معلومات عامة

العلم يفك لغز سفينة (الهولندي الطائر) التي طالما حيّرت العقول

سفينة الرجل الهولندي الطائرة الشبح كما تخيلها أحد الفنانين

يعود تاريخ أسطورة سفينة (الرجل الهولندي الطائر) The Dutchman إلى أوائل القرن الثامن عشر عندما كان البحارة يتداولون شهادات بأنهم يرون سفينة ”شبحا“ تنبئ رؤيتها بحدوث المصائب أو الكوارث أو الهلاك المحتوم مباشرة، واستمرت التقارير عن سفينة شبح تنتشر هنا وهناك بين البحارة حول العالم لمدة 250 سنة كاملة على الرغم من عدم وجود أي دليل قاطع على وجودها في المقام الأول.

تعود أول تقارير مكتوبة عن رؤية سفينة (الهولندي الطائر) إلى أوائل القرن الثامن عشر بالقرب من منطقة رأس الرجاء الصالح، وكانت السفن آنذاك تستخدم هذا المسار حول رأس الرجاء الأخضر في جنوب أفريقيا في رحلاتها من أوروبا إلى قارة آسيا ذلك أنه لم توجد آنذاك قناة السويس بعد، وخلال هذه الرحلات الكثيرة، ذهبت سفينة واحدة دون رجعة.

شدّ القبطان (هندريك فان دير ديكن) أو كما اشتهر بلقب (الرجل الهولندي) الرّحال من ميناء (أمستردام) متجها نحو الهند الشرقية، وهناك شحن سفينته بالتوابل والحرير والدهان ليعيد بيعها في هولندا، وبعد إجراء بعض التصليحات على بدن السفينة في الهند الشرقية، انطلق مجددا عائدا نحو (أمستردام) في سنة 1641.

عندما طافت سفينته حول رأس الرجاء الأخضر، بدرت عاصفة بحرية هوجاء في الأفق، وكان جليا أن مسارها سيتقاطع مع مسار السفينة لا محالة، فتوسل أعضاء الطاقم للقبطان (فان دير ديكن) أن يغير مسار الرحلة أو أن يعكسه تماما لتجنب العاصفة المدمرة لكنه أصر على التقدم دون نقاش، ويعتقد البعض أنه كان شخصا مجنونا، بينما يرمي البعض إلى أنه كان ثملا للغاية ولم يكن قادرا على اتخاذ قرار سليم.

بينما رفض تجنب مسار العاصفة، تحطمت سفينته وغرق هو وما عليها في قاع المياه الإقليمية الجنوب أفريقية، ومن هنا انبثقت قصة سفينة (الهولندي الطائر) واللعنة التي تلاحق كل من يلمحها.

تخبر الكتابات والمؤلفات الأدبية التي أُلفت حوالي سنتي 1790 و1795 عن قصة سفينة شبح تظهر للبحارة عندما يكون الطقس سيئا وعاصفا، غير أنه لم يكن حتى سنة 1843 وفي إحدى عروض الأوبرا حيث أصبحت قصة سفينة (الهولندي الطائر) أسطورة حقيقية وخالدة، حيث ورد في ذلك العرض المسرحي من إبداع المؤلف (ريتشارد واغنر) أن سفينة (الهولندي الطائر) الملعونة محكوم عليها أبديا بأن تطير فوق البحار خلال العواصف البحرية، ومنه أصبح الكثيرون آنذاك يؤمنون بأن شبح القبطان (فان دير ديكن) وسفينته وطاقمه يجوبون البحار.

لوحة سفينة (الرجل الهولندي) الطائرة من إبداع (ألبرت بينكام رايدر)، المعلقة الآن على أحد جدران متحف الـ(سميثسونيان).

لوحة سفينة (الهولندي الطائر) من إبداع (ألبرت بينكام رايدر)، المعلقة الآن على أحد جدران متحف الـ(سميثسونيان).

تخبر قصة أصلية أخرى أن القبطان (بيرنارد فوك) أو كما كان يلقب بـ(فالكنبرغ) الذي كان يقود إحدى السفن التابعة لشركة الهند الشرقية الهولندية، كان قادرا على الإبحار من (أمستردام) وصولا إلى (إندونيسيا) في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر فقط، وهي مدة قصيرة جدا بالنظر إلى المعايير السائدة آنذاك وبالنظر إلى مسار الرحلة الطويل، مما أدى بالكثير من البحارة إلى الاعتقاد بأنه قايض روحه مقابل تمكينه من الإبحار بسرعة هائلة في لعبة لعبها مع الشيطان، ولم يتوانى الكثيرون من ربطها بموضوع سفينة (الهولندي الطائر) وعمد بعضهم إلى أنه هو الشيطان الذي منح (فالكنبرغ) القدرة على الإبحار بسرعة فائقة.

