in

دخلك بتعرف الوهم الزجاجي ومعاناة النبلاء معه

الوهم الزجاجي

ساد اعتقاد غريب بين الناس مع اقتراب نهاية العصور الوسطى، حيث كان شائعاً بين بعضهم تصديق فكرة أنهم مصنوعون من الزجاج، والأكثر من ذلك الإيمان بفكرة انكسارهم في حال تم لمسهم، وأصبح ذلك معروفاً فيما بعد بـ”الوهم الزجاجي“، والحقيقة أنّ أغلب المتوهمين كانوا من طبقة الأغنياء والأشخاص أصحاب النفوذ في ذلك الوقت.

لكن ما هو السبب وراء هذه الظاهرة الغريبة؟ وما سر اختفائها بنفس السرعة التي ظهرت فيها؟ سنعرض في هذا المقال على موقعنا «دخلك بتعرف» 30 حقيقة ستساعدنا في فهم ظاهرة الوهم الزجاجي هذه:

30. حوّل الوهم الزجاجي أقوى الرجال إلى أكثرهم هشاشة وضعفاً:

الملك الفرنسي تشارلز المجنون
الملك الفرنسي تشارلز المجنون. صورة: Wikimedia Commons

كان الملك (تشارلز) السادس أقوى رجل في فرنسا، حكم مملكة يقطن فيها الملايين من البشر لمدة 42 عاماً، حيث تعدّ فترة حكمه أطول فترة حكم في التاريخ الفرنسي، والجدير بالذكر أنه قاد الجيوش الفرنسية في حرب المئة عام ضد الإنجليز، ولعب دوراً رئيسياً في تشكيل المشهد السياسي الأوروبي في ذلك الوقت.

ورغم كل ذلك، شعر الملك (تشارلز) بضعف شديد بسبب اعتقاده أنه مصنوع من الزجاج ويمكنه أن يتحطم في أي لحظة، والغريب في الموضوع أنه لم يكن الرجل الوحيد الذي كان يعتقد ذلك.

29. اجتاح الوهم الزجاجي أوروبا في نهاية العصور الوسطى، رغم أنه لا يمكن معرفة كيف بدأ بالانتشار:

كانت أوروبا في العصور الوسطى تملؤها الخرافات.
كانت أوروبا في العصور الوسطى تملؤها الخرافات. صورة: Wikimedia Commons

لا أحد يعرف على وجه اليقين متى بدأت هذه الظاهرة النفسية الغريبة، أو السبب الذي كان في الواقع وراء انتشارها، لكن الملك (تشارلز) السادس ملك فرنسا كان إلى حد بعيد الحالة الأكثر شهرة، وحسب معظم الروايات فقد أثر الوهم الزجاجي على أفراد معينين في جميع أنحاء أوروبا، في الفترة بين نهاية العصور الوسطى المتأخرة إلى بداية الفترة الحديثة المبكرة (أي بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر).

وعلى الرغم من أن الحالات المسجلة قد تكون انتشرت في جميع أنحاء القارة، إلا أنها كانت تشترك جميعها في شيء واحد، وهو اعتقاد المتألم اعتقاداً راسخاً بأن جسمه لم يكن مصنوعاً من اللحم والعظم، بل من الزجاج الهش.

28. كان الوهم الزجاجي الذي ظهر في الكتب الدراسية في ذلك الوقت، مجرد واحد من العديد من الظروف الغريبة حينها:

وثيقة طبية من العصور القديمة
وثيقة طبية من العصور القديمة.

ظهر هذا الوهم في وقت ازداد فيه القلق في جميع أنحاء أوروبا، وخاصة بين الطبقات الحاكمة، وحسب ما جاء في كتاب Anatomy of Melancholy الذي كتبه الباحث في جامعة أوكسفورد (روبرت بيرتون) ونُشر عام1621م، اعتبر الكتاب أنّ الوهم الزجاجي واحد من عدد من المعتقدات الغريبة في ذلك الوقت، فإلى جانب هؤلاء الذين اعتقدوا أنهم مصنوعون من الزجاج، اعتقد غيرهم أن جسمهم مصنوع من الفلين، كما اعتقد آخرون أن جسمهم ثقيل كالرصاص أو لديهم ضفادع في بطونهم، بالإضافة للأشخاص الذين كانوا يخافون من سقوط رؤوسهم من على أكتافهم.

27. كان للملك (تشارلز) السادس ملك فرنسا السلطة المطلقة، لكنه شعر أنه يمكن أن يتحطم في أي وقت:

الملك الفرنسي تشارلز المجنون
صورة: Wikimedia Commons

لفهم الوهم الزجاجي بطريقة أوضح، من الأفضل أن نبدأ بالضحية الأكثر شهرة، حيث يُظهر السجل التاريخي أن (تشارلز) السادس، الذي ولد في شهر ديسمبر عام 1368م، عاش طفولة ومراهقة طبيعيتين نسبياً والحقيقة أنه عندما صعد إلى العرش الفرنسي في عام 1380م، لم تكن هناك علامات تشير إلى أنه سيُعرف باسم Charles the Mad بمعنى (تشارلز) المجنون، ولكنه في منتصف العشرينيات من عمره بدأ يعاني من نوبات الذهان، وحتى ذلك الحين لم يكن محدداً السبب وراء اعتقاده أنه مصنوع من الزجاج.

26. من المحتمل أن يكون الانهيار العقلي قد دفع الملك (تشارلز) إلى الاعتقاد بأنه مصنوع بالكامل من الزجاج:

بلاط الملك الفرنسي المجنون.
بلاط الملك الفرنسي المجنون. صورة: Wikimedia Commons

جاء الانهيار الأول والأكثر حدة للملك في عام 1392م، وقد قاده هذا الغضب الشديد إلى محاولة قتل أحد أقرب أصدقائه، بالإضافة لتعرضه لأربعة فرسان، كما أنه هاجم شقيقه دوق (أورليانز)، وبعد ذلك لم يكن هو نفسه، ففي تلك الفترة لم يكافح الملك (تشارلز) لتذكر زوجته بل نسي اسمه أيضاً، وبطبيعة الحال بدأ يعتقد أنه مصنوع من الزجاج وقد أثر ذلك على حياته في النواحي المختلفة.

25. سرعان ما أصبح الملك الفرنسي معروفًا باسم (تشارلز المجنون) بسبب ذلك الوهم الغريب:

تشارلز المجنون.
صورة: Wikimedia Commons

لم يسمح الملك (تشارلز) السادس لأي شخص أن يلمسه ولا حتى زوجته، فكان يخشى بصدق أنه إذا تمت معاينته بأي طريقة فإنه يمكن أن يتحطم بالكامل، والحقيقة أنه نادراً ما غادر مكانه، وعندما كان يخرج كان يشعر بالرعب من الاصطدام في الباب أو الأثاث، ولذلك ولحماية نفسه كان الخياطون يعززون ملابسه بحشوة إضافية وحتى بقضبان فولاذية في بعض الأوقات، ولكن حتى هذا لم يُشعره بالأمان حيث كان الوهم الزجاجي قد استولى على حياة الرجل.

24. هل عانى الملك الفرنسي من الفصام؟ أو القلق الشديد؟

حرب المائة عام

توفي الملك (شارلز) عام 1422م ولم يتغلب على ذلك الوهم الذي تملّكه، وعلى الرغم من أن أخصائيي الرعاية الصحية المعاصرين يرتبكون عند تشخيص الحالات المرضية للشخصيات التاريخية، إلا أنه يُعتقد أن الملك (تشارلز) عانى من الفصام، في حين يعتقد بعض العلماء أن وهم (تشارلز) الزجاجي كان نتيجة القلق الشديد الذي جاء مع كونه الحاكم المطلق لفرنسا، ومهما كان السبب وراء ذلك فقد شعر (تشارلز السادس) على الأقل بالراحة في حقيقة أنه لم يكن الوحيد الذي يعتقد أنه مصنوع من الزجاج.

