الحقول الواسعة في القارة الأوروبية إلى ساحات معارك طاحنة نشبت بين مختلف الأمم آنذاك، ومن بين هذه المعارك كانت تلك التي وقعت خلال ”الحرب العظيمة“ أو الحرب العالمية الأولى كما نعرفها اليوم، التي تسببت في سقوط أعداد هائلة من الضحايا بينما تناحرت الأمم والإمبراطوريات وأقامت الدنيا وأقعدتها على مجرد أشبار من الأراضي، مضحية في خضم ذلك بعشرات الآلاف من الأرواح.

من أجل التفوق في تلك الحروب والمعارك والخروج ببلدانهم من المآزق، وجه المهندسون العسكريون اهتمامهم إلى تصميم أسلحة جديدة قد تميل الكفة في تلك الحروب، ومنه وصلت العديد من البلدان في وقت متزامن إلى مفهوم الدبابة، كما عمدت كل دولة على حدى على إحاطة تصاميمها الخاصة عن النماذج الأولية عن هذه الدبابات بقدر كبير من السرية حتى يكون التفوق في المجال من نصيبها.

وعلى الرغم من السرية التي أحاطت بتصميم كل نموذج في كل بلد مختلف، إلا أن معظم الدبابات آنذاك كان يبدو أنها اتبعت نفس التصميم مع فروقات في جزئيات بسيطة، وكان أولى الدبابات آنذاك عبارة عن حاجز أو مصدّ مجهز بمحركات وسلاسل لتجاوز العقبات في الأراضي الوعرة والتقدم خلالها بينما يمنح الحماية للجنود الذين يسيرون خلفه، كما تم تجهيز بعض النسخ الحديثة من هذه التصاميم بالرشاشات الثقيلة والمدافع لتزويدها بقدرات هجومية من أجل توجيه الضربات نحو مواقع جنود الأعداء لشلّها عن القيام بأية هجومات مضادة.

الدبابة القيصر الروسية

الدبابة القيصر خلال الاختبارات الميدانية، بإمكانك ملاحظة ضآلة حجم الجنود الواقفين فوق العربة مقارنة بحجمها الهائل.

كان أكثر نموذج خارق للعادة عن هذه الدبابات الأولية كلها بدون منازع هو ”الدبابة القيصر“ الروسية.

كان ارتفاع هذه الدبابة يبلغ حوالي تسعة أمتار وكانت تزن ستين طنا، وكان لها مظهر يحاكي شكلا العربة ثلاثية العجلات كتلك التي اخترعها (بول بونيان)، وتضمن التصميم عجلتان خلفيتان هائلتي الحجم اللتين كان المراد منهما تمكين الآلة من تجاوز كل العقبات التي قد تجدها في طريقها.

كانت ”الدبابة القيصر“ الروسية من بنات أفكار المهندس العسكري الروسي (نيكولاي ليبيدينكو) الذي عمل على التصميم الأولي مع كل من المهندسين (نيكولاي زوكوفسكي) و(بوريس ستيشكين) و(ألكسندر ميكولين).

كانت الدبابة القيصر عملاقة حتى بالمعايير الحديثة، حيث كان طولها يبلغ ثمانية عشر مترا، وعرضها تسعة أمتار، وتضمنت عربة نقل ضخمة على شكل حرف (تي) T مع برج دبابة علوي مجهز بمختلف أصناف المدافع والرشاشات الثقيلة.

كانت جوانب الدبابة السفلية كذلك مجهزة بالرشاشات لتوفير تغطية للجنود من خلال إطلاق النار على نقاط العدو، وكان يعمل على قيادة هذه الدبابة فريق مكون من عشرة رجال.

تصميم ”الدبابة القيصر“ الروسية

تصميم ”الدبابة القيصر“ الروسية للمصمم VonBrrr على موقع Deviantart

كانت كل عجلة كبيرة من عجلتي الدبابة تستمد الطاقة من محرك منفصل بقوة 250 حصانا بخاريا تم تعديله نقلا عن محركات استلهمت من عربات الـZeplin الألمانية، التي تم الاستيلاء عليها خلال الحرب.

