in

دخلك بتعرف أعشاش الفئران المليئة بالكنوز؟

فأر يطل من جحره

تشكل المواد التي يتم جمعها وحفظها في أعشاش الفئران مرجعاً هاماً للباحثين في اكتشاف العديد من أسرار الماضي، حيث تلعب الفئران والقوارض الأخرى دوراً مهماً في الحفاظ على التاريخ في المجتمع العلمي، ومن هنا يأتي تشبيه الأشخاص الذين يحافظون على أشيائهم لفترة زمنية طويلة بالفئران.

وبالعودة للعلم، فإنّ المواد التي تجمعها الفئران وتخزنها في أعشاشها، بدءاً من العناصر الطبيعية مثل العصي والبذور وانتهاءً بصناعات الإنسان المختلفة كالحلى، تعتبر كلها كنوزاً للعلماء والمؤرخين على حد سواء.

درس علماء الآثار وعلماء المناخ النظم البيئية الماضية من خلال تحليل مواد عمرها آلاف السنين كانت موجودة في أعشاش الفئران، كما تتبعوا مناخات العصر الجليدي والتغييرات التي حدثت للنباتات عبر الجنوب الغربي الأمريكي، وذلك من خلال المنازل التي يعود تاريخها إلى قرون من الزمن، وقد كانت الأشياء المحفوظة في أعشاش الفئران مصدراً لمعلومات جديدة عن حياة الأمريكيين الأفارقة المستعبدين، الذين لم يتم حفظ قصصهم في السجلات المكتوبة في ذلك الوقت.

تشتهر حيوانات الجيروذ المعروفة باسم فئران الخشب بتجميع مجموعة متنوعة من العناصر من المناطق المحيطة بها لصناعة أعشاشها، وعلى الرغم من أنها متشابهة الحجم مع الفئران ذات اللونين البني والأسود، إلا أنها ذات ذيل كثيف وتنتمي إلى فصيلة Neotoma بدلاً من فصيلة Rattus.

لا تبتعد هذه القوارض عن أعشاشها بأكثر من 30 أو 40 متراً، بالإضافة إلى جمع العناصر من دائرة نصف قطرها حوالي 16 متراً، وتجمع كل شيء من النباتات والأغصان إلى الحشرات والعظام، وعلى الرغم من أنك قد لا تتوقع بقاء مثل هذه المواد لفترة طويلة جداً، إلا أن هذه الفئران لديها أيضاً طريقة خاصة للحفاظ على مقتنياتها عن طريق البول.

تتبول تلك القوارض في جميع أنحاء أعشاشها، وفي المناخات القاحلة مثل الصحاري يتبلور البول أثناء تجفيفه، وهكذا يحافظ على العناصر الموجودة في أعشاش الفئران، لكنه يمثل أيضاً تحدياً للعلماء الذين يدرسون مثل تلك الاكتشافات، تقول (كاميل هولمغرن)، وهي عالمة بيئية في جامعة (بافالو): ”لدى تلك الفئران بول شديد التركيز، يصبح قاسياً كالصخور بمجرد تبلوره، فمن أجل جمعه نحتاج إلى مطرقة صخرية وإزميل أرضي كبير للتخلص من هذه الأشياء لأنها غالباً ما تكون مثبتة على الصخور أيضاً“.

تضمنت الأبحاث التي أجرتها (هولمغرن) حول الغطاء النباتي وتغير المناخ، كما تضمنت دراسة أوساط قديمة مليئة ببول الفئران المتبلور الذي يعرف باسم Amberat، والتي تعين عليها تبليلها وترطيبها لمدة أسبوع على الأقل لتحطيمها واستخراج الأوراق والبذور والأغصان من هذا العالم القديم.

وقد مكّن هذا (هولمغرن) وزملائها بالتعرف على الكربون في النباتات داخل هذه الكبسولات الزمنية الطبيعية، وتجدر الإشارة إلى أنه وجد العلماء عينات تعود إلى 50000 عاماً، والتي لا يمكن الاعتماد عليها بعد هذه الفترة الزمنية.

حددت (هولمغرن) الأنواع النباتية المحفوظة في بول الفئران المتبلور من الجنوب الغربي الأمريكي، وقارنت بين النباتات القديمة والنباتات الحديثة في المنطقة لفهم كيفية تغير أنماط النباتات عبر عشرات الآلاف من السنين، كما تمكنت من دراسة تغير المناخ المحلي من خلال مقارنة النظم البيئية السابقة والحالية.

يدرس عالم الأحياء (روبرت هاربرت) من كلية (ستونهيل) في ولاية (ماساتشوستس) بيوت الفئران لمعرفة المناخات الماضية، بما في ذلك العصر الجليدي الأخير منذ حوالي 25000 سنة، وعلى عكس دراسة حبوب الطلع القديمة أو طرق أخرى لاستكشاف تاريخ كوكبنا، يقول (هاربرت): ”إن المواد الموجودة في البيوت المتوسطة الحجم للفئران محفوظة جيداً بحيث يمكنك أن تكون أكثر تحديداً مع أنواع النباتات“، وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن للعلماء تقدير هطول الأمطار ودرجة الحرارة والظروف الأخرى للمناخات القديمة بناءً على أنواع النباتات التي يجدونها في الـAmberat، كما استخدم (هاربرت) وباحثون آخرون تلك المادة لدراسة تطور القوارض والانقراضات المحلية وأنماط هجرة النباتات والحيوانات، كما لعبت المادة أيضاً دوراً رئيسياً في اكتشاف أن أجداد شعب (بويبلو)، وهم شعوب أمريكية أصلية تركزت في ما يعرف الآن بمنطقة الأركان الأربع في الولايات المتحدة الأمريكية، كانوا قد استخدموا إمدادات الأخشاب المحلية للبناء والوقود في (تشاكو كانيون)، مما أدى إلى إهمال المركز الثقافي الذي برز قبل أكثر من ألف عام في ما يعرف الآن باسم (نيو مكسيكو).