23. كان معظم الذين يعانون من الوهم الزجاجي من الذكور الأثرياء والأقوياء، في حين تظاهر آخرون بالإصابة به طلباً للشهرة:

أطباء من العصور الوسطى

وفقًا للمؤرخ (جيل سبيك)، وهو الخبير الأول في العالم بموضوع الوهم الزجاجي، بدأت حالات هذا الاضطراب النفسي تنتشر في جميع أنحاء أوروبا في القرن السادس عشر، والسؤال الأهم هل يعتقد الناس حقاً أنهم صنعوا من الزجاج؟ أم أنهم يريدون فقط إظهار أوجه التشابه مع الملوك؟ ولكن الواضح أن الرجال ومعظمهم من أفراد العائلة المالكة أو أفراد الطبقة الأرستقراطية هم الذين عانوا من هذا الوهم الغريب.

22. استخدم الأطباء في جميع أنحاء أوروبا معرفتهم في توثيق حالات الوهم الزجاجي:

أطباء الملوك في العصور الوسطى.
أطباء الملوك في العصور الوسطى.

في بداية القرن السادس عشر، أبدى اثنان من أطباء أوروبا الأوائل اهتماماً بالغاً بالوهم الزجاجي، كان (أندريه دو لورينس) الطبيب الشخصي (لهنري) الرابع ملك فرنسا، بينما خدم صديقه وزميله (ألفونسو بونس دي سانتا كروز) في قصر (فيليب الثاني) في إسبانيا، وبحثا معاً في أمر هذه الظاهرة واستمعا إلى الحالات المختلفة كما قارنا بينها، وأبرز ما سُجل هي حالة ملك لم يتم الكشف عن اسمه كان لديه درجة متقدمة من الوهم الزجاجي، وقد أصبحت قصته مادة الأسطورة النفسية.

21. قام أحد أفراد العائلة المالكة بحبس نفسه في زنزانة مبطنة لحماية جسده من التحطم:

عائلة ملكية

وفقاً لملاحظات الطبيبين كما يرويها (سبيك)، اتبع الملك مجهول الهوية مثال (تشارلز السادس) وحبس نفسه في غرفته كما فعل الملك الفرنسي، كان يخشى أن يتحطم إذا اصطدم بشيء أو بشخص ما، لذلك فضل عدم المجازفة بأي أمر قد يقود لذلك، حتى أن الرجل المسكين أمر العاملين في القصر بملء أماكنه الخاصة بالقش حتى يحميه إذا تعثر وسقط، ومع ذلك فإن طبيب الرجل المجهول كان لديه ما يكفي من الجهد وقرر اتخاذ إجراء صارماً لتحطيم الوهم الزجاجي عند مريضه.

20. اتبع الأطباء طرق عدة لعلاج الوهم الزجاجي، بما فيها إشعال النار في غرف المرضى:

المعالجون في العصور الوسطى

أمر طبيب الملك الحراس بإشعال النار، ثم قام بإغلاق الأبواب أمام الجناح الملكي الخاص، وخاطر بتهمة الخيانة أو حتى القتل إذا مات المريض في الحريق، لكن خطة الطبيب الذكي نجحت حيث بدأ الملك المذعور يطرق على الباب ليخرج من جناحه ويتجنب النيران، فسأله الطبيب حينها لو كنت بالفعل مصنوعاً من الزجاج، فلماذا لم تتحطم يدك وأنت تطرق على الباب؟

19. حاول الأطباء إقناع المرضى بسخف أوهامهم، واستخدموا عدة طرق بما في ذلك جلسات الضرب القاسية:

كان إلحاق الضرر بالأرداف من الإجراءات المتبعة لإقناع المريض بأنها ليست مصنوعة من الزجاج.

وفقًا لـ(إيلينا فابيتي)، وهي عالمة أخرى بحثت في الوهم الزجاجي، فقد تم كسر التعويذة بمجرد أن واجه الملك عبثية معتقداته، حيث تراجع الملك بسرعة عن اعتقاده غير المنطقي في صنعه من الزجاج بعد تجربة الحرق تلك، ويقال أنه صرخ: ”افتحوا الباب أنا أتوسل إليكم يا أصدقائي الأعزاء، لا أعتقد أنني مزهرية زجاجية ولكنني أتعس الرجال خاصة إذا سمحت لهذه النار بوضع حد لحياتي“.

