in

عندما كان موسوليني يعتبر حامي الإسلام وسيفه

(بينيتو موسوليني) يلوح بـ”سيف الإسلام“ قرب طرابلس، في ليبيا.

في ثلاثينيات القرن الماضي؛ كانت المنطقة العربية منهكة تماماً، فالسلطنة العثمانية كانت قد سقطت قبل أكثر من عقد تاركت مناطق واسعة كانت تحت حكمها لتصبح محكومة من قبل القوى الأوروبية، ومع أن معاهدة (فيرساي) عام 1919 كان من المفترض أن تأتي بنتائج مرضية للجميع، فالواقع أن العديد من الأطراف لم تكن راضية حقاً، كون مطالبها كان قد تم تجاهلها، ومن بين هذه الأطراف كان العرب من جهة، ودول المحور لاحقاً من الجهة الأخرى.

مع تنامي القوى الفاشية في أوروبا خلال الثلاثينيات مع صعود (هتلر) في ألمانيا و(موسوليني) في إيطاليا؛ كان كل من هذين البلدين يبحث عن أي موارد إضافية تفيد في أي خلاف لاحق مع كل من فرنسا وبريطانيا، التان كانتا تسيطران على حوض المتوسط بشكل شبه كامل حينها. وبينما كانت ألمانيا مجردة من مستعمراتها في ذلك الوقت، فقد كان الإيطاليون لا يزالون يمتلكون بعض الخيارات، وأهمها ما كان حينها ”الساحل الرابع لإيطاليا“ أو ما يعرف اليوم بكونه دولة ليبيا.

على الرغم من أن احتلال إيطاليا لليبيا لم يتم بسهولة مع مقاومة عنيفة استمرت قرابة عقدين، فبالوصول إلى الثلاثينيات كانت المقاومة قد سحقت بالكامل، وحتى أن الموقف الشعبي تجاه الإيطاليين كان قد تحول نحو التفضيل حتى، ومع تحويل ليبيا إلى جزء من التاج الإيطالي حينها؛ سرعان ما بدأ الفاشيون محاولاتهم لجذب اهتمام الليبيين والظهور كحليف لهم، وبالنتيجة تحول الفاشي الشهير (موسوليني) إلى ”حامي الإسلام“، وحتى أنه منح سيفاً فخرياً باسم ”سيف الإسلام“.

كيف أصبح موسوليني هو حامي الإسلام؟

على الرغم من أن الوجود الإيطالي في ليبيا لم يكن مرحباً به حقاً، حيث كان الاعتراض الأساسي من الثوار هو أن يحكموا من شخص غير مسلم، لذا وبعد إخماد الثورة الليبية بشكل دموي؛ حاول الإيطاليون اتباع أسلوب جديد لاستمالة الليبيين، حيث كانت ليبيا حينها مورداً مفيداً للغاية لهم، فهي تقدم ساحلاً إضافياً للدولة الإيطالية وتشكل موطئ قدم يسمح بمواجهة الإنجليز في مصر من جهة، والفرنسيين في الجزائر وتونس من الجهة الأخرى، والأهم ربما: يمكن استخدام الليبيين كجنود في أية نزاعات لاحقة.

للوصول إلى غايته؛ بدأ (موسوليني) حملة كبيرة لاستمالة الليبيين، حيث أتاح الجنسية الإيطالية لبعضهم –لكنها كانت محدودة للغاية وتجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية– مخالفاً بذلك الاتفاقية مع الفاتيكان، والتي كانت قد حددت الكاثوليكية كالدين الوحيد لإيطاليا، وحتى أنه قام بإعادة إعمار العديد من المساجد ومدارس القرآن، وحتى أنه افتتح ”مدرسة للثقافة الإسلامية“ في طرابلس وأقام عدة خدمات للحجاج الليبيين المتوجهين نحو مكة.

