قصص من الواقع

كيف تحول أتباع مذهب (راجنيش) الذين يدعون للحب والسلام إلى منظمة إجرامية خطيرة

التاريخ الأسود للمعلم (أوشو) الذي يتداول الجميع أقواله وحكمه

أتباع مذهب راجنيش يرحبون بأعضاء جدد

في سنة 1981، غزت مجموعة كبيرة العدد من الدخلاء الأجانب بلدة صغيرة تقع في ولاية (أوريغون) الأمريكية، وكان أفراد هذه المجموعة جميعهم يرتدون ملابس حمراء ويدعون للحب والسلام، ومن لا شيء، بنى هؤلاء تقريبا كل شيء، فأنشأوا بلدتهم الخاصة بهم في قلب الصحراء، بلدة ستجد نفسها فيما بعد في قلب عاصفة من العنف، بعد أن ينفّذ أتباع الهندي (أوشو) المخلصين أكبر هجوم إرهابي بيولوجي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

بالنسبة للكثير من الأشخاص؛ يعد (أوشو) معلماً روحياً وفيلسوفاً مهماً، وربما يساعد في هذه النظرة كونه من أصل هندي ويمتلك لحية طويلة ومميزة –لسبب ما هناك ارتباط بين شعر الوجه المميز والفلسفة–، ومع كون العديد من أقوال (أوشو) المنسوبة تتناول الحب والسلام والتصالح مع الذات، فهي منتشرة للغاية بين مروجي ”البرمجة اللغوية العصبية“ والعلوم الزائفة المشابهة.

على أي حال وعلى عكس الصورة التقليدية المسالمة للغاية لـ(أوشو)؛ هناك الكثير والكثير من الأحداث الماضية السوداء في تاريخه ومظهره العام بكونه مجرد كاهن وحكيم هندي يهتم بالسلام والمحبة، فمتابعة قصة حياته الحقيقية تظهر جانباً مظلماً للغاية يتضمن العديد من النشاطات الإجرامية وحتى الإرهاب للوصول إلى الأهداف المطلوبة.

من هو (أوشو) أصلاً ومن أين بدأ؟

الشخص الذي يعرف اليوم باسم (أوشو) لم يحمل هذا الاسم منذ البداية، بل أنه في الواقع لم يلقب نفسه به إلا في السنوات الخمس الأخيرة من حياته، حيث ولد (أوشو) في الهند باسم (تشاندرا موهان جاين) عام 1931 وعاش الشطر الأول من حياته في الهند، حيث درس هناك الفلسفة في الجامعة قبل أن يرغم على ترك جامعته الأصلية (هيتكاريني) Hitkarini ليأخذ سنة توقف عن الدراسة ادعى في نهايتها أن وصل إلى التنور الأقصى وتبنى اسم (باغوان شري راجنيش) لاحقاً، وعاد بعدها ليكمل دراسته ويحصل على إجازة ومن ثم ماجستير في الفلسفة.

أصبح (أوشو) لاحقا مدرساً للفلسفة في الجامعة، وخلال فترة تدريسه سافر في أرجاء الهند ناشراً رسالته الجديدة والمثيرة للجدل، حيث على عكس المعتقدات الهندوسية والبوذية والتي تربط السكون والامتناع عن الملذات بالوصول إلى التنور، اعتبر (أوشو) الجنس هو الخطوة الأولى في طريق الوصول إلى ”الوعي الخارق“، ومع كونه مدرساً جامعياً فقد استغل مركزه لنشر أفكاره وطرق التأمل الخاصة به بين طلابه الذين سريعاً ما تحولوا إلى أتباع له.

حصة تأمل راجنيشية

حصة تأمل راجنيشية

نمى عدد أتبع (أشو) أو (راجنيش) مع الوقت بشكل كبير للغاية وبالأخص مع قدرته على جذب الفئات المتعلمة والمثقفة من طلاب علم النفس والأطباء النفسيين، حيث كان نفوذه في هذا المجال أساسياً مع كون سمعته تنتقل من أتباعه إلى الآخرين وشهرته تزداد تدريجياً، وبالوصول إلى عام 1964 كان (راجنيش) قد تخلى عن عمله كمدرس في الجامعة ليتابع سبيله ويركز على مراكز التأمل التي أسسها هو أو أتباعه في نواحي الهند.

