in

قادة عسكريون لم يتجاوزوا سن المراهقة، قادوا جيوشاً وانتصروا في معارك وخلد التاريخ اسمهم

أذكر نفسي حينما كنت طفلاً، متمدداً على الأرض، ألهو لساعاتٍ بالرجال العسكريين البلاستيكيين، أخوض بهم حروباً طاحنة وأقودهم من نصر إلى آخر. إذ لطالما أردت أن أكون بطلاً عسكريًا، وأعتقد أن معظم الأطفال يشاركونني ذات الرغبة. الرغبة التي تلاشت بشكل طبيعي مع النضج والتقدم في السن، إلا أن هناك أمثلة في التاريخ، تمكن فيها المراهقون من تحويل تلك الرغبة إلى حقيقة. وهذه قائمة من عشر شخصيات تاريخية قادوا جيوشاً قبل بلوغهم العشرين.

1. مايكل آسين الثاني من بلغاريا

رسم يصور انتصار البلغار غلى البيزنطيين في معركة أنكيالوس. صورة: Wikipedia

على عكس العديد من هؤلاء القادة الناجحين، فإن صغر سن (مايكل آسين الثاني) وعدم خبرته أدى به إلى الإخفاق، فقد اعتلى عرش بلغاريا في السابعة من عمره بعد وفاة والده (قسطنطين تيخ) في إحدى المعارك، ونظراً لحداثة سنه، فقد كان حكمه شكلياً فيما آل القرار والسلطان إلى والدته (ماريا كانتاكوزين) ابنة الإمبراطور البيزنطي (مايكل الثامن).

كانت الأسرة المالكة في تلك الأوقات تقاتل المتمردين المتنافسين على المطالبة بالعرش. ونظراً لكونه الملك، أخذ (مايكل آسين الثاني) مكان والده على رأس الجيش، وعلى الرغم من أنه لم يمارس سوى قدراً ضئيلاً من الحكم الحقيقي إلا أنه تواجد في ساحة المعركة في عدة مناسبات بعتادٍ حربي كامل صنع خصيصًا للصبي الصغير.

وفي عام 1279، حينما كان عمر الملك تسع سنوات فقط، قرر الإمبراطور البيزنطي وضع زعيم أكثر ملاءمة على العرش. فاستولى الجيش البيزنطي على العاصمة بسهولة، وأُرسل (مايكل آسين الثاني) مع والدته إلى المنفى. يشار تاريخياً إلى محاولته العودة إلى بلغاريا على رأس جيش في وقت لاحق من الحياة، إلا أنه فشل في إثبات نفسه كملك حقيقي حيث هزمت حملته في نهاية المطاف. وتوفي في تاريخ غير معروف.

2. غريغوريو ديل بيلار

تمثال لـ غريغوري ديل بيلار. صورة: Wikipedia

على الرغم من عدم تبوئه القيادة حتى أوائل العشرينات من عمره، لكن مسيرته وشهرته تجعل من تركه خارج هذه القائمة أمراً غير منصف، نظراً إلى أنه قد عاش في وقت أحدث بكثير من معظم القادة في هذه القائمة، في زمن كان فيه من العسير جدًا على الجنود الشباب الوصول الى مناصب القيادة العسكرية.

وُلد (غريغوريو) في عام 1875، وهو الطفل الخامس في أسرة من ستة أطفال. بدأ مسيرته العسكرية في سن العشرين، مباشرة بعد تخرجه من الكلية، إبّان الثورة الفلبينية. حيث انضم إلى صفوف الثائرين ضد الإسبان، مأثره وشجاعته في المعركة جعلته في رتبة ملازم بعد بضعة أشهر فقط من الانضمام إلى الخدمة. وما لبث أن تحصّل على رتبة «كابتن» بعدها بعام واحد، في سن الواحد والعشرين فقط، واقترح هجوما على حامية إسبانية متمركز في منطقة (باومبونج) حيث حقق نصراً ساحقاً آنذاك، مما أدى لترقيته إلى رتبة كولونيل.

بعد ذلك، نُفي (غريغوريو) إلى هونج كونج إثر اتفاق هدنة تم عقده بين المتمردين والإسبان في العام نفسه. بعد عامين فقط، ومع ازدياد ضعف القوات الإسبانية بسبب الحرب الإسبانية الأمريكية، عاد (غريغوريو) برفقة آخرين إلى الفلبينيين لإنهاء ما قد بدأوه. وفي شهر يونيو من عام 1898، أعلن قبوله لاستسلام الإسبان وانسحابهم من بلدة -بولاكان- حيث تمت ترقيته إلى رتبة جنرال في عمر 23 عامًا فقط. هذا ما أكسبه لقب ”الجنرال الصغير“ فيما كان يحظى باحترام واسع من قبل رجاله. واستمر بتحقيق الانتصارات في معاركه ضد الأمريكيين خلال الحرب الفلبينية الأمريكية حتى وفاته أثناء القتال في سن الرابعة والعشرين. ويعتبر الآن بطلاً قومياً في بلاده الفلبين، وله فيها العديد من التماثيل والتذكارات.

3. أوكيتا سوجي

على الرغم من أن (أوكيتا سوجي) لم يكن قائدًا عسكريًا بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما قائداً لإحدى مجموعات الشرطة الخاصة، التي كانت منتشرة في أواخر فترة (الشوغون) في اليابان. حيث كان مقاتل سموراي بدأ تدريبه على المبارزة في سن التاسعة. ومع بلوغه الثانية عشر، كان قادراً على هزيمة معلمي المبارزة أنفسهم، المعروفين بلقب (كين جوتسو)، خلال المنافسات مع المدارس الأخرى، واستحق على إثر ذلك تنصيبه كمعلم للقتال، بمنحه شهادة (المينكيو كايدن). في سن لم تتجاوز الثامنة عشر. وما لبث أن أصبح المعلم الأعلى لفنون الدوجو القتالية في العام التالي وأسس جماعة الشرطة السرية، المعروفة باسم (شينسينغومي) وكان أول قادة وحداتها في عمر التاسعة عشر.

كان معروفاً بلطفه خارج أرض المعركة، عديم الرحمة داخلها. فخلال (حادثة ايكيدايا) الشهيرة، تمكن بمفرده من احتجاز مجموعة من المتمردين في الطابق الثاني من فندق (كيوتو). ومع ازدياد تورط شرطة الشينسينغومي في جيش الشوغون، انخرط أوكيتا في العديد من المعارك. ومن ثم توفي صغيراً، خارج ساحات المعركة، كحال العديد من القادة غير الملكيين في هذه القائمة، حيث أصيب بمرض خطير (يُعَقَد بأنه مرض السل) في عام 1867، وفارق الحياة على إثره في يوليو من عام 1868 في عمر الرابعة والعشرين تقريبًا. يعتبر واحداً من بين مقاتلي الكينسي (قديسي السيوف) الثلاثة عشر، وأحد أعظم المقاتلين في تاريخ اليابان.

4. هنري الرابع، ملك فرنسا

رسم يجسد اغتيال هنري الرابع. صورة: Wikipedia

كان (هنري الرابع) أول ملك فرنسي من آلـ (بوربون) الذين يعود أصلهم إلى سلالة (كابيتيان) العريقة. وعلى الرغم من أنه قد عُمِّد ككاثوليكي، إلا أنه تحوّلَ الى البروتستانتية خلال الحروب الدامية فيما عُرف بالحروب الفرنسية الدينية، انضم (هنري) حين كان مراهقاً الى قوات (هوجوينوت) واستلم قيادتها خلال هذه الفترة. كان معروفًا بشجاعته كقائد على الرغم من صغر سنه، حيث قاد عدة حملات في المعارك. في سن التاسعة عشر، كاد أن يقتل في مذبحة يوم القديس بارثولوميو، لولا أنه تعهد بالتحول إلى الكاثوليكية.

أُسر من قبل القوات الكاثوليكية مدة أربعِ سنوات، قبل أن يهرب في عام 1576 وينضمّ إلى القوات البروتستانتية. في عام 1587، في سن الرابعة والعشرين، هزم جيش الملك في معركة (كوتراس)، مما أدى إلى تولّيه العرش. حيث توج ملكاً على فرنسا في عام 1589 وكان الشعب يقدر تقديراً يفوق التصور، وعرف بلطفه، وعطفه، وروح الدعابة، إلا أنه اغتيل من قبل كاثوليكي متعصب في عام 1610.

5. فلاديسلاف الثالث من بولندا

هو ملك آخر اعتلى العرش في سن مبكرة جدًا، حيث لم يبلغ من العمر سوى عشر أعوام فقط. رأى الكثيرون، في وجود هذا الملك اليافع في السلطة، فرصة للاستيلاء على العرش، وبالتالي كان الفترة المبكرة من حكمه، عبارة عن صراع داخلي بين العائلة المالكة والنبلاء. في سن السابعة عشر، حيث كان الجدال قائماً ضمن العائلة المالكة في المجر المجاورة، قاد (فلاديسلاف) جيوشاً مع العديد من الدول الأخرى بمباركة من البابا (يوجين الرابع) ضد (إليزابيث) حاكمة المجر، حيث هزم جيوشها واستولى على عرش مملكة المجر في التاسعة عشر من عمره.

في هذه الأثناء، أخذ خطر الإمبراطورية العثمانية يتنامى مهدداً مُلك (فلاديسلاف)، إلا أنه وبفضل والدعم الموعود من قبل الأساطيل البندقية والبابوية، وجّه قواته المنتصرة حديثاً نحو حرب مقدسة ضد الأتراك، إلا أنه تعرض للخيانة من قبل الأساطيل البندقيَّة، التي ساهمت في نقل القوات العثمانية من آسيا إلى أوروبا. فقد فوجئ جيشه المكون من عشرين ألف مقاتلٍ من الصليبيين، عندما قابلوا جيشًا قوامه ستون ألف تركي في معركة فارنا.

اعتقاداً منه بأن السبيل الوحيد لتحقيق النصر هو مهاجمة السلطان مراد الثاني شخصياً، فقد قاد بنفسه حملةً من أفضل فرسانه في قلب ساحة المعركة. لاحظ أعداؤه شجاعته، إلا أن الشجاعة وحدها لمم تكن كافياً لتحقيق النصر في ذاك اليوم. حيث هزم أمام جيش السلطان العثماني والذي كان معرفاً بالجيش الإنكشاري، حيث قتل وعُلِّق رأسه على رمح، وحين رأت جيوشه هذا المنظر أصابها الفزع ولاذت بالفرار من أرض المعركة، فيما لم يتم استرداد جسده أو دروعه أبداً.

6. أغسطس قيصر

صورة: Wikipedia

ولد (أغسطس) في عام 63 قبل الميلاد. وكان ابن (جايوس أوكتافيوس). أُرْسِل في سنٍ مبكرة إلى أبولونيا وهي مدينة تقع في ألبانيا حالياً. عند بلوغه الثامنة عشر، وصله خبر اغتيال (يوليوس قيصر). فعاد من فوره إلى إيطاليا، متجاهلاً نصائح مستشاره الذي اقترح محاولة اللجوء الى مقدونيا مع القوات، وعند وصوله علم أن (يوليوس قيصر)، الذي لم يكن له أطفال شرعيون على قيد الحياة، قد أورثه ثلثي المملكة ونصَّبه مع أولاده كورثة للعرش. بدأ باتباع خطى والده بالتبني، حيث كسب دعم الموالين للقيصر المأبون، من خلال التأكيد على مكانته، باعتباره الوريث الشرعي.

في 6 مايو، من عام 44 قبل الميلاد، قاد (أوغسطس قيصر) البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً آنذاك جيشًا قوامه أكثر من ثلاثة آلاف من الجنود المخضرمين إلى روما، حيث لاقى القليل من المقاومة فقط لأن الكثير من سكانها كانوا متعاطفين مع قضيته. وقد نجح في طرد قتلة (يوليوس قيصر)، الذين كانوا قد عقدوا هدنة مع القنصل الحالي (مارك أنطوني)، خارج المدينة.

مع تحول (مارك أنطوني) من صديق إلى عدو بنظر المجلس، بدأ (أوغسطس) حشد قواته العسكرية بغية هزيمة اثنين من فيالق (أنطوني) الذي جمعهم من خلال الوعود بأجور أعلى. وبعد هزيمة (أنطوني) وفراره من روما، نُصِّبَ (أوغسطس) واحداً من أعضاء مجلس الشيوخ في عمر يافع حيث كان يبلغ التاسعة عشر فقط، كما تم منحه السلطة العليا أو سلطة القيادة والمعروفة آنذاك بالـ (إمبيريوم)، الأمر الذي جعل قيادته لجيشه قانونية. وأُرسِلَ برفقة قنصلين آخرين لهزيمة (مارك أنطوني)، وهذا بالفعل ما قد حدث: حيث هُزم (أنطوني) في معركتي (فوروم غالوروم) و (موتينا) مما أجبر هذا الأخير على التراجع، ذلك على الرغم من مقتل القنصلين الآخرين في هذه العملية. الأمر الذي أبقى هذا اليافع ذو التاسعة عشر ربيعاً، وحيداً لقيادة ما تبقى من الجيوش الرومانية والتي كان قوامها 8 فيالق، على أي حال، تم استدعاؤه الى روما، وتعيين قائد آخر على رأس ما تبقى من الجيوش. وقد حقق الكثير من الانتصارات والمأثر في حياته، وأصبح في النهاية أول امبراطور للإمبراطورية الرومانية. توفي في عام 14 قبل الميلاد عن عم يناهز الخامسة والسبعين عاماً.

7. شيبيون الإفريقي

تمثال لشيبون الإفريقي. صورة: Wikipedia

كان (شيبيون) جنرالاً خلال الحرب البونيقية الثانية، وحقق شهرته الكبيرة لكونه قائد القوات الرومانية التي هزمت (هانيبال) أو حنبعل في معركة زاما، على رغم من أنه كان في منتصف الثلاثينيات من عمره آنذاك.

كان والده (بوبليوس كورنيلوس شيبيون) جنرالًا رومانيًا. في حين أنه لا يعرف بالضبط متى بدأ تدريباته القتالية، يُعتقد بأنه قد رافق والده إلى ساحات القتال منذ السادسة عشر من عمره تقريبًا. وبعمر الثمانية عشر أصبح واحداً من القادة الذين يخدمون تحت إمرة والده، حيث قاد الجنود خلال عدة حملات. وقد ذاع صيته بعد معركة (تيسينيوس) في عام 218 قبل الميلاد، عندما قاد حملة انتحارية ضد قوات العدو الذين أطبقوا الحصار على والده. وقد أشار المؤرخ اليوناني) بوليبيوس) إلى شجاعته الاستثنائية وتهوره في تلك المعركة رغم سنه الصغير.

لكن الحظ لم يحالف جيش والده في ساحة المعركة، فشهد العديد من الهزائم الكارثية. هذه الخسائر المبكرة ستلعب فيما بعد دورًا كبيرًا في تطوره كقائد عسكري. فبمجرد ترقيته إلى رتبة جنرال ومنحه جيشًا خاصًا به حين بلغ الخامسة والعشرين من عمره، لم يعرف الهزيمة بعدها.

بعد هزيمته (هانيبال)، أراد الشعب الروماني أن يصبح حاكمه المطلق، لكنه لم يرغب بأي دور في السياسة الرومانية ورفض العرض. استمر في قيادة الجيوش المنتصرة حتى تقاعده عام 187 قبل الميلاد. توفي بعد أربع سنوات عن عمر يناهز 53 عامًا ولا يزال يعتبر واحدًا من أعظم الجنرالات في تاريخ العالم.

8. محمد بن قاسم

كان محمد بن قاسم الثقفي قائداً عسكرياً في عهد الخلافة الأموية، ثاني عصور الخلافة الإسلامية الأربع الكبرى، ينتمي الى قبيلة الثقيف، وقد تعلم فنون القتال والقيادة من عمه، الذي كان أحد الحكام الأمويين في ذلك الوقت، وبعد أن أثبت نفسه في ساحة المعركة، نُصِّب كقائد للجيش ولم يكن قد تجاوز السابعة عشر من عمره بعد.

بهذا الجيش بدأ غزواته التي استهدفت مناطق سينغ والبنجاب على طول نهر السند الواقع في باكستان الحالية، وقد كانت حملته هي الثالثة من نوعها للاستيلاء على تلك المنطقة، بعد إخفاق الحملتين السابقتين، وبالفعل حقق محمد بن قاسم ما لم يستطع الأخرون تحقيقه، إذ قاد جيشه وفتح المدينة تلو الأخرى، وفي غمرة تلك الانتصارات كسب العديد من الحلفاء ما أدى لتضخم جيشه المكون من 6000 جندي في بداية الحملة، حتى بلغ ما قوامه أكثر من 25000.

اشتهر بكونه قائداً عديم الرحمة إزاء أعدائه، على الرغم من صغر سنه، وتتجلى استراتيجيته العسكرية في قتل كل من ينتمي إلى العدو وسجن باقي أسَرِهم، ومنح الأمان للمستلمين الذين تنازلوا ورفضوا قتال جيوشه.

تعزى انتصاراته أولاً الى انضباط قواته، وثانياً الى استخدامه معدات عسكريةٍ متفوقة كمعدات الحصار أو ما يعرف بالقفعة، والقوس المنغولي. وبعد فتحه للمنطقة أنشأ فيها إدارة ناجحة، فيما لم تقابل سياساته إلا بقدر قليل من المقاومة، سبب ذلك أنه قد سمح بممارسة العادات الدينية المحلية مقابل القبول بحكم المسلمين، وفيما كان يعد جيوشه لغزو أخر، حدث تغيير في القيادة الأموية، حيث استدعى الحاكم الجديد جميع القادة، وقد كان يبطن حقداً تجاه محمد بن قاسم حيث تم اعتقاله.

توجد عدة روايات حول كيفية وفاته: فيقول أحدهم إنه قد لُفَّ بجلود الثيران وحمل عبر الصحراء حيث خُنِق، بينما يقول آخر إنه تعرض للتعذيب حتى الموت. ويتفق المؤرخون أنه لم يكن قد تجاوز العشرين عند موته.

9. القديسة جان دارك

لوحة تجسد إعدام جان دارك. صورة: Hermitage Museum

على الرغم من افتقارها إلى القدرات القتالية التي تتمتع بها باقي الشخصيات في هذه القائمة، إلا أنه من المنصف تماماً إدراج (جان دارك) في ترتيب متقدم أمامهم، ذلك بسبب كونها فتاة مراهقة قادت الجيوش في زمن لم تتواجد فيه النساء في ساحات المعارك قط. ولدت (جان) في عام 1412 في قرية فرنسية صغيرة تدعى (دومريمي)، في منزل لايزال قائماً إلى الأن حيث تم تحويله إلى متحف. مع بلوغها الثانية عشر من عمرها، ادّعت أن رؤيةً قد ظهرت لها، تجلى من خلالها القديسون (مايكل) و(كاثرين) و(مارغريت)، وطلبوا منها طرد الإنجليز من فرنسا.

وعند بلوغها السادسة عشر، كانت قد كسبت جمهور البلاط الملكي إلى صفها، حيث تنبأت بانقلاب عسكري سيحدث بالقرب من أورليانز، ما قد حصل فعلاً. أعجب الملك (تشارلز السابع) بطلبها السفر مع الجيش وارتداء زي الفرسان. ولاختبار صحة ادعائها بأن مهمتها ذات طبيعة مقدسة، أُرسلت مع الجيوش لمحاولة رفع الحصار عن مدينة أورليانز، وقد وصلت المدينة في أبريل من عام 1429 ولم يتجاوز عمرها حينئذٍ السابعة عشر. ويستمر الجدال بين المؤرخين عما إذا كانت تقود الجيوش بالفعل أم أنها كانت موجودة فقط من أجل حثِّ الجنود ورفع معنوياتهم، وفي الواقع لم تكن دخيلة على ساحات القتال إذ لم تظهر أدنى شعور بالخوف.

في السابع من مايو، تجاهلت (جان) القرار القائل بانتظار التعزيزات، وقادت هجوماً على المعقل الرئيسي للقوات الإنجليزية (Les Tourelles)، وعلى الرغم من جرحها البليغ في الرقبة إثر إصابتها بسهم، عادت لتقود الحملة الأخيرة بنفسها، حيث انتصرت واعتبرت بطلة المعركة.

ومع هذا النصر، صار يُنظر إليها كبطلة من قبل الجميع. وما لبثت أن قدمت التماساً تطلب فيه قيادة الجيش الفرنسي بغية استعادة العديد من المدن الصغيرة والجسور الرئيسية. وكانت حاضرة في معركة (باتاي) حيث لاقى الإنكليزي هزيمة مذلة. كما لعبت دوراً رئيسياً في الهجوم على باريس، حيث استمرت بقيادة القوات رغم اصابتها بسهم في قدمها، وكان لها دور بارز في الاستيلاء على العديد من المدن الأخرى خلال العام التالي، كما منيت ببعض الهزائم.

