تاريخ

دخلك بتعرف (تورا كو)؟ البقرة التي قادت مدينة بأكملها إلى أعمال شغب

تمثال بقرة توريف أو تورا كو
صورة: allanmaciver/فليكر

قبل قرن من الزمن، تحولت مدينة فلاحية صغيرة في (أبردينشاير) بإسكتلندا تدعى (توريف) إلى ساحة لواحد من أكثر أعمال الشغب المناهضة للحكومة غرابة التي وقعت في بريطانيا، وما يثير الاهتمام أكثر هو أنه في مركز هذا الثوران الشعبي كانت هناك بقرة حلوب بيضاء اشتهرت في كل أنحاء البلد باسم (تورا كو)، وهي التهجئة المحلية لمصطلح Turriff’s Cow أو ”بقرة توريف“.

بدأت قصة أشهر بقرة في تاريخ مدينة (توريف) سنة 1911، وهي نفس السنة التي أدخلت فيها الحكومة سياسة الضمان الاجتماعي، الذي كان يجبر كل من العمال وأرباب الأعمال على أن يساهموا باشتراكات مالية في تمويل ودعم الدولة، ومن بوليصات التأمين التي تناولتها السياسة الجديدة التأمين ضد الأمراض والتأمين ضد البطالة، كما اكتسى هذا القانون صبغة إجبارية وفُرض على كل العمال الذي تتراوح أعمراهم بين سن الـ16 والـ70.

مما لا شك فيه أن الضمان الاجتماعي هو أمر جيد وله فوائد كبيرة، لكن الناس آنذاك راودتهم الشكوك حياله، وبقي الكثير من المزارعين الإسكتلنديين غير مقتنعين بأحقية المحتاجين لدعم الدولة لهم، واعتقد بعضهم كذلك أن المساهمة التي فرضت عليهم كانت مكلفة جدا، ومما زاد من سخط المزارعين في (توريف) هو أن هذه السياسة الجديدة ستتسبب في رفع تكلفة توظيف عمال المزارع الذين كانوا يشعرون بأنهم كانوا يعتنون بهم جيدا مسبقا، ومنهم لم يكونوا في نظرهم في حاجة إلى أي مساعدة من طرف الدولة.

قرر أحد المزارعين يدعى (روبيرت باترسون) الذين كان يوظف الكثير من الرجال في مزرعته في (ليندروم) أن يصنع مثالا يحتذى به، فرفض أن يختم على بطاقات التأمين الخاصة بعماله، فتنقل رجال القانون متوجهين إليه وهناك أعلموه بأنه ارتكب حوالي 20 مخالفة ضد قانون الضمان الوطني الصادر بتاريخ 1911، وترتب عن هذه المخالفات عقوبة بغرامة مالية قدروها بـ15 جنيها إسترلينيا زائد مخلفات الاشتراكات التي لم يسددها في وقتها.

قام (باترسون) بدفع الغرامة المالية لكنه رفض دفع الاشتراكات المتأخرة، فكان رد المحكمة أن أمرت مكتب الـ(شيريف) المحلي بحجز إحدى ممتلكات (باترسون) التي تكون قيمتها 7 جنيهات إسترلينية، ما يعادل قيمة مخلفات الاشتراكات التي رفض تسديدها.

وعندما قدم رجال الـ(شيريف) لمزرعته من أجل تفتيشها بحثا عن أي ملكية ليحجزوها، قاموا بأخذ الشيء الوحيد ذو القيمة والقابل للتحرك: وهي بقرة حلوب بيضاء اللون، والتي سينظمون لاحقا عملية بيعها بالمزاد العلني لتعويض مخلفات الاشتراكات التي رفض صاحبها سدادها.

أخبر (آلان ستيفن) في ”مجتمع التراث المحلي“ في (توريف) قناة الـ(بي بي سي) BBC: ”لكان الأمر ليمر بسلام لو أن رجال القانون حجزوا على أداة من الأدوات أو محراث ما أو ما شابه“، وأضاف: ”لكنهم عند حجزهم لبقرة صغيرة بيضاء اللون تحول الحادث برمته إلى قضية عاطفية“.

رفضت أسواق ومحلات (توريف) الفلاحية استقبال عملية البيع ولم يأت أي بائع بالمزاد العلني من أجل تنظيمها، غير أن هذا لم يثن من عزيمة السلطات التي جلبت بائعا بالمزاد العلني من خارج المدينة وقررت أن تتم عملية البيع في مركز البلدة بالضبط.

