in

دخلك بتعرف القصة وراء فكّ آل هابسبورغ المميز

فكّ آل هابسبورغ المميز

إن شجرة عائلة (هابسبورغ)، وهي عائلة حاكمة ألمانية نمساوية امتد حكمها من البرتغال إلى ترانسيلفانيا، شجرة متشابكة، ومثل العديد من العائلات الملكية انتهج أفراد عائلة (هابسبورغ) سياسة الزيجات الاستراتيجية لتعزيز قوتهم، وكان هذا الزواج غالباً مع المقربين جداً منهم، وبينما كانت السلالة الحاكمة ساطعة وكانت قصورها رائعة، إلا أنّ العائلة المالكة نفسها واجهت صعوبات عديدة، فجيل بعد جيل كان ملوك (هابسبورغ) يولدون بفكّ سفلي شديد البروز، وشفاه سفلية منتفخة، وأنوف طويلة، وهذا الفك المميز هو تحليل جديد نُشر في مجلة  Annals of Human Biology، حيث وجد الباحثون أن هذه الحالة نتجت غالباً من زواج الأقارب.

ركز الباحثون بقيادة عالم الوراثة (رومان فيلاس) من جامعة (سانتياغو دي كومبوستيلا) الإسبانية، على 15 من أفراد عائلة (هابسبورغ) الإسبانية، وبالعودة لتاريخها، فقد تولت العائلة السلطة في وسط أوروبا، وأصبح أفرادها حكاماً للنمسا وألمانيا وفي النهاية الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

لوحة بريشة (خوان كارينو دي ميراندا) لـ(تشارلز) الثاني وهو آخر ملوك (هابسبورغ) الإسبان، ووالده (فيليب) الرابع رسمه (دييغو فيلاسكيز)، والواضح أنه كان لدى الرجلان فكان بارزان، وتخلص دراسة جديدة إلى أنه على الأرجح نتيجة زواج الأقارب.
لوحة بريشة (خوان كارينو دي ميراندا) لـ(تشارلز) الثاني وهو آخر ملوك (هابسبورغ) الإسبان، ووالده (فيليب) الرابع رسمه (دييغو فيلاسكيز)، والواضح أنه كان لدى الرجلان فكان بارزان، وتخلص دراسة جديدة إلى أنه على الأرجح نتيجة زواج الأقارب.

امتد نفوذ الأسرة غرباً إلى إسبانيا بعد (فيليب) الأول، وهو نجل الإمبراطور الروماني المقدس الثاني لـ(هابسبورغ) وزوج (خوانا الأولى) في عام 1496م، واستمر حكم عائلة (هابسبورغ) الإسبانية قرنين من الزمن، وانتهى عندما توفي (تشارلز) الثاني عن عمر ناهز 38 عاماً سنة 1700م، الذي لم ينجب أبناء بسبب إصابته بالعقم.

قام (فيلاس) وزملاؤه بدراسة عائلة (هابسبورغ) الإسبانية، بعد أن وثق العديد من الفنانين مثل (دييجو فيلازكويز) أفرادها في صور واقعية، وذلك بالاستعانة بشجرة عائلة واسعة تمتد لأجيال تزيد عن 20 عاماً، ووجد العلماء أن متوسط ​​معامل زواج الأقارب في عائلة (هابسبورغ) التي قاموا بتحليلها هو 093، وهذا يعني أن ما يقارب 9% من الجينات المتقابلة لملك معين (أم واحدة ، أب واحد) كانت متطابقة لأنها جاءت من نفس الجد.

طلب الباحثون من جراحي الفم والفك النظر في الصور وتحديد عدد ملامح الوجه غير الطبيعية لبروز الفك السفلي ونقص الفك العلوي لكل فرد من عائلة (هابسبروغ) المشمولين في الدراسة، وتبينت زيادة درجات حدوث تشوهات قوية لديهم.