18. رجل آخر من أقوى رجال فرنسا عانى من الوهم الزجاجي أيضاً:

الكاردينال ريشليو

لم تكن حالة الملوك المذكورين سابقاً هي الأخيرة مع هذا الاضطراب، فبعد عقود من معاناة (تشارلز السادس) من الوهم الزجاجي، تم تسجيل ذلك الاضطراب النفسي مرة أخرى في فرنسا، هذه المرة كان (نيكول دو بليسيس) ضحية هذا الوهم، والجدير بالذكر أنه لم يكن غنياً فحسب بل كان ذو نفوذ واسع، إضافة إلى صلة وثيقة مع الكاردينال (ريشيليو) الذي مثّل القوة وراء العرش الفرنسي، الأمر الذي منحه النفوذ والسلطة، وكان يجب أن يشعر بأنه غير قابل للتدمير، ولكن بدلاً من ذلك شعر بالهشاشة وبالتهديد بالتحطم إلى مليون قطعة.

17. ارتدى (نيكول دو بليسيس) ملابس مبطنة مثل العديد من المصابين لحماية أردافه ”الزجاجية“ من الأذى:

مقر إقامة نيكول دو بليسيس.
مقر إقامة نيكول دو بليسيس.

اعتقد نيكول (دو بليسيس) أنه مصنوع من الزجاج مثل الملك الفرنسي قبله، أو بشكل أكثر تحديداً كان يعتقد أن الأرداف كانت مصنوعة من الزجاج، ونتيجة لذلك كان يحمل وسادة ناعمة كبيرة حوله في كل مكان يذهب إليه، كما كان يحافظ على مسافة بينه وبين الآخرين، إضافة لارتدائه ملابس معدّلة كما حال باقي المصابين بالوهم الزجاجي. لا تزال قصة (نيكول دو بليسيس) غامضة، ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كان قد شفي من أوهامه أم أنه عاش ما تبقى من حياته معتقداً أنه مصنوع من الزجاج.

16. كانت الأرداف منطقة حساسة بشكل خاص لمن يعانون من الوهم الزجاجي، الأمر الذي جعل حياتهم اليومية مرهقة للغاية:

الملك تشارلز السادس

أغرب ما في الأمر كان القلق بشأن هشاشة الأرداف، فقد كان شائعاً جداً بين الذين يعانون من الوهم الزجاجي أمر الأرداف الزجاجية، وتشير الملاحظات الطبية التي يعود تاريخها إلى عام 1561م إلى رجل واحد، وهو أحد سكان ضاحية (سان جيرمان–باريس)، الذي كان مقتنعاً جداً أن مؤخرته كانت مصنوعة من الزجاج لدرجة أنه كان خائفاً من الجلوس على المرحاض، وفي النهاية قام الطبيب المعالج بضربه، وأثبت أن ردف الرجل مصنوع بالفعل من لحم بشري بدلاً من الزجاج.

15. ألهم جنون الوهم الزجاجي أفضل الفنانين والكتّاب في ذلك الوقت:

الأديب الإسباني (سيرفانتيس)

على الرغم من أن العدد الفعلي للمصابين به ربما كان قليلاً، إلا أن الوهم الزجاجي استحوذ على الخيال الشعبي في جميع أنحاء أوروبا، وبطبيعة الحال فقد ألهمت تلك الحالة العديد من الفنانين، بالإضافة إلى بعض من أفضل كتاب القارة، حيث صاغ (ميغيل دي سرفانتس)، المعروف باسم مؤلف (دون كيشوت)، رواية بعنوان The Glass Graduate، يروي العمل الإسباني الذي صدر في عام 1613م في ذروة ظاهرة الوهم الزجاجي قصة فلاح شاب يدعى (توماس) تم إحباط أحلامه في أن يصبح محامياً عندما أعطته عشيقته دواءً سيئاً.

14. ربما صاغ مؤلف كتاب (دون كيشوت) أكثر القصص الخيالية شهرة عن الوهم الزجاجي:

رواية سيرفانتيس حول رجل يعاني من وهم الزجاج
رواية سيرفانتيس حول رجل يعاني من وهم الزجاج

أصبح البطل في رواية (سرفانتس) مصاباً بالوهم الزجاجي بعد وقت قصير من تناوله ذلك الدواء، لم يفقد (توماس) حبيبته فحسب بل فقد حياته المهنية أيضاً، وتجنب الأحذية والملابس وكاد يتضور جوعاً حتى الموت خوفاً من الخروج من منزله، تنتهي الرواية عندما يصبح (توماس) من المشاهير قبل أن يستعيد عقله، هرباً من سمعة الرجل الزجاجي لإسبانيا، لينضم بعد ذلك إلى الجيش ويُقتل في ميدان المعركة.