البداية في الهند، وجمع الثروة

مع كون نسبة كبيرة من أتباع (راجنيش) كانوا متعلمين وجامعيين، لم يجد مشكلة حقاً بإيجاد أعداد كبيرة من الأتباع، ومع تدفق السياح الأوروبيين والأمريكيين الباحثين عن ”التنور“ في الهند خلال تلك الفترة؛ لم يكن من المستغرب انضمام أعداد كبيرة منهم إلى مذهبه التأملي ليعودوا لاحقاً إلى بلدانهم مبشرين بمذهبه الديني المختلف عن المعتاد. ومع الوقت؛ بدأت التبرعات تتدفق بكميات كبيرة إلى (راجنيش) الذي شجع أتباعه بدوره على بيع جميع أملاكهم وتحويل كل مقتنياتهم إلى مال يسهمون في منظمته من جهة، ويعيشون ضمن تجمعاته بالمقابل.

في عام 1970 قدم (راجنيش) فكرته الجديدة: ”التأمل الحركي“، حيث كانت هذه الطريقة للتأمل مختلفة عن الطرق المعتادة التي تركز على السكون التام والهدوء، بل أنها تتضمن الكثير من الرقص والحركة والصراخ وحتى الجنس، لتنتهي لاحقاً بوضع من الخمول والسكون التام دون حركة. كان (راجنيش) يدعو لمذهبه الروحي هذا ويغذي حركته التي تألفت أركانها من نسخته الخاصة عن ”الرأسمالية، والتأمل، وإطلاق النكت والدعابات، والانفتاح الجنسي“، داخل مبنى يطلق عليه اسم الـ(أشرام) في مدينة (بيون) الهندية. وكما هو متوقع، فالأمر لم يعجب الحكومة المحلية أو سكان المدينة نظراً للأعداد الكبيرة للأجانب من جهة، والطقوس التي تتضمن الجنس الجماعي من الجهة الأخرى.

ضمن مجمعه الجديد؛ بات على أتباع (راجنيش) استبدال أسمائهم الأصلية بأسماء هندية جديدة، كما كانوا يرتدون لباساً موحداً ذا لون أحمر مائل للبرتقالي يميزهم عن بقية الأشخاص. مع التنامي الكبير جداً لثروة (راجنيش) والتبرعات المقدمة له بدأت الحكومة الهندية بالتحقيق حول تورطه في قضايا تهرب ضريبي وتهريب أموال وذهب عبر الحدود الهندية، وبعد اشتداد التحقيقات وكون المسائلة القانونية أمراً مسلماً به، بالإضافة إلى تعرضه لمحاولة اغتيال، فر (راجنيش) من الهند عام 1981 إلى الولايات المتحدة، وتبعه عدد كبير من أتباعه المخلصين ليؤسسو مركزهم الجديد البديل عن (أشرام) الذي لم يعد بعد تلك الحادثة ملاذا آمنا بالنسبة للـ”راجنيشيين“ الذين بلغ عددهم ثلاثون ألفا.

المستوطنة الجديدة في الولايات المتحدة

استشار (راجنيش) مستشارته الأكثر ثقة وهي (شيلا برينستيل) التي كانت مخلصة له أشد إخلاص وكانت تعرف بلقب (ما أناندا شيلا)، وطلب منها أن تعثر له على مكان حيث يكون بمقدوره مواصلة الدعوة إلى مذهبه بعيدا عن أحكام الآخرين، وحيث يصبح باستطاعة أتباعه العيش بسلام وتناغم. فباختصار، طلب منها أن تجد له مكانا مثاليا يبني فيه الـ”يوتوبيا“ خاصته بمعاييره الخاصة.

بدأت (شيلا) تبحث عن هذا المكان المنشود برفقة زوجها (مارك سيلفرمان)، وأخيرا عثرت على مكان مساحته 258 كيلومترا مربعا، الذي كان عبارة عن أرض صحراوية في ولاية (أوريغون) في الشمال الغربي للولايات المتحدة، ومع كون هذه الولاية واحدة من الأقل كثافة سكانية ضمن الولايات المتحدة؛ لم يكن هناك مشكلة حقاً في إيجاد أرض للشراء وتأسيس المستوطنة عليها خصوصاً مع ثروة (راجنيش) التي كانت تتجاوز 40 مليون دولار حينها، وبسهولة قام أتباع (راجنيش) بشراء مزرعة باسم (بيغ مودي) بمحاذاة بلدة (أنتيلوب) وخططوا لتأسيس مستوطنتهم الجديدة هناك والتي حملت اسم (راجنيش بورام).

أفراد من مجتمع الراجنيشيين يرحبون بأعضاء جدد في مجموعتهم.

أفراد من مجتمع الراجنيشيين يرحبون بأعضاء جدد في مجموعتهم.

وباتحداهم ماليا ومعنويا، حزم الراجنيشيون أمتعتهم وارتحلوا إلى نصف العالم الآخر ليصلوا إلى ”مزرعتهم السعيدة“، بالنسبة لمعظم أتباع الراجنيشية، كانت تلك أول مرة تطأ فيها أقدامهم الولايات المتحدة، ولم يكن نصفهم يعلم أين تقع (أوريغون) حتى، ناهيك عن علمهم ببلدة صغيرة تدعى (أنتيلوب) التي كانت تقع داخلها.

علمت (شيلا) أن تلك النقطة بالذات كانت أفضل مكان لتشييد مدينة ”سيّدها“ ومرشدها الفاضلة، سواء كانت معزولة أم قاحلة أم لا، فقالت خلال حوار لها مع قناة (نيتفليكس) لفائدة وثائقي حمل عنوان «وايلد وايلد كونتري» أو «البلد المتوحش»: ”لقد كان واضحا للغاية أننا وصلنا لأرضنا الموعودة“، وأضافت: ”لقد كانت تلك الأرض بمثابة الـ«شانغري لا» [وهي مدينة خيالية في الفردوس] التي طالما حلم بها الجميع“.

عندما وصل أتباع الراجنيشية، كانت أرضهم الموعودة تلك عبارة عن صحراء جرداء ومسطحة، وقبل أن يدب الإحباط في قلوبهم، طافت (شيلا) على الراجنيشيين تحثهم وتتوسلهم على التشبث ببعضهم البعض ومساندة بعضهم ومنح حلمهم ذلك فرصة حقيقية.

لكن منذ البداية كان هناك مشاكل واضحة في الأمر، فالمزرعة مصنفة كأرض زراعية، ويتطلب البناء ضمنها موافقة من مجلس بلدة (أنتيلوب)، حيث كانت هذه البلدة الصغيرة مكونة من أقل من 100 من السكان فقط، ومعظمهم من المسنين أو متوسطي العمر، ومع السمعة الكبيرة لـ(راجنيش) وبارتباط الجنس الوثيق بدينه الجديد، كان مجلس البلدة غير سعيد أبداً بوجوده وأتباعه، وبالنتيجة تم وضع بعض العقبات مثل دعاوى قضائية لمنع إنشاء مبانٍ إضافية في المزرعة، وبالأخص مع مخططات (راجنيش) لجعلها مدينة تتضمن أكثر من 10 آلاف شخص.

مع اعتراض السكان المحليين على إنشاء المدينة الجديدة، لجأ أتباع (راجنيش) إلى استخدام قدرتهم المادية الكبيرة لقلب الأمر، حيث قاموا بشراء معظم المنازل في البلدة وحتى المتاجر والمطعم الوحيد، وبدأوا بالضغط على سكان المدينة لإرغامهم على قبولهم ضمن المدينة، وسرعان ما استولى أتباع (راجنيش) على مجلس البلدة وحتى أنهم حولوا اسمها إلى (راجنيش) تيمناً باسم قائدهم، ومع استيلائهم على المدينة؛ أسس أتباع (راجنيش) قوات شركة محلية خاصة بهم، كما أنهم جمعوا كميات كبيرة من الأسلحة (عدة مئات من البنادق الآلية ونصف الآلية وملايين الرصاصات والذخيرة)، كما أن مستوطنتهم الجديدة (راجنيش بورام) بدأت بالنمو بسرعة مع مئات من المنازل الصغيرة للغاية والمكونة من غرف وحيدة.

صورة ملتقطة من الجو تبرز مجتمع (راجنيش بورام) في بلدة (أنتيلوب)

صورة ملتقطة من الجو تبرز مجتمع (راجنيش بورام) في بلدة (أنتيلوب)

بنى الراجنيشيون في نهاية المطاف مدينتهم الفاضلة بدءا من الصفر: فأنشأوا مصادر الطاقة، ثم المجارير وقنوات المياه، ثم الطرقات، ثم بنوا مركزا تجاريا، ومطارا، وسلسلة مطاعم، وبناية لممارسة التأمل تتسع لعشرة آلاف شخص. كما كانوا قد وضعوا رقم التعريف البريدي الخاص ببلدتهم الصغيرة، وتلى ذلك تشييد مزرعة مستدامة تستمد طاقتها من نظام يعتمد على الطاقة الشمسية، ثم زودوها بنظام سقي، حتى أنهم بنوا سدودا صغيرة، ونجحوا في تحويل تلك الصحراء القاحلة إلى أرض خضراء، مما أعاد الحياة البرية للمنطقة وثروتها الحيوانية أيضا.

ومنه بنوا الـ(شانغري لا) خاصتهم من الأرض الصحراوية القاحلة التي وجدوها عليها لأول مرة، وقالت (شيلا) في ذلك الصدد: ”كان يجب أن نُمنح جائزة نوبل للسلام“.

أسفرت تحريات معمقة أجريت بعد سنوات من اضمحلال المذهب الراجنيشي أنه كان واضحا وجليا أنه على الرغم من كون الراجنيشيين يتبعون (باغوان راجنيش) غير أن العقل المدبر الحقيقي لجميع أعمال المجموعة كان (ما أناندا شيلا).

أظهرت تقارير لاحقة أن (راجنيش) كان مهووسا بحياة البذخ والترف وكل ما هو باهض وفاخر على الرغم من أنه كان يدعو للتخلي عن الماديات والوصول إلى السلام الروحي، فقد أصبح مالكا لأكبر مجموعة سيارات (رولس رويس) في العالم، وكان يرتدي حليا ومجوهرات تبلغ قيمتها ملايين الدولارات بالإضافة لطائرتين خاصتين على الأقل، وكان يأخذ من أموال التبرعات التي يتبرع بها أتباعه لمصلحة المجموعة ثم ينفقها على نفسه وأموره الشخصية، فعلى عكس بقية المستوطنة، فقد كان المنزل الخاص بـ(راجنيش) فخماً وكبيراً للغاية.

صورة لـ(راجنيش) و(ما أناندا شيلا)، كان (راجنيش) مهووسا بحياة البذخ والترف وكل ما هو باهض وفاخر.

صورة لـ(راجنيش) و(ما أناندا شيلا)، كان (راجنيش) مهووسا بحياة البذخ والترف وكل ما هو باهض وفاخر.

غير أن (شيلا) في الجهة المقابلة لم تكن تكترث لحياة البذخ، بل كانت تمتاز بشخصية متعطشة للسلطة، فقد كرست نفسها لهدف وحيد وهو بناء مدينتها الفاضلة، الـ«شانغري لا»، مدينتها الخاصة في قلب الصحراء، حيث كانت تؤمن بـ(راجنيش) لكنها كانت تؤمن بنفسها في نفس الوقت بأنها القائدة الفعلية للمجموعة.

المشاكل مع المناطق المجاورة واستقدام المشردين

كانت (أنتيلوب) عبارة عن مجتمع صغير يتكون من عشرات الأشخاص فقط، الذين كان معظمهم صيادين ومزارعين وكانوا يعيشون في تلك البلدة طوال حياتهم، وكانوا يتمتعون بذهنية محافظة، وهو أمر طبيعي نظرا للعزلة التي كانوا يعيشون فيها، حيث لم يكونوا معتادين على الدخلاء والأجانب، لم يكونوا معتادين بشكل خاص على 7000 آلاف شخص أجنبي ودخيل يجوبون بلدتهم مرتدين ثيابا حمراء ويشغلون الموسيقى الصاخبة ويدعون للحب الحر والانفتاح الجنسي والعلاقات المتفتحة، وبعد مدة من الزمن تحول سلوكهم الترحيبي بهؤلاء الدخلاء إلى نظرة رافضة وعلاقة مضطربة، ووجود أقلية كهذه مع قائد ديني أشبه بإله لها ضمن المنطقة كان كافياً وحده لخلق جو من الكراهية.

بدأ المحليون يشيرون إليهم على أنهم الهوام الأحمر، أو الجرذان الحمراء، ومما زاد الوضع سوءا والعلاقة توترا بين المحليين والراجنيشيين هو أن هؤلاء الأخيرين أصبحوا يقومون بدوريات حول محيط مجتمعهم الصغير مسلحين برشاشات ثقيلة وعربات مدرعة، أدى ذلك إلى تنامي الكره المتبادل بين الراجنيشيين والسكان المحليين لبلدة (أنتيلوب).

مع قيام أتباع (راجنيش) بالتسلح والتدريبات المستمرة على الأسلحة النارية؛ كانت المخاوف تتزايد تدريجياً في المناطق المحيطة من حوادث عنف محتملة، ومع كون الدعاوى القضائية ضد الجماعة غير فعالة تماماً نظراً للثروة الكبرى لمنظمات (راجنيش) المتعددة، فقد قرر مجلس المقاطعة إصدار قانون جديد يمنع الموافقة على إنشاء أي مدن جديدة حتى موافقته على الأمر، والقرار لم يكن مستقبلياً فقط، بل أنه يشمل الفترة الزمنية السابقة حتى ما قبل إنشاء (راجنيش بورام)، مما كان بوضوح محاولة للتخلص من المستوطن بشكل نهائي.

راجنيشيون يمارسون التمارين الصباحية في (أنتيلوب).

راجنيشيون يمارسون التمارين الصباحية في (أنتيلوب).

وفي محاولة لقلب الأمر، قرر أتباع (راجنيش) على لسان (شيلا) السيطرة على المقاطعة بأكملها من خلال الوصول إلى الهيئة التشريعية للولاية، بالطبع فالأمر لم يكن ممكناً بالطريقة المعتادة لأن أعداد أتباع (راجنيش) أصغر بكثير من أن تفوز بالانتخابات، لذا تقرر بدأ حملة «شارك منزلك» من قبل المستوطنة، حيث جالت حافلات تابعة للمستوطنة المدن الأمريكية بحثاً عن المشردين واعدة إياهم بطعام ومأوى مجاني وحتى حصص يومية من البيرة مقابل تصويتهم لصالح مرشحي المستوطنة في الانتخابات الذي اختارته، كما تم تقديم ضمانات بكون أي شخص لا يعجبه الأمر سيحصل على تذكرة للعودة إلى مدينته متى أراد.

بالنتيجة تمكن أتباع (راجنيش) من جمع بضعة آلاف من المتشردين وجلبهم إلى المستوطنة على أمل أن يفيدوا ضمن المخطط المعقد للغاية للحفاظ على المستوطنة ومنع الدعاوى القضائية التي تريد ترحيل (راجنيش)، لكن وعلى الرغم من أن المخطط كان مكوناً من عدة أجزاء، فقد كانت النتيجة هي الفشل الذريع في جميع أجزائه في آن واحد بعد أن منعت هيئة الولاية المشردين من الاقتراع، لكن هذا لم يزد (شيلا) سوى تعصبا، بما أن شعبها لم يكن بمقدوره التصويت، قررت (شيلا) أن تحرص على أن لا يستطيع أي كان فعل ذلك!

مع اقتراب موعد الاقتراع، جذبت (شيلا) مجموعة صغيرة من المخلصين إليها وأفضت إليهم بخططها الجهنمية، ثم حولت إحدى البنايات التي يتألف منها مركب الراجنيشيين إلى مختبر بيولوجي، وهناك وبعد التفكير وقع الاختيار على بكتيريا السالمونيلا الشهيرة حيث ابتكرت هي وفريقها خلطتها السامة التي أطلقوا عليها اسم (سالسا) Salsa –وهي عبارة عن مادة بنية اللون وسائلة تشبه الوحل وتحتوي على نسب كبيرة وسامة من بكتيريا السالمونيلا– وخلال عدة أسابيع عمل أفراد هذه المجموعة على تسميم عشرة مطاعم محلية بواسطة مادة ”السالسا“ التي ابتكروها، كما كانوا يرشونها في الحانات، وطاولات المطاعم، والخضر والفواكه في المحلات، كما قاموا حتى بتلويث خزانات المياه بها.

كانت نتيجة أعمال التلويث والتسميم تلك وباء انتشر في كامل أنحاء الولاية، والذي يعتبر اليوم أكبر هجوم إرهابي بسلاح بيولوجي عرفته الولايات المتحدة، حيث سقط حوالي 700 شخص فريسة للمرض ونقلوا إلى المستشفيات على جناح السرعة، وعلى الرغم من أنه لم يهلك أي أحد، غير أن العواقب كانت لتكون أسوأ من ذلك بكثير، حيث أنه عندما داهم المحققون لاحقا المركب الراجنيشي، عثروا على مكونات إنشاء حمى التيفوئيد، ومنه لو تركوا يمضون في خططهم، لكانت عواقب ذلك وخيمة جدا، وأعدادا الضحايا لا تعد ولا تحصى.

واحد من المطاعم الذي لوثته (شيلا) وأتباعها الراجنيشيون بواسطة محلول الـ"سالسا" خاصتهم.

واحد من المطاعم الذي سممته (شيلا) وأتباعها الراجنيشيون بواسطة محلول الـ”سالسا“ خاصتهم.

تم إرجاع انتشار بكتيريا السالمونيلا في بادئ الأمر إلى عدم احترام عمال المطاعم لمعايير النظافة، غير أن العديد من الحكوميين وأعضاء الهيئة التشريعية في الولاية تطورت لديهم شكوك كبيرة حول (شيلا) وقوميتها الشديدة وولاؤها المنقطع النظير تجاه مجموعتها التي كانت تعتبرها ”شعبها“، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا يملكون أي دليل في بادئ الأمر، غير أنهم اشتبهوا في تورطها في ما أصبح يعرف الآن بعمل إرهابي بسلاح بيولوجي.

كان هناك اتجاه شعبي جارف بكون الأمر نشأ من هناك حقاً، وبالنتيجة أدى الأمر إلى أكبر إقبال على التصويت في تاريخ المقاطعة مع نسب تصويت وصلت حتى 93٪ من إجمالي عدد القادرين على التصويت، وبالطبع فقد كانت الخسارة شديدة للغاية على أتباع (راجنيش) وقادت إلى مشاكل كانت النهاية المؤكدة للمستوطنة.

الانقسام ضمن المستوطنة والنشاطات الإجرامية

خلال الفترة التي كانت فيها المستوطنة تواجه مشاكل خارجية من مختلف الاتجاهات؛ كان من الواضح أن انقساماً كبيراً قد حصل ضمنها، حيث أن التعليمات السابقة التي دفعت أتباع (راجنيش) إلى بيع ممتلكاتهم واللحاق به إلى المستوطنة تسببت بكم كبير من المال على المد القريب، لكن تقليل كبير للمال على المدى البعيد في الواقع، ومع طبيعة الحياة المرفهة للغاية التي كان (راجنيش) يطالب بها وطلباته الغير منتهية للحلي والسيارات، كان من الضروري الحصول على مصدر جديد للمال.

كان المصدر الجديد للمال هنا هو «جماعة هوليوود». باختصار فقد كان هؤلاء مجموعة من الشخصيات المعروفة في هوليوود ومن ذوي الثروات الطائلة الذين أعجبوا بفلسفة (راجنيش) وأرادوا اتباعه، ومقابل إمطارهم له بالهدايا الفاخرة التي تضمنت المزيد من السيارات والحلي والساعات المرصعة بالماس والأحجار الكريمة، فقد سمح لهم بالبقاء ضمن المستوطنة، لكنهم كانوا على مستوى أعلى من البقية فهم لا يقومون بأعمال السكان الآخرين ولا يلزمون بالمنازل الصغيرة البسيطة، بل يمتلكون منازلهم الفخمة للغاية ضمن جزئهم من المستوطنة.

وصول هذه الجماعة الجديدة إلى الواجهة أدى إلى انقسام كبير ضمن المستوطنة، حيث كان (راجنيش) قد انحاز إلى صالح الجماعة الجديدة مما أزعج مساعدته والشخصية الأساسية بعده: (ما أناندا شيلا). ومع كون كل من (شيلا) نفسها و(راجنيش) تحت تأثير العديد من العقارات المختلفة والمؤثرة على الدماغ حينها، فقد كانت أمور المستوطنة في انحدار واضح وباتجاهها نحو الهاوية.

مع وصول «جماعة هوليوود» إلى المستوطنة وحصولهم على الأضواء مقابل تهميش (شيلا) تدريجياً، قاد القلق المتزايد إلى قيام (شيلا) وأتباعها بتركيب أجهزة تنصت عديدة في مختلف أماكن المستوطنة وبالأخص في منازل «جماعة هوليوود» ومنزل (راجنيش) نفسه حتى، حيث كانت (شيلا) تعتقد أنه يتعرض للاستغلال من قبل جماعة هوليوود الذين سيقنعونه بالانتحار.

حصة تأمل راجنيشية

أما بالنسبة للمشردين، كان من الواضح أن المستوطنة لن تتمكن من التعامل معهم جميعاً وبالأخص مع بداية ظهور الخلافات الداخلية، بالنتيجة تم اتخاذ القرار بوضع مهدئات قوية في البيرة المقدمة لهم بشكل يومي، وتخديرهم بالنتيجة طوال عدة أسابيع ريثما أصبح من الضروري التخلص منهم، لكن لم يكن من الممكن الوفاء بوعد إعادتهم إلى مدنهم حقاً، لذا فقد تم تركهم في شوارع البلدات المجاورة.

