معلومات عامة

تجارب غريبة قام العلماء بتطبيقها على أنفسهم للاختبار

لدغات 200 ألف من بق الفراش

البحث العلمي واحد من أكثر الأمور الشائكة عبر التاريخ، فمع أن الأمر بات اليوم منظماً إلى حد بعيد مع معرفة الجميع بأهميته ووجود طرق لتشجيع الأشخاص على المشاركة في التجارب (المال هو واحد من أبرزها بالطبع) فالأمر لم يكن دائماً كذلك، وفي الكثير من الأحيان كان العلماء يجدون أنفسهم مكتفي الأيدي لعجزهم عن تطبيق نظرياتهم واختبارها في الواقع، بسبب غياب وجود أشخاص يقبلون القيام بهكذا مغامرة.

الحل البسيط في العديد من الحالات كان قيام العلماء باختبارات على أنفسهم أو بتجارب يكونون هم عينة الاختبار والمختبرين في نفس الوقت، على أي حال فنحن لن نتحدث عن كل التجارب التي وضع العلماء أنفسهم ضمنها (فالعدد والأمثلة أكثر بكثير من أن نستطيع إحصائها)، بل سنتناول بعضاً من التجارب الغريبة وأحياناً المقززة، والتي قام بها العلماء على أنفسهم وأحياناً دون حاجة حقيقية لها.

طعن العديد من العلماء أنفسهم بإبر ضخمة في مناطق هشة أصلاً

العالم الشهر إسحق نيوتن

بالإضافة لعمله العظيم في الجاذبية وفيزياء الحركة والرياضيات، ففقد كان العالم الشهر إسحق نيوتن مولعاً جداً بالضوء وتأثيرته وانكساره في الموشور الزجاجي، وأراد إجراء التجارب عليه بكل الطرق الممكنة.

يخشى العديد من الأشخاص الإبر الطبية بكافة أنواعها ويخشى عدد أكبر الإبر الطبية الضخمة (وأنا منهم)، لكن العالم الشهير إسحق نيوتن لم يكن منهم.

نيوتن معروف بكونه مكتشف الجاذبية الأرضية ومقدم أول قانون تقريبي لحسابها، لكن في الواقع فتشكيلته من الإنجازات كانت أكبر بكثير من ذلك، فقد وضع أسس التفاضل والتكامل (التي أسست الرياضيات الحديثة) ووضع قوانين الحركة التي لا زلنا نستخدمها حتى اليوم ولا زالت تحمل اسمه بالطبع، كما أن اسمه مرتبط بالموشور الذي يكسر الضوء ويحلله إلى ما يشبه قوس قزح.

لم تتوقف تجارب نيوتن مع الضوء عند تمريره بالموشور فقط، فطريقة رؤية العين للألوان كانت أمراً مذهلاً جداً بالنسبة له، لذا فