معلومات عامة

كيف تحول أتباع مذهب (راجنيش) الذين يدعون للحب والسلام إلى منظمة إجرامية خطيرة

أتباع مذهب راجنيش يرحبون بأعضاء جدد

في سنة 1981، غزت مجموعة كبيرة العدد من الدخلاء الأجانب بلدة صغيرة تقع في ولاية (أوريغون) الأمريكية، وكان أفراد هذه المجموعة جميعهم يرتدون ملابس حمراء ويدعون للحب والسلام، ومن لا شيء، بنى هؤلاء تقريبا كل شيء، فأنشأوا بلدتهم الخاصة بهم في قلب الصحراء، بلدة ستجد نفسها فيما بعد في قلب عاصفة من العنف، بعد أن ينفّذ أتباع الهندي (باجوان شري راجنيش) المخلصين أكبر هجوم إرهابي بيولوجي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

قبل سنوات عديدة من تدفق أفراد هذه المجموعة الشعائرية إلى البلدة الصغيرة، تعرض مرشدهم الروحي (باجوان شري راجناش) لمحاولة اغتيال عندما كان في الهند، حيث استهدفه أحدهم بضربة خنجر نجا منها بأعجوبة، وكان في أثناء ذلك يلقي المحاضرات على أتباعه هناك، غير أنه بعد هذه الحادثة عرف أن الوقت قد حان لمغادرة الهند.

حصة تأمل راجنيشية

حصة تأمل راجنيشية

كان (باجوان) يدعو لمذهبه الروحي هذا ويغذي حركته التي تألفت أركانها من نسخته الخاصة عن ”الرأسمالية، والتأمل، وإطلاق النكت والدعابات، والانفتاح الجنسي“، داخل مبنى يطلق عليه اسم الـ(أشرام) الذي لم يعد بعد تلك الحادثة ملاذا آمنا بالنسبة للـ”راجنيشيين“ الذين بلغ عددهم ثلاثون ألفا.

لذا استشار (باجوان) مستشارته الأكثر ثقة وهي (شيلا برينستيل) التي كانت مخلصة له أشد إخلاص وكانت تعرف بلقب (ما أناندا شيلا)، وطلب منها أن تعثر له على مكان حيث يكون بمقدوره مواصلة الدعوة إلى مذهبه بعيدا عن أحكام الآخرين، وحيث يصبح باستطاعة أتباعه العيش بسلام وتناغم. فباختصار، طلب منها أن تجد له مكانا مثاليا يبني فيه الـ”يوتوبيا“ خاصته بمعاييره الخاصة.

بدأت (شيلا) تبحث عن هذا المكان المنشود برفقة زوجها (مارك سيلفرمان)، وأخيرا عثرت على مكان مساحته 258 كيلومترا مربعا، الذي كان عبارة عن أرض صحراوية في الشمال الغربي للولايات المتحدة.

وباتحداهم ماليا ومعنويا، حزم الراجنيشيون أمتعتهم وارتحلوا إلى نصف العالم الآخر ليصلوا إلى ”مزرعتهم السعيدة“، التي أطلقوا عليها اسم (راجنيش بورام)، في قلب بلدة (أنتيلوب) في ولاية (أوريغون).

لحظة وصول (باجوان راجنيش) إلى (أوريغون).

لحظة وصول (باجوان راجنيش) إلى (أوريغون).

بالنسبة لمعظم أتباع الراجنيشية، كانت تلك أول مرة تطأ فيها أقدامهم الولايات المتحدة، ولم يكن نصفهم يعلم أين تقع (أوريغون) حتى، ناهيك عن علمهم ببلدة صغيرة تدعى (أنتيلوب) التي كانت تقع داخلها.

لكن (شيلا) علمت أن تلك النقطة بالذات كانت أفضل مكان لتشييد مدينة ”سيّدها“ ومرشدها الفاضلة، سواء كانت معزولة أم قاحلة أم لا، فقالت خلال حوار لها مع قناة (نيتفليكس) لفائدة وثائقي حمل عنوان (وايلد وايلد كونتري) أو (البلد المتوحش): ”لقد كان واضحا للغاية أننا وصلنا لأرضنا الموعودة“، وأضافت: ”لقد كانت تلك الأرض بمثابة الـ”شانغري لا“ [وهي مدينة خيالية في الفردوس] التي طالما حلم بها الجميع“.

عندما وصل أتباع الراجنيشية، كانت أرضهم الموعودة تلك عبارة عن صحراء جرداء ومسطحة، وقبل أن يدب الإحباط في قلوبهم، طافت (شيلا) على الراجنيشيين تحثهم وتتوسلهم على التشبث ببعضهم البعض ومساندة بعضهم ومنح حلمهم ذلك فرصة حقيقية، ومع بعضهم نجح الراجنيشيون في إنشاء المدينة الفاضلة التي توقعها مرشدهم (باجوان راجنيش)، فقد كانت (شيلا) ترغب في أن يجد كل شيء مثاليا لدى وصوله أخيرا بعد أسابيع قليلة.

صورة ملتقطة من الجو تبرز مجتمع (راجنيش بورام) في بلدة (أنتيلوب)

صورة ملتقطة من الجو تبرز مجتمع (راجنيش بورام) في بلدة (أنتيلوب).

بنى الراجنيشيون في نهاية المطاف مدينتهم الفاضلة بدءا من الصفر: فأنشأوا مصادر الطاقة، ثم المجارير وقنوات المياه، ثم الطرقات، ثم بنوا مركزا تجاريا، ومطارا، وسلسلة مطاعم، وبناية لممارسة التأمل تتسع لعشرة آلاف شخص. كما كانوا قد وضعوا رقم التعريف البريدي الخاص ببلدتهم الصغيرة، وتلى ذلك تشييد مزرعة مستدامة تستمد طاقتها من نظام يعتمد على الطاقة الشمسية، ثم زودوها بنظام سقي، حتى أنهم بنوا سدودا صغيرة، ونجحوا في تحويل تلك الصحراء القاحلة إلى أرض خضراء، مما أعاد الحياة البرية للمنطقة وثروتها الحيوانية أيضا.

ومنه بنوا الـ(شانغري لا) خاصتهم من الأرض الصحراوية القاحلة التي وجدوها عليها لأول مرة، وقالت (شيلا) في ذلك الصدد: ”كان يجب أن نُمنح جائزة نوبل للسلام“.

(ما أناندا شيلا) الذراع الأيمن لـ(راجنيش).

(ما أناندا شيلا) الذراع الأيمن لـ(راجنيش).

أسفرت تحريات معمقة أجريت بعد سنوات من اضمحلال المذهب الراجنيشي أنه كان واضحا وجليا أنه على الرغم من كون الراجنيشيين يتبعون (باجوان راجنيش) غير أن العقل المدبر الحقيقي لجميع أعمال المجموعة كان (ما أناندا شيلا).

أظهرت تقارير لاحقة أن (راجنيش) كان مهووسا بحياة البذخ والترف وكل ما هو باهض وفاخر، فقد أصبح مالكا لأكبر مجموعة سيارات (رولس رويس) في العالم، وكان يرتدي حليا ومجوهرات تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، وكان يأخذ من أموال التبرعات التي يتبرع بها أتباعه لمصلحة المجموعة ثم ينفقها على نفسه وأموره الشخصية. غير أن (شيلا) في الجهة المقابلة لم تكن تكترث لحياة البذخ، بل كانت تمتاز بشخصية متعطشة للسلطة، فقد كرست نفسها لهدف وحيد وهو بناء مدينتها الفاضلة، الـ(شانغري لا)، مدينتها الخاصة في قلب الصحراء، حيث كانت تؤمن بـ(راجنيش) لكنها كانت تؤمن بنفسها في نفس الوقت بأنها القائدة الفعلية للمجموعة.

راجنيش

كان (راجنيش) مهووسا بحياة البذخ والترف وكل ما هو باهض وفاخر

أصبح سكان المنطقة المحليين يشعرون بقلق كبير تجاه نشاط المجموعة التي كانت تحضّر لوصول مرشدها وقائدها الروحي، وكانت (شيلا) تدفعهم وتحثهم للتحضير لكل تفصيل صغير حتى يكون كل شيء ممتازا ومثاليا لدى لحظة وصول المرشد الروحي، قال أحد السكان المحليين: ”إنهم يغزوننا حرفيا، ربما ليس بالأسلحة لكن بالأموال الكثيرة، والجنس ’غير الأخلاقي‘.“