غير أن الأسطورة لم تتوقف هنا، حيث أن أكثر رواية عن السفينة الشبح الطائرة كان مصدرها الأمير (جورج) الذي سيصبح فيما بعد الملك (جورج الخامس) ملك إنجلترا، ففي الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1881، كان هو وشقيقه الأمير (ألبرت فيكتور) مبحرين بالقرب من أستراليا كجزء من رحلة إبحار دامت ثلاثة سنوات على متن سفينة الـ(آيتش إم آس باشانت) البريطانية. وهناك رأى طاقم الـ(باشانت) سفينة (الهولندي الطائر) عندما برزت لهم في ضوء أحمر متوهج حوالي الساعة الرابعة فجرا، وعندما اقتربت السفينة التي كانوا على متنها من النقطة التي رأوا فيها السفينة الشبح لم يعثروا على شيء ولا حتى على أثر عليها، وبعد رؤيتها مباشرة بلحظات، سقط عضو الطاقم الذي رآها الأول من على قمة الصاري الرئيسي ولقي حتفه على الفور، ولم يقم هذا إلا بإضفاء نوع من المصداقية على أسطورة اللعنة التي تلاحق كل من يلمحها بين البحارة.

في سنة 1939، ادعى سكان مدينة (كايب تاون) في جنوب إفريقيا أنهم رأوا سفينة مبحرة بشكل كامل قبل أن تختفي عن أنظارهم في لمح البصر، وخلال الحرب العالمية الثانية، وردت تقارير عن طاقم إحدى الغواصات الألمانية عن رؤيتهم سفينة شبحا مبحرة في قناة السويس، وكان الكاتب البريطاني (نيكولاس مونسارات) قد أخبر كذلك أنه لمح أمرا في عرض البحر أقرب لما يكون سفينة (الهولندي الطائر) خلال فترة خدمته في البحرية الملكية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.

كان لابد أن يكون لكل هذه القصص والتقارير تفسير علمي محتمل، وهو ما يعرفه العلماء على أنه ظاهرة ضوئية فيزيائية تعرف باسم الـ(فاتا مورغانا) أو ”الآل“، وهي نوع من السراب الذي يحدث عندما تنكسر أشعة الضوء وتلتوي لدى مرورها عبر طبقات من الهواء متفاوتة الحرارة.

ظاهرة ضوئية فيزيائية تعرف باسم الـ(فاتا مورغانا) أو ”الآل“

يعتبر سطح المحيط أفضل مكان لتحدث فيه هذه الظاهرة، التي قد تجعل الناظر لدى حدوثها يرى سرابا أو طيفا في حدود الأفق، كما بالإمكان حدوث هذه الظاهرة فوق سطح الإسفلت الحار جدا خلال فصول الصيف، خاصة في المناطق الصحراوية عندما ترتفع الحرارة من السطح، وخلال هذه الظاهرة تتشكل العديد من الأشكال الغريبة بسبب حركة انكسار والتواء الضوء.

وفيما يتعلق بسفينة (الهولندي الطائر)، فتظهر ظاهرة الـ(فاتا مورغانا) صورا عن سفن حقيقية غير أنها تكون خلف نقطة الأفق، وذلك لكون أشعة الضوء تنحي فوق انحناءة الكوكب بالشكل المناسب، وبمجرد أن يصل البحارة إلى النقطة حيث رأوا السفينة يجدون أنها اختفت.

سفينة شحن حديثة ”طائرة“

تتسبب حركات الضوء هذه في العبث بعقول البعض أحيانا، وفي هذه الحالة بعقول البحارة الذين كانوا يعتقدون أنهم رأوا سفينة شبحا، كما أن رؤية هذه السفينة الشبح تتسبب في حصول الحوادث والكوارث أحيانا لا يتعدى مجرد كونه مصادفة غريبة ليس إلا، التي يمكن كذلك ربطها بعامل السببية، وبكلمات أخرى: يلقى البحارة حتفهم على إثر حوادث يتعرضون لها عندما يصيبهم الذهول أو الحماس نتيجة اعتقادهم برؤية السفينة الشبح مما يتسبب لديهم في فقدان التركيز.

لكن لو كان جميع البحارة آنذاك على علم بهذا التفسير العلمي لما حصلت لهم تلك الحوادث المميتة في المقام الأول، لكنهم لو فعلوا في نفس الوقت، لما ولدت لدينا أسطورة ملحمية ألهمت الكثير من الأعمال الأدبية والفنية، ولما وجد صناع سلسلة (قراصنة الكاريبي) حبكة جميلة يضيفونها على قصص أفلامهم الشهيرة.

عدد القراءات: 3٬533