مع التصرفات ذات الظاهر الإيجابي من (موسوليني)؛ نجح الأمر باستمالة الكثير من الليبيين وبالأخص على طول الساحل الليبي، ومع اعتبار نفسه استمرارية للخليفة العثماني حينها فقد أطلق على نفسه لقب ”حامي الإسلام“ وسط مباركة من العديد من القادة الليبيين حينها، ولجعل الأمر رسمياً أكثر فقد مُنح موسوليني سيفاً فخرياً صنع خصيصاً لهذه الغاية باسم ”سيف الإسلام“، وذلك في ضواحي مدينة طرابلس عام 1937.

(بينيتو موسوليني) يلوح بـ”سيف الإسلام“ قرب طرابلس، في ليبيا.
(بينيتو موسوليني) يلوح بـ”سيف الإسلام“ قرب طرابلس، في ليبيا.

تضمنت مراسم منح ”سيف الإسلام“ إلى (موسوليني) احتفالات كبرى في العاصمة الليبية، حيث دخل (موسوليني) على رأس قوة من 2600 جندي على ظهر الأحصنة وسط إطلاق مدافع احتفالي، وفي خطاب ألقاه حينها؛ أكد (موسوليني) على النوايا الحسنة له تجاه ليبيا مثل السلام والعدل وحتى احترام الشريعة الإسلامية، لكنه بالطبع لم يتحدث عن الغاية الأساسية حينها وهي استخدام الليبيين لاحقاً كجنود في الحرب العالمية الثانية، تماماً كما كان يفعل العثمانيون قبلها.

سيوف الإسلام الآخرون

بالنسبة لمراقب خارجي؛ قد يبدو وجود (موسوليني) إلى جانب لقب ”حامي الإسلام“ أمراً غريباً للغاية، لكن (موسوليني) ليس الشخصية الوحيدة التي بات العديد من المسلمين ينظرون لها بنظرات تقديس حتى في بعض الحالات لأسباب متعددة، حيث أن ثقافة التقديس المتجذرة في الدماغ البشري كثيراً ما تخرج عن نطاقها المعتاد نحو مجالات أخرى. وبينما يكتفي الكثيرون بتقديس دكتاتور يحكمهم بشكل مباشر، فحالة اليأس كثيراً ما تقود البعض للنظر إلى شخصيات أخرى.

واحدة من أشهر هذه الشخصيات اليوم مثلاً هي الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان)، والذي تحول في نظر الكثيرين إلى قائد إسلامي عظيم وشبه مقدس حتى، ومع كون (أردوغان) مسلماً أصلاً فهو لم يحتج حتى لأساليب الاستمالة التي استخدمها (موسوليني) وسواه، بل أن بعض الخطب الرنانة والكلمات المرمية في الهواء كانت كافية لتحويل مسيرته في تعميق سلطته وتحوله إلى دكتاتور في تركيا لتبدو وكأنها مسيرة لقائد، ينصر الدين الذي يبدو أن جميع الآخرين أذلوه.

بالطبع فالحالات الجماعية لتقديس (أردوغان) اليوم أو (موسوليني) سابقاً ليست فريدة من نوعها إذا نظرنا إلى جماعات أصغر، ففي بداية حرب العراق مثلاً كان الكثير من العراقيين ينظرون للرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن) كبطل عظيم كونه خلصهم من (صدام)، وحتى أن واحدة من أشهر القصص حينها كانت قيام عراقي بتسمية ابنه تيمناً بـ(بوش الابن) قبل أن يبدأ الموقع العام بالتغير تجاه الغزو الأمريكي حينها.

بنفس الشكل فالمستشارة الألمانية (أنجيلا ميركل) باتت أشبه بقديسة لدى الكثير من السوريين اللاجئين من الحرب الأهلية، وحتى رئيس الوزراء الكندي (جستن ترودو) نال حصته من التقديس دون أن يحتاج لفعل شيء حقاً، وذلك بقيام لاجئ سوري إلى كندا بتسمية ابنه على اسم (ترودو) ربما أملاً بالشهرة أو معاملة مميزة.

جاري التحميل…

0