وجد فريق (فيلاس) أن أفراد عائلة (هابسبورغ) الذين اشتهروا ببروز الفك السفلي كان لديهم معدل عالي من زواج الأقارب، وفي الواقع شكلت الاختلافات في معدل زواج الأقارب التي وصلت إلى 22% عاملاً في تباين شدة بروز الفك السفلي لدى أفراد (هابسبورغ) المشمولين في هذه الدراسة.

كان لكل من (فيليب) الرابع و(تشارلز) الأول و(تشارلز) الثاني حوالي خمس من الميزات السبعة لرواية بروز الفك السفلي، وذلك أكثر من أي من أقاربهم الآخرين المشمولين في الدراسة، وقد كتب الدبلوماسي الإيطالي (أنطونيو دي بيتيس) في عام1518م: ”كان لـ(تشارلز) الأول، المعروف أيضاً باسم الإمبراطور الروماني المقدس، وجه طويل وفم غير متكافئ“، وعلى الرغم من أنه كان لديه معامل زواج أقارب منخفض نسبياً قدره 0.038، إلا أن التأثير الجيني لزواج الأقارب زاد مع الأجيال اللاحقة.

كان لدى (تشارلز) الثاني، المعروف بالساحر، لسان كبير كما كان مصاباً بالصرع وغيره من الأمراض، وتبين أن معامل زواج الأقارب عنده كان 0.25، تشير تلك القيمة العالية إلى أن والديه كانا عمًّا وابنة أخ.

صورة (لتشارلز) الأول ملك إسبانيا المعروف أيضاً باسم الإمبراطور الروماني المقدس (تشارلز) الخامس.
صورة (لتشارلز) الأول ملك إسبانيا المعروف أيضاً باسم الإمبراطور الروماني المقدس (تشارلز) الخامس.

وصف المبعوث البريطاني (ألكساندر ستانهوب) ملامح الملك في رسالة إلى دوق (شروزبري)، وذلك قبل أربع سنوات من وفاة (تشارلز)، بقوله: ”لديه معدة مفترسة فهو يبتلع كل ما يأكله بالكامل، وذلك لأن فكه السفلي بارز كثيراً لدرجة أن أسنانه لا تلتقي“.

وبناءً على هذا الارتباط بين زواج الأقارب ومعدل الفك البارز، وجد فريق (فيلاس) أن فكّ (هابسبورغ) كان بسبب جين متنحي، وتبين أن هذه الجينات المتنحية لا تظهر إلا كنمط ظاهري ملحوظ عندما تكون نسختا الفرد من الجين متماثلتين، وبالتالي فإن الجينات المكررة المنقولة خلال زواج الأقارب تجعل سمة التنحي احتمالية وتظهر بشكل إحصائي.

يتناقض هذا الاكتشاف مع الاعتقاد السابق بأن الجين المهيمن قد أثر على المظهر المميز (لهابسبورغ)، ومع ذلك فإن العلماء يعترفون بأنهم لا يمكنهم تجاهل فرضية بديلة تماماً، وهي أن التراكم العشوائي للتغيرات الوراثية وليس زواج الأقارب، أدى إلى زيادة معدل حدوث ظاهرة فك (هابسبورغ)، وذلك على الرغم من أنهم يرون تلك الفرضية غير مرجحة.

لم تكن ملامح وجوه آل (هابسبورغ) المظلمة هي الأثر الجانبي السلبي الوحيد لزواج الأقارب، فقد وجد علماء الوراثة في جامعة (سانتياغو دي كومبوستيلا) سابقاً أن زواج الأقارب قلّص فرص نسل (هابسبورغ) بنسبة 18%، وقد نسبوا انقراض الأسرة الحاكمة إلى اثنين من الاضطرابات النادرة المتنحية، والتي ربما تكون نتيجة لتزاوج الأقارب.

في حين أن زواج الأقارب ساعد عائلة (هابسبورغ) على الوصول إلى السلطة، إلا أن شجرة العائلة الناتجة عن ذلك الزواج أدت في النهاية إلى سقوطها من العرش وانتهاء حكمها.