في اليوم المقرر فيه إجراء عملية البيع تم ربط البقرة في الساحة المركزية للبلدة، هناك حيث تقدم منها المزارعون وسكان المدينة وقاموا بتزيينها بشرائط وكتبوا بواسطة الطلاء عليها شعار Lendrum To Leeks في إشارة إلى الأصول الويلزية لـ(دافيد لويد جورج) مستشار (إكزيكور).

البقرة (تورا كو) يوم انعقاد المزاد العلني الذي نشبت فيه أعمال الشغب

البقرة (تورا كو) يوم انعقاد المزاد العلني الذي نشبت فيه أعمال الشغب

تجمعت الحشود في الساحة المركزية للمدينة، ومنح عمال المزارع نصف يوم إجازة من أجل تمكينهم من حضور المزاد العلني وربما مقاطعته. كان هناك توتر حاد يجوب الأجواء، وساد نوع من الهيجان الجماهير التي كانت على وشك الانفجار في أية لحظة، كانت البقرة أيضا متوترة ومهتاجة. يتذكر البعض أن في تلك الأثناء نبح كلب كان قريبا من الموقع، وأفاد آخرون أن (باترسون) نفسه حضر وراح يصرخ ”يو هوو“ مما أثار فزع البقرة التي انطلقت تجري في شوارع المدينة.

على إثر ذلك اندلعت أعمال الشغب، وقام في خضم ذلك مائة من الرجال الأقوياء المحتشدين بقذف ضباط الـ(شيريف) بالفواكه المتعفنة والبيض والسخام، كما قام بعضهم بإطلاق الألعاب النارية والمفرقعات، وفي نهاية اليوم اعتقلت الشرطة ثمانية عمال مَزارع بما في ذلك (باترسون) نفسه وأُخضعوا للمحاكمة في (آبردين) بتهمة الإخلال بالنظام العام وإثارة الفوضى، ثم أطلق سراحهم لانعدام الأدلة الكافية.

في أثناء ذلك، عُثر على البقرة الفارة مختبئة في إصطبل قريب وتم اصطحابها إلى (أبردين) من أجل عرضها للبيع مجددا في مزاد علني أكثر تنظيما. تم بيع البقرة هذه المرة بنجاح لكن المجتمع المحلي التف وحشد الهمم وابتاع البقرة مجددا من مالكها الجديد.

أعيدت البقرة بعدها إلى مالكها الأصلي (باترسون) في جو بهيج كان أقرب ما يكون إلى حدث شعبي بتاريخ عشرين يناير سنة 1914، حضره أكثر من ثلاثة آلاف شخص من أجل أن يتمكنوا من مشاهدة البقرة وهي تُعرض في جو انتصاري في شوارع (توريف) مزينة بالشرائط وظفائر الأزهار المجففة، وكتب عليها بواسطة الطلاء عبارة ”حرة!! تتمنى لو أنك كنت مكاني“، وصاحبتها فرقة عازفة تتنقل معها في شوارع المدينة.

(تورا كو).

البقرة (تورا كو) بعد إعادتها إلى مالكها الأصلي (باترسون) – صورة

ماتت البقرة (كو) بعد ستة سنوات ودفنت في إحدى زوايا مزرعة (باترسون) في (ليندروم) لكن ذكراها بقيت حية في الأذهان، فقد أصبحت البقرة أقرب ما تكون إلى رمز من رموز المدينة، ولسنوات طويلة كان السكان المحليون يبيعون تذكارات تتضمن البقرة (كو) التي كانت في معظم الأحيان مزينة بشعار Lendrum To Leeks الشهير.

في سنة 1971، شُيد صرح تذكاري على جانب الطريق في (ليندروم) تضمن لوحة احتوت على رسمة لرأس بقرة في إشارة إلى (تورا كو)، وفي سنة 2010 تم كشف النقاب عن منحوتة للبقرة (تورا كو) في مركز مدينة (توريف) عند تقاطع شارعي التسوق الرئيسيين، وهي النقطة التي صارت الآن تعرف بـ”زاوية (كو)“ أو Coo Corner.

تمثال برونزي لـ(تورا كو) في مدينة (توريف).

تمثال برونزي لـ(تورا كو) في مدينة (توريف).

المصادر

عدد القراءات: 3٬178