مجموعة أغراض عثر عليها داخل جحور الفئران في ”المطبخ المنزل“ في قصر (ناثنييل راسل).
مجموعة أغراض عثر عليها داخل جحور الفئران في ”المطبخ المنزل“ في قصر (ناثنييل راسل).

تبين أنّ الجيروذات وكذلك أبناء عمومتهم الفئران السوداء والبنية لا تجمع العصي والبذور فقط، بل تميل إلى الفرار مع أي شيء لامع أو فريد يمكن أن تجده عندما تعيش بالقرب من البشر، فعلى ساحل المحيط الأطلسي للولايات المتحدة الأمريكية، حافظت الفئران على كنوزها خلف جدران مؤقتة بدلاً من التحجر، ذلك لأن المناخ ليس جافاً بما يكفي لتكوين مادة الـAmberat، والحقيقة أنه بفضل هؤلاء المكتنزين الصغار تعلّم المؤرخون تفاصيل جديدة حول حياة العمال المستعبدين في جميع أنحاء جنوب شرق الولايات المتحدة، بما في ذلك منزل (ناثانييل راسل).

كان (ناثانييل راسل) تاجراً للنقل البحري وتاجراً للعبيد، وقد تم تعيين منزله في (تشارلستون) في ولاية (ساوث كارولينا) كمعلم تاريخي وطني منذ عام 1973م، والجدير بالذكر أنه يعترف المحافظون على الفن الذين يعملون في المنزل بأن فهمهم لسكان العقار غير كامل.

تقول (روشا كاماث)، وهي باحثة في مجال الهندسة المعمارية وخريجة جامعة (كليمسون) وكلية (تشارلستون): ”لقد زرنا منزل (ناثانييل راسل) عدة مرات في محاولة لرؤية الموقع من خلال مناظير مختلفة، كان أحدها لفهم الأمريكيين الأفارقة الذين عاشوا هناك“.

وعلى الرغم من أن القصر الرئيسي المكون من ثلاثة طوابق تمت حمايته وترميمه ابتداءً من عام 1989م من قبل مؤسسة (تشارلستون) التاريخية، إلا أنه لم يتم النظر في ترميم ما يعرف ”بالمنزل المطبخ“ حتى عام 2017، تقول (لورين نورثوب) وهي مديرة المتاحف في مؤسسة (تشارلستون) التاريخية: ”كان المنزل المطبخ، الذي كان من الممكن أن يكون مكان العمل والمعيشة للأشخاص المستعبدين، في الحقيقة مجرد منطقة لتخزين الكتب، وهذا لا يُكرِّم حياة هؤلاء الأشخاص أو مساهمتهم بكل تأكيد“.

يقع مكتب (نورثوب) في المنزل المطبخ القديم، وفي يوم من الأيام وجدت نفسها تحدق عند باب بدا قديماً إلى حد ما، فدعت (سوزان باك)، وهي حافظة الفنون بجامعة (ديلاوير)، إلى إلقاء نظرة على هذا الباب، وأدرك الباحثون أن الكثير من الأعمال الخشبية الأصلية في هذا الجزء من المنزل لا تزال سليمة، فقامت (باك) وفريق من خبراء الحفظ بقطع الثقوب في الجدران الجافة للبحث عن الجص واللوحات الأصلية، وبالتأكيد شعر الفريق بسعادة غامرة لإيجاد عدة أشياء تعود لفئران مخبأة في الحائط.

وجد الخبراء دبابيس الخياطة والأزرار والرخام وجزءاً من صدرية موحدة، كما أنهم وجدوا قصاصات من الورق المطبوع التي يمكن أن يعود تاريخها إلى شهر نوفمبر من عام 1833م، وكانت الورقة غامقة اللون وملفوفة ولكن لا تزال قراءتها ممكنة بمجرد فتحها بلطف.

تقول (باك): ”كانت تلك الأوراق محمية من المطر والرطوبة، لذلك كان لدينا كل هذه المواد الهشة التي لا تنجو عادة“، وبفضل تلك المواد استعاد الفريق قصاصات من كتاب تمهيدي مبكر، مما يشير إلى أن بعض العمال المستعبدين الذين يعيشون في مطبخ المنزل كانوا يتعلمون القراءة والكتابة.

بحث المؤرخون والمحافظون عن أدلة جديدة في أماكن غير محتملة، وقد لاحظوا أن الفئران التي وجدت في المنزل قد خلّفت مخبأ لا يقدر بثمن للعناصر التي تكشف عن تفاصيل جديدة عن حياة الناس الذين غابوا عن السجل التاريخي، تقول (كاماث): ”لا يمكنك إيجاد أشياء قيمة ومفيدة دائماً، ففي بعض الأحيان لا تصادف شيئاً، وفي أحيان أخرى تجد كنزاً لا يقدر يثمن“.