بالنتيجة لاقت البلدات المجاورة ذعراً شديداً مع انتشار أعداد كبيرة جداً من المتشردين في شوارعها، وعادت المستوطنة لمحاولة استغلال الأمر لصالحها بالتفاوض مع إدارة المقاطعة على قيام المستوطنة بإعادة المتشردين إلى مدنهم، لكن بالمقابل يجب السماح بمستوطنة (راجنيش بورام) وإسقاط الدعاوى القضائية الهادفة إلى ترحيل (راجنيش)، وبالطبع فقد فشلت المفاوضات ولم يتحقق الأمر.

مع فشل المحاولات السابقة للوقوف في وجه إنهاء البلدة وترحيل (راجنيش) من الولايات المتحدة، تحولت المحاولات إلى أمور يائسة بشكل تدريجي، حيث كان هناك عدة مخططات ومحاولات لاغتيال شخصية مرتبطة بالقضية بما يتضمن المدعي العام الذي يتولى قضية ترحيل (راجنيش) والعديد من الموظفين الرسميين الآخرين، ومع أن أياً من محاولات الاغتيال لم تتم بسبب ”عدم وجود فرص مناسبة“ حسب أعضاء سابقين في الجماعة، فقد كان هناك حالات تتضمن افتعال الحرائق ومحاولة إطلاق النار حتى.

التفكك والانهيار النهائي للمستوطنة

حصة تأمل راجنيشية

حصة تأمل راجنيشية

على الرغم من الجرائم العديدة المرتكبة من قبل أتباع (راجنيش) سواء بتوجيهات منه أو بشكل غير مباشر، فالحدث الذي تسبب في الزوال النهائي للمستوطنة وانهيارها كان خلافاً داخلياً في الواقع، حيث أدى استماع (شيلا) لأشرطة تجسس على (راجنيش) تضمن حديثه عن الطرق الممكنة للانتحار مع طبيب من جماعة هوليوود إلى قرارها بمحاولة قلب الطاولة والعودة إلى مركزها مجدداً عن طريق اغتيال الطبيب ”لإنقاذ (راجنيش)“.

لسوء حظ (شيلا) فقد فشلت محاولة الاغتيال ولم يمت الطبيب من الحقنة السامة التي تم حقنه بها، لذا وبسرعة كبيرة قامت (شيلا) وبعض من المقربين منها بالهروب من المستوطنة نحو مكان مجهول حينها، ومع هروبها انقلبت الأمور بسرعة حيث خرج (راجنيش) عن صمته تجاه العامة وقام بالتبرئ منها بالإضافة لإلصاق العديد من التهم بها مع كون بعض هذه التهم غير معروفة للمحققين الأمريكيين أصلاً.

نتيجة تصريح (راجنيش) بدأ تحقيق واسع النطاق بالمستوطنة والنشاطات التي تم ممارستها فيها، لكن مع إدراك (راجنيش) لكون التهم التي تحدث عنها ستؤدي إلى سقوطه كما (شيلا) والبقية، فقد أوقف التعاون مع التحقيق بسرعة وبدأ حالة من التكتم الكامل على كل شيء، وأمر أتباعه برفض التعاون أو الاعتراف بأي شيء للمحققين. لكن لسوء حظ (راجنيش) فقد كانت قضية الهجرة غير الشرعية قد قاربت على نهايتها، وبات من المطلوب القبض عليه.

مع تصاعد التوتر واقتراب خطط اقتحام المستعمرة –كونها مسلحة للغاية– قام (راجنيش) بالهروب من المستعمرة بطائرة نفاثة دون علم أحد حتى أقرب المقربين منه، حيث كان المخطط هو الوصول إلى جزيرة برمودا كونها لا تمتلك اتفاقية تسليم للمطلوبين مع الولايات المتحدة، لكن في منتصف الطريق تم لقبض على (راجنيش) وجلبه للمحكمة ليحاكم، وبنفس الوقت عثر على مساعدته (شيلا) في ألمانيا الغربية وأرسلت إلى الولايات المتحدة لتخضع لجزائها.

المحاكمة وطرد (راجنيش) من الولايات المتحدة

على الرغم من وجود عشرات التهم المطروحة والتي تتراوح من التجسس وحتى الأعمال الإرهابية بأسلحة بيولوجية، لم يتمكن الادعاء من إثبات أي من التهم حقاً بسبب كون الأدلة ظرفية فقط وغياب أية اعترافات من أفراد الجماعة الدينية، بالنسبة لـ(راجنيش) فقد كانت الأمور أعقد في الواقع بالنسبة للادعاء، حيث لم يتمكنوا من الحصول على أي شهود ضده يثبتون تورطه في النشاطات الإجرامية العديدة، لذا فقد تم عقد اتفاق معه بحيث يعترف بالذنب في جريمة الاحتيال للهجرة غير الشرعية، وبالمقابل لا يتعرض للسجن بل يغادر الولايات المتحدة حالاً، وبعد محاولات فاشلة للدخول إلى عدة بلدان أخرى، أرغم (راجنيش) على العودة إلى الهند حيث كان أتباعه لا يزالون موجودين.