13. استخدم الشعراء شعرهم لمحاولة فهم عبثية الوهم الزجاجي الذي كان يجتاح أوروبا:

كونستانتين هويجنس

لم يكن المؤلفون وحدهم من ألهمهم الوهم الزجاجي، فقد استخدم الشعراء تلك المصيبة كموضوع لقصائدهم، وأشهر مثال على ذلك هو الشاعر الهولندي (كونستانتين هيجنز) في عمله Costly Folly الذي صدر عام 1622م، حيث تعاني الشخصية الرئيسية من الوهم الزجاجي، والجدير بالذكر أن (هيجنز) وصف الأعراض بالتفصيل، حيث كتب عن رجل يخشى كل شيء يتحرك في جواره، يرتجف على السرير خائفاً من أن يتحطم رأسه.

12. أعطى الفيلسوف الشهير (رينيه ديكارت) رأيه في الوهم الزجاجي بجدية في تأملاته:

رينيه ديكارت

بالإضافة إلى الأنواع الإبداعية الملهمة في جميع أنحاء أوروبا، فقد زوّد الوهم الزجاجي فلاسفة القارة بالأفكار الجديدة للتأمل فيها بجدية، وكان من أبرز هؤلاء الفلاسفة (رينيه ديكارت)، فقد كان الفرنسي مفتوناً بفكرة الإدراك والواقع، فاستخدم الوهم الزجاجي في عمله بعنوان تأملات في الفلسفة الأولى، الذي صدر عام 1641م، وفعل ذلك لإظهار أننا نتصور العالم بطريقة مختلفة، كما طلب من القارئ أن ينظر في قضية رجل مجنون يعتقد نفسه حقاً أنه مصنوع من الزجاج، والسؤال: هل معرفته بالعالم خاطئة أو مختلفة تماماً عن معرفة الأغلبية؟

11. لفت الوهم الزجاجي أنظار العلماء أيضاً، وأثار الكثير من التساؤلات:

عالم الكيمياء الألماني (يوهان بيلشر)
عالم الكيمياء الألماني (يوهان بيلشر)

ربما ظهر الوهم الزجاجي بينما كانت أوروبا تتجه نحو عصر التنوير، لكن بعض رجال العلم أخذوا يبحثون فيه بدقة، وكان عالم الكيمياء الألماني (يوهان بيلشر) مفتوناً بشكل خاص بهذه الظاهرة، فقد ذهب في عمله Physica Subterranea عام 1669م إلى أبعد من ذلك، حيث ادّعى أنه وجد السر الذي يسمح بتحويل البشر إلى زجاج، أو بشكل أكثر دقة تفاخر (بيلشر) بمعرفة كيفية تحويل الجثث إلى أشياء زجاجية.

10. اعتقد العالم الألماني (يوهان بيلشر) أنه وجد طريقة لتحويل الجثث إلى أجسام زجاجية جميلة:

وثيقة من العصور الوسطى.
أمل (بيلشر) في العثور على طريقة لتحويل جثث الموتى إلى زجاج جميل.

قد يبدو تحويل الجثث إلى زجاج غريباً لكن لدى (بيلشر) أسبابه، فقد كان يعتقد أن دراسته يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للمجتمع، أي أنه يأمل أن يتم استخدام بحثه لتحويل الأجسام البشرية إلى أجسام زجاجية جميلة، فبهذه الطريقة يمكن للناس أن يحيطوا بأقاربهم المتوفين. بالطبع كان (بيلشر) مخطئاً في ادّعائه، ومع ذلك فقد كان محقاً في اعتقاده بأن السيليكون، وهو العنصر المستخدم في صنع الزجاج، يمكن العثور عليه في جسم الإنسان ولكن بكميات ضئيلة للغاية.

9. لم يكن الرجال الأثرياء الوحيدين الذين عانوا من الوهم الزجاجي، فقد أُصيبت أميرة شابة أيضاً بهذا المرض العقلي:

ألكسندرا أميرة بافاريا.
ألكسندرا أميرة بافاريا.