بلغت سرعة الدبابة القيصر القصوى 20 كيلومترا في الساعة في أفضل الأحوال، وفي خلفيتها كان توجد ثلاثة عجلات صغيرة تعمل على محرك دوار من أجل منح الدبابة التوازن اللازم أثناء عملها، الأمر الذي منحها في نفس الوقت مظهر عربة ثلاثية العجلات هائلة الحجم.

حظيت الدبابة القيصر باسمها هذا على يد (نيكولاس الثاني) زعيم روسيا آنذاك، الذي اهتم كثيرا بمشروع هذه الدبابة بعد أن أجرى أمامه (ليبيندكو) استعراضا لنموذج مصغر عنها في سنة 1915، حيث شغل النموذج أمامه على الأرضية وجعل أمامه كتبا وبعض الأدوات المكتبية لتعمل عمل العوائق، التي تجاوزها النموذج بسهولة كبيرة. انبهر (نيكولاس) بهذه الفكرة ومنح (ليبيدينكو) غلافا ماليا لتمويل مشروعه قُدر بـ250 ألف روبل، أي ما يعادل 125 ألف دولار، وهو مبلغ كبير جدا آنذاك.

بدأت بعد ذلك أعمال الصناعة على المشروع في سرية تامة، حيث كانت جميع قطع الدبابة تصنع مثلما لو كانت ستستخدم في ماكينات صناعية ضخمة حتى لا يعلم أيا كان بحقيقة المشروع.

في الـ27 من أغسطس سنة 1915، أُخضعت الدبابة القيصر لأول اختباراتها الميدانية، حيث تمت قيادتها خلال طريق صعب عبر مستنقع، فنجحت في سحق شجرة وتجاوزها ثم حادت عن الطريق واتجهت صوب أراضي موحلة حيث توقفت.

الدبابة القيصر الروسية خلال الاختبارات الميدانية

الدبابة القيصر الروسية خلال الاختبارات الميدانية

كانت العجلات تدور في أماكنها ولم تتكمن من دفع الدبابة إلى الأمام وإخراجها من الوحل الذي غرقت فيه، فقد كان معظم وزنها مركزا على الجهة الخلفية مما تسبب في غرق المحرك الدوار الخلفي بسهولة تامة في الأوحال، وعلى الرغم من كونهما تشتغلان على محركات ضخمة غير أن العجلتين الكبيرتين لم تحوزا على القوة الكافية لسحب الدبابة خارج الوحل.

تصميم ثلاثي الأبعاد لدبابة القيصر الروسية خلال الاختبارات الميدانية

تصميم ثلاثي الأبعاد لدبابة القيصر الروسية خلال الاختبارات الميدانية

على إثر هذا الفشل الذريع، تم التخلي عن المشروع الذي هجر في نهاية المطاف، وبقيت الدبابة قابعة هناك حيث توقفت في الأوحال إلى غاية سنة 1923 عندما تم سحبها ليعاد استخدامها كخردة حديدية.

منذ ذلك الحين، نشأ جدل واسع بين الخبراء العسكريين حول إمكانيات الدبابة القيصر الفعلية وفعاليتها المحتملة في ساحة القتال لو أنها صممت بشكل مثالي، فكان حجمها الهائل ليثير الرعب في نفوس الأعداء دون شك، خاصة في زمن لم يكن مفهوم الدبابة فيه شائعا بعد.

غير أن حجم الدبابة الكبير كان لتكون لديه نتائج عكسية في نفس الوقت، حيث سيجعل منها هدفا سهلا لسلاح مدفعية العدو التي قد تلحق بها أضرار كبيرة أو تدمرها تماما بسهولة، خاصة إذا تعلق الأمر بعجلاتها الأمامية الصغيرة والمكشوفة.