مع بلوغها الثامنة عشر، سافرت إلى مدينة (كومبين) في شهر مايو من عام 1430 لكي تقدم العون في الدفاع عن المدينة المحاصرة من قبل الإنجليز والبرغنديون. ثم أمرت بالانسحاب لأن العدو كان متفوقاً من حيث العدد، ونالت التكريم باعتباره آخر من يغادر ساحة المعركة. لكن البرغنديون الذين أطبقوا الخناق حولها، تمكنوا من أسرها في نهاية المطاف.

حاولت الفرار عدة مرات، قبل أن يتم بيعها إلى الإنجليز، الذين اتهموها وأدانوها بالهرطقة قبل أن تعاقب بالحرق على وتد في عمر التاسعة عشر. أفاد شهود العيان، أنها لم تُظهر أدنى شعور بالخوف لحظة إعدامها. كما أعلن الجلاد (جيوفروي ثيرج) بأنه ”خشي بشدة أن يُلعَن إلى الأبد“. في 16 مايو 1920 اعتُبرت (جان دارك) قديسة من قبل الكنيسة الكاثوليكية على يد البابا (بينديكت الخامس عشر)، وأصبحت منذ ذلك الحين واحدة من أكثر القديسين شعبية.

10. الإسكندر الأكبر

وجود (الإسكندر الأكبر) على رأس هذه القائمة لربما لا يفاجئ أحد. ولد في عام 356 قبل الميلاد وكان ابن الملك المقدوني (فيليب الثاني)، أرسِلَ في الثالثة عشر من عمرها إلى مدينة (ميزا) ليلقى تعليمه على يد الفيلسوف اليوناني (أرسطو) برفقة عدد من الزملاء أمثال (بطليموس) و (هيفاستيون) و (كاساندر)، ومع بلوغه السادسة عشر، عاد إلى مقدونيا كوصي على العرش بينما كان والده يشن حربًا على بيزنطة. في هذا الوقت قام (الإسكندر) بأول عمل عسكري له حين قاد قوة صغيرة ضد (ثراسيان مايدي) الذي وجد في غياب الملك فرصة للتمرد. قلل (المايديون) من شأن الأمير الفتي ما أدى لهزيمتهم وطردهم من أراضيهم.

كان هذا الانتصار فاتحة لسلسلة عظيمة من الانتصارات التي سيحققها (الإسكندر) فيما بعد. في عمر السابعة عشر، أرسله والده الملك على رأس جيش صغير، لقمع الثورات التي نشبت جنوب منطقة (تراقيا)، وهذا ما فعله بسهولة، وفي السنة التالية، انضم جيش الملك (فيليب) إلى جيش (الإسكندر) وغزوا معاً مدينة (إيلاتيا). بعد ذلك جاء الدور على مدينتي أثينا وطيبة المتحالفتين، واللتان التقتا بجيش الملك (فيلب) و(الإسكندر) في معركة (تشارونيا)، حين خدع المقدونيون أعداءهم بانسحاب مزيف، وحققوا النصر بعد ذلك. ومع هذا الانتصار، استسلمت جميع المدن اليونانية (باستثناء إسبرطة) لتشكل فيما بعد ما سمي بالتحالف الهيليني.

بعد عامين من ذلك، اغتيل الملك (فيليب) على يد قائد حرسه الشخصي. أيد كل من النبلاء والجيش حق (الإسكندر) كملك شرعي، حيث نصّب على العرش في عمر العشرين، بدأ حكمه بشيء من البطش، إذ أزاح جميع المنافسين المحتملين على العرش عن طريقه. عندما وصلت أخبار وفاة الملك (فيليب) إلى المدن اليونانية، سرعان ما انتفضوا. حيث لم يكلف الأمر سوى 3000 جندي من سلاح الفرسان المقدوني لإخضاعهم.

في سن الحادي والعشرين، كان (الإسكندر) يستعد لحملته العسكرية الأولى. في الواقع يلزم الكثير من الصفحات للحديث عن مأثره وعبقرتيه العسكرية. فقد تفوق مرتين على جيوش الإمبراطورية الفارسية الضخمة والذين يفوقون جيوشه من حيث العدد بمقدار الضِّعف وخرج منتصرا في معارك (إسوس وغوغاميلا)على الرغم من أنه لم يتجاوز منتصف العشرينات من عمره في تلك المرحلة. بحلول وقت وفاته في سن 32 ، كان قد غزا معظم مناطق العالم القديم. فيما يعتبره كثيرون اليوم أعظم قائد عسكري في كل العصور.