تضمنت الغالبية العظمى من حالات الوهم الزجاجي رجالاً أثرياء، لكنها لم تكن ظاهرة خاصة بالذكور بالكامل، حيث عانت النساء أيضاً من ذلك الوهم كما تُظهر حالة الأميرة (الكسندرا أمالي) من (بافاريا). ولدت الأميرة (ألكسندرا) في عام 1826م، وهي الإبنة الخامسة للملك (لودفيج الأول)، كانت الأميرة رائعة الجمال ومع ذلك ومنذ سن مبكرة كافحت مع المرض العقلي، وشكّلت في ذلك واحدة من أكثر الحالات المثيرة للاهتمام حول الوهم الزجاجي التي سُجلت على الإطلاق.

8. اعتقدت الأميرة (ألكسندرا) أن آلة ”بيانو“ زجاجية ستتحطم بداخلها إذا سقطت عن أي ارتفاع:

ألكسندرا أميرة بافاريا.

عندما بلغت العشرين من عمرها، أصبحت الأميرة (ألكسندرا) تؤمن بفكرة أنها ابتلعت بيانو كبير مصنوع بالكامل من الزجاج، وعلى الرغم من أن والدها الملك وأطبائه حاولوا إقناعها بخلاف ذلك، فقد كانت مقتنعة بأن هذا البيانو الزجاجي بقي داخلها وكانت مرعوبة من أن يتحطم في أي لحظة، انعزلت (ألكسندرا) عن العالم الخارجي لتبقى آمنة وكرّست حياتها لمساعيها الأدبية، وتوفيت عن عمر يناهز 49 عاماً ولم تتغلب أبداً على وهمها الزجاجي الغريب.

7. كان المؤلف الموسيقي العظيم (تشايكوفسكي) يعاني من الوهم الزجاجي، وهناك أدلة تثبت ذلك:

تشايكوفسكي

كان الملحن (بيتر إيليتش تشايكوفسكي) الشخصية البارزة الأخرى التي عانت –أو قيل أنها عانت من الوهم الزجاجي–، ووفقًا للعديد من الروايات التي تم المبالغة فيها بالتأكيد على مر السنين، كان الرجل الروسي مقتنعاً بأن جسده هش للغاية وربما يكون مصنوعاً من الزجاج، شعر (تشايكوفسكي) بالقلق من أن رأسه سوف يسقط إذا لم يمسك بذقنه، بالطبع جعل هذا الأمر أداء عرض أوركسترا أمراً صعباً للغاية، وقيل أنه كان عليه أن يعمل بجد للتغلب على مخاوفه العميقة والتقاط العصا أثناء العروض الموسيقية.

6. اختفى الوهم الزجاجي بعد أن بلغ ذروته في القرن السادس عشر تزامناً مع صعود العلم للدرجة الأكاديمية الحقيقية:

هيئة ممارسي الطب في عصر التنوير.

تعد الحالات الشهيرة للأميرة (الكسندرا) والملحن الروسي الأسطوري (تشايكوفسكي) آخر حالات الوهم الزجاجي، حيث فرغت كتب التاريخ من حالات الأشخاص الذين يعانون من هذا المرض، ووفقاً لبعض العلماء فقد تزامنت نهاية الوهم مع انتشار العلم حين لم يعد الزجاج مادة عجيبة ولم يكن الجسم البشري لغزاً كاملاً، وبذلك وضع التنوير حداً للعديد من المعتقدات الخرافية الغريبة التي آمنت بها شعوب أوروبا في ذلك الوقت.

5. جاء الوهم الإسمنتي بعد الوهم الزجاجي عندما اعتقد الناس أنهم صنعوا من مواد بناء جديدة ورائعة:

صناعة الإسمنت والطوب في الثورة الصناعية

ومن المثير للاهتمام أنّ الاعتقاد بأن الوهم الزجاجي كان ناتجاً عن الخوف من المجهول، حيث كان الزجاج في تلك الفترة اختراعاً جديداً ويُنظر إليه على أنه عجيب أو حتى سحري، ولم تنته تلك المعتقدات فظهر الوهم الإسمنتي في القرن التاسع عشر، فقد كان الإسمنت مادة جديدة وتستخدم في كل مكان للبناء، وقد سجل الأطباء في لندن وعبر أوروبا حالات للمرضى الذين يعتقدون أن أطرافهم مصنوعة من الإسمنت، ومرة أخرى اختفت هذه الخرافة سريعاً عندما لم يعد الإسمنت جديداً وغامضاً.