في سنة 1985، ومع مغادرة (باجوان راجنيش) مجتمعه والولايات المتحدة الأمريكية معا؛ أطلق على أتباعه لقب ”عصابة من الفاشيين“، وألقى اللوم بشكل علني على (شيلا) في قضية الأعمال الإرهابية التي اقترفتها المجموعة ومحاولتها قتل طبيب (راجنيش). لم يكن حتى تلك الأحداث حيث أجرت الحكومة تحقيقات كاملة ومعمقة واكتشفت مدى فداحة الجرائم التي كانت (شيلا) تخطط لارتكابها، حيث عثر المحققون داخل المركب على أدلة عن وجود المزيد من الأسلحة البيولوجية، ومخطط مفصل يهدف لاغتيال (تشارلز تيرنر) المدعي العام لولاية (أوريغون)، وبينما هرب الألاف من الراجنيشيين وانتشروا بعيدا، بقي آخرون في حيرة من أمرهم يفكرون كيف تحولت المجموعة المسالمة والمحبّة التي انضموا إليها إلى مجموعة إرهابية عنيفة.

اعتقلت (ما أناندا شيلا) بعد توفر الكثير من الأدلة ضدها في محيط المركب، وأحضرت للمحاكمة، فثبتت إداتنها بالتهم الموجهة إليها وحكم عليها بالسجن عشرين سنة، لكنها أطلق سراحها بعد 39 شهرا فقط، ومن ثم فرت إلى سويسرا حيث قامت بشراء داري عناية بالمسنين ولا تزال تعيش هناك حتى اليوم.

(ما أناندا شيلا) الذراع الأيمن لـ(راجنيش).

(ما أناندا شيلا) الذراع الأيمن لـ(راجنيش).

إلى يوم كتابة هذه الأسطر، تدعي (ما أناندا شيلا) من خلال مقر إقامتها في (سويسرا) بأنها فعلت ما فعلته من أجل (راجنيش)، وأنها كانت واقعة في حبه وأن كل ما قامت به كان لصالحه وفائدته. ظهرت في جميع المقابلات الصحفية التي عقدتها بمظهر المرأة اليائسة التي تتوق لأن يتم تفهمها، وأنها لم تقترف أي ذنب في نظرها، وأن كل ما فعلته كان عن نية حسنة وطيب خاطر، فقالت: ”كان كل ما حدث بمثابة عرض أوبرا“، وأضافت: ”وكانت في هذا العرض (شيلا) هي شخصية وصوت الـ’سوبرانو‘ و(راجنيش) هو صوت الـ’تينور‘، وعروض الأوبرا كما يعلمه الجميع هي في النهاية كلها مأساوية، لكنها تحتوي على الكثير من الأبعاد والجوانب، يا سكان (أوريغون) اعتبروا أنفسكم محظوظين لأنكم كنتم جزءا من هذه الأوبرا“.

في الهند أعاد (راجنيش) إحياء مجمعه السابق، كما أنه قام بتغيير اسمه إلى (أوشو) حينها في محاولة للنأي عن أحداث المستوطنة الفاشلة في الولايات المتحدة، وبعد خمسة سنوات فقط توفي (راجنيش) عام 1990 تاركاً خلفه عشرات السيارات والكثير من الحلي والساعات ومنظمة بقيمة عشرات ملايين الدولارات لا تزال فعالة حتى اليوم.

في الوقت الحالي لا يزال الكثير من الأشخاص متمسكين بتعاليم (أوشو) وبكونه شخصية عظيمة، وحتى أولئك الذين تورطوا في نشاطات إجرامية لا يظهرون أي ندم تجاه تصرفاتهم كونها كانت في خدمته. ومع إعادة التسمية الناجحة إلى (أوشو)، سرعان ما أصبح الاسم مرتبطاً بالحكمة بفضل الكتب والأقوال المنشورة بغزارة له، وحتى اليوم لا يزال الملايين يشاركون أقوال (أوشو) غير مدركين أبداً لكمية النفاق الموجودة ضمنها ومدى سوء قائلها في الواقع.