كانت (أنتيلوب) عبارة عن مجتمع صغير يتكون من حوالي أربعين شخصا فقط، الذين كان معظمهم صيادين ومزارعين وكانوا يعيشون في تلك البلدة طوال حياتهم، وكانوا يتمتعون بذهنية محافظة، وهو أمر طبيعي نظرا للعزلة التي كانوا يعيشون فيها، حيث لم يكونوا معتادين على الدخلاء والأجانب. لم يكونوا معتادين بشكل خاص على 7000 آلاف شخص أجنبي ودخيل يجوبون بلدتهم مرتدين ثيابا حمراء ويشغلون الموسيقى الصاخبة ويدعون للحب الحر والانفتاح الجنسي والعلاقات المتفتحة، وبعد مدة من الزمن تحول سلوكهم الترحيبي بهؤلاء الدخلاء إلى نظرة رافضة وعلاقة مضطربة.

راجنيشيون يمارسون التمارين الصباحية في (أنتيلوب).

راجنيشيون يمارسون التمارين الصباحية في (أنتيلوب).

أعلنت مجلة صيد محلية ”افتتاح موسم الصيد“ على الراجنيشيين، وبدأ المحليون يشيرون إليهم على أنهم الهوام الأحمر، أو الجرذان الحمراء، ومما زاد الوضع سوءا والعلاقة توترا بين المحليين والراجنيشيين هو أن هؤلاء الأخيرين أصبحوا يقومون بدوريات حول محيط مجتمعهم الصغير مسلحين برشاشات ثقيلة وعربات مدرعة، أدى ذلك إلى تنامي الكره المتبادل بين الراجنيشيين والسكان المحليين لبلدة (أنتيلوب)، وفي نهاية المطاف، تفوقت سلطة الراجنيشيين على المحليين وعلى سكان بعض البلدات الصغيرة المجاورة، فعمدوا بعدها إلى تغيير تسمية بلدة (أنتيلوب) إلى إلى (راجنيش).

عندما أفصحت (شيلا) عن خطط الراجنيشيين في بناء مدينة على قمة جبل في سنة 1984، تدخلت هيئة الولاية ومنعتها من الحصول على الترخيص بالمضي قدما في خططها، وفي ردها على ذلك أدلت (شيلا) بتصريحات تعبر فيها عن خططها في إيصال الراجنيشيين إلى الهيئة التشريعية للولاية، فقامت بجمع بضعة آلاف مشردين من المناطق المجاورة من أجل أن يصوتوا لفائدة ممثلها الذي اختارته.

حصة تأمل راجنيشية

حصة تأمل راجنيشية

غير أن خططها تلك أيضا فشلت بعد أن منعت هيئة الولاية المشردين من الاقتراع، لكن هذا لم يزد (شيلا) سوى تعصبا، بما أن شعبها لم يكن بمقدوره التصويت، قررت (شيلا) أن تحرص على أن لا يستطيع أي كان فعل ذلك!

مع اقتراب موعد الاقتراع، جذبت (شيلا) مجموعة صغيرة من المخلصين إليها وأفضت إليهم بخططها الجهنمية، ثم حولت إحدى البنايات التي يتألف منها مركب الراجنيشيين إلى مختبر بيولوجي، وهناك ابتكرت هي وفريقها مادة سامة للغاية أطلقوا عليها اسم (سالسا) Salsa –وهي عبارة عن مادة بنية اللون وسائلة تشبه الوحل وتحتوي على نسب كبيرة وسامة من بكتيريا السالمونيلا– وخلال عدة أسابيع عمل أفراد هذه المجموعة على تسميم عشرة مطاعم محلية بواسطة مادة ”السالسا“ التي ابتكروها، كما كانوا يرشونها في الحانات، وطاولات المطاعم، والخضر والفواكه في المحلات، كما قاموا حتى بتلويث خزانات المياه بها.

أفراد من مجتمع الراجنيشيين يرحبون بأعضاء جدد في مجموعتهم.

أفراد من مجتمع الراجنيشيين يرحبون بأعضاء جدد في مجموعتهم.

كانت نتيجة أعمال التلويث والتسميم تلك وباء انتشر في كامل أنحاء الولاية، والذي يعتبر اليوم أكبر هجوم إرهابي بسلاح بيولوجي عرفته الولايات المتحدة، حيث سقط حوالي 700 شخص فريسة للمرض ونقلوا إلى المستشفيات على جناح السرعة، وعلى الرغم من أنه لم يهلك أي أحد، غير أن العواقب كانت لتكون أسوأ من ذلك بكثير، حيث أنه عندما داهم المحققون لاحقا المركب الراجنيشي، عثروا على مكونات إنشاء ”حمى التيفوئيد“، ومنه لو تركوا يمضون في خططهم، لكانت عواقب ذلك وخيمة جدا، وأعدادا الضحايا لا تعد ولا تحصى.

تم إرجاع انتشار بكتيريا السالمونيلا في بادئ الأمر إلى عدم احترام عمال المطاعم لمعايير النظافة، غير أن العديد من الحكوميين وأعضاء الهيئة التشريعية في الولاية تطورت لديهم شكوك كبيرة حول (شيلا) وقوميتها الشديدة وولاؤها المنقطع النظير تجاه مجموعتها التي كانت تعتبرها ”شعبها“، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا يملكون أي دليل في بادئ الأمر، غير أنهم اشتبهوا في تورطها في ما أصبح يعرف الآن بعمل إرهابي بسلاح بيولوجي.

وكردٍّ منهم على هذه النشاطات الإرهابية، صوت معظم سكان الولاية في تلك الانتخابات ضد مجتمع الراجنيشيين، وعقدوا العزم على أن يطردوهم من حيث أتوا، وجاءت المفاجأة خلال فترة أقل من سنة بعد ذلك عندما تبرأ (باجوان راجنيش) نفسه من مجتمع الراجنيشيين، وفر هاربا من الولايات المتحدة تبعا لذلك.

واحد من المطاعم الذي لوثته (شيلا) وأتباعها الراجنيشيون بواسطة محلول الـ"سالسا" خاصتهم.

واحد من المطاعم الذي سممته (شيلا) وأتباعها الراجنيشيون بواسطة محلول الـ”سالسا“ خاصتهم.

في سنة 1985، وبعد اعترافه بدخوله الولايات المتحدة الأمريكية دون تأشيرة سفر، غادر (باجوان راجنيش) مجتمعه والولايات المتحدة الأمريكية معا، وأطلق على أتباعه لقب ”عصابة من الفاشيين“، وألقى اللوم بشكل علني على (شيلا) في قضية الأعمال الإرهابية التي اقترفتها المجموعة. لم يكن حتى تلك الأحداث حيث أجرت الحكومة تحقيقات كاملة ومعمقة واكتشفت مدى فداحة الجرائم التي كانت (شيلا) تخطط لارتكابها، حيث عثر المحققون داخل المركب على أدلة عن وجود المزيد من الأسلحة البيولوجية، ومخطط مفصل يهدف لاغتيال (تشارلز تيرنر) المدعي العام لولاية (أوريغون)، وبينما هرب الألاف من الراجنيشيين وانتشروا بعيدا، بقي آخرون في حيرة من أمرهم يفكرون كيف تحولت المجموعة المسالمة والمحبّة التي انضموا إليها إلى مجموعة إرهابية عنيفة.

اعتقلت (ما أناندا شيلا) بعد توفر الكثير من الأدلة ضدها في محيط المركب، وأحضرت للمحاكمة، فثبتت إداتنها بالتهم الموجهة إليها وحكم عليها بالسجن عشرين سنة، لكنها أطلق سراحها بعد 39 شهرا فقط.

إلى يوم كتابة هذه الأسطر، تدعي (ما أناندا شيلا) من خلال مقر إقامتها في (سويسرا) بأنها فعلت ما فعلته من أجل (راجنيش)، وأنها كانت واقعة في حب (بهاغوان راجنيش) وأن كل ما قامت به كان لصالح (راجنيش) وفائدته.

ظهرت في جميع المقابلات الصحفية التي عقدتها بمظهر المرأة اليائسة التي تتوق لأن يتم تفهمها، وأنها لم تقترف أي ذنب في نظرها، وأن كل ما فعلته كان عن نية حسنة وطيب خاطر، فقالت: ”كان كل ما حدث بمثابة عرض أوبرا“، وأضافت: ”وكانت في هذا العرض (شيلا) هي شخصية وصوت الـ’سوبرانو‘ و(باجوان) هو صوت الـ’تينور‘، وعروض الأوبرا كما يعلمه الجميع هي في النهاية كلها مأساوية، لكنها تحتوي على الكثير من الأبعاد والجوانب، يا سكان (أوريغون) اعتبروا أنفسكم محظوظين لأنكم كنتم جزءا من هذه الأوبرا“.

عدد القراءات: 5٬027