4. وجدت الأبحاث أن الوهم الزجاجي لم ينته في القرن التاسع عشر:

مستشفى للمجانين من القرن الماضي

وجدت الأبحاث التي أجريت في هولندا أنه على الرغم من أن هذه الصيحة قد انتهت، إلا أنه لا تزال هناك بعض حالات الوهم الزجاجي بعد فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، ووفقاً للبروفيسور (أدي لاميجين)، وهو المدير السابق لمستشفى Endegeest للأمراض النفسية في مدينة (ليدن) الهولندية، كان أسلافه يعالجون الناس بسبب تلك الحالة حتى القرن العشرين، وكانت أبرز الحالات إثارة للاهتمام حالة يرجع تاريخها إلى ثلاثينيات القرن العشرين، أي بعد قرن كامل من الاعتراف على نطاق واسع باختفاء الوهم الزجاجي إلى الأبد.

3. حدثت حالة واحدة من الوهم الزجاجي في هولندا في ثلاثينيات القرن الماضي:

مستشفى للمجانين من القرن الماضي.
مستشفى للأمراض العقلية من القرن الماضي.

عولجت امرأة في مدينة (ليدن) بعد أن أخبرت الطبيب أنها شعرت أن ساقيها مصنوعتان من الزجاج وفقًا لملاحظات تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، كما اعتقدت أيضا أن ظهرها مصنوع من الزجاج، وقد كرهت أن يلمسها أحد وأصبحت معزولة بشكل كبير، لكن على الأقل هذه الحالة لها نهاية سعيدة، حيث وجدت أبحاث البروفيسور (لاميجين) أنها شُفيت تماماً، ومن الواضح أن العلاج النفسي في هولندا في ثلاثينيات القرن الماضي كان أفضل بالتأكيد مما كان عليه في القرن السادس عشر.

2. تم العثور على تقارير عن الأشخاص الذين يعانون من الوهم الزجاجي في وقت قريب من بداية ستينيات القرن الماضي:

ألكسندرا أميرة بافاريا

يرجع تاريخ آخر حالة مسجلة للوهم الزجاجي إلى عام 1964م، وتم الكشف عنها من قبل (لاميجين)، وقد كان هو الذي عالج المريض شخصياً، حيث أظهر شاب العلامات الكلاسيكية للمعاناة من الوهم الزجاجي الكامل، والغريب أنه لم يشعر بالضعف فحسب بل شعر بالشفافية أيضاً، وكشف (لاميجين) خلال حواره مع قناة الـBBC أنه بمساعدة نفسية دقيقة تمكن من تحقيق الشفاء التام.

1. هل يمكن أن يعود الوهم الزجاجي للظهور؟

من الميثولوجيا الإسكندنافية.
من الميثولوجيا الإسكندنافية.

على الرغم من كونه أحد الأحداث الغريبة في التاريخ الأوروبي خلال القرن السادس عشر، لكنه تم إجراء القليل من الأبحاث نسبياً حول سبب الوهم الزجاجي، وتم طرح العديد من التساؤلات مثل: هل كان الوهم الزجاجي خرافة بسيطة؟ هل كان أفراد العائلة المالكة وغيرهم من الرجال الأقوياء يخافون من ارتفاع مدّ التمرد؟ أم كانوا خائفين من الزجاج الذي كان اختراعاً عجيباً في ذلك الوقت؟ ومع ذلك ووفقاً لبعض الأطباء النفسيين يمكن للعالم الحديث أن يشهد ظهور وتفشي وهم مماثل، وكما أشار مقال واحد في عام 2015 في مجلة (باريس ريفيو): ”إن للوهم الزجاجي صدى معاصر قوي في مجتمع يكون فيه القلق من الهشاشة والشفافية والمساحة الشخصية وثيقة الصلة لدى العديد من الناس حيال حياتهم في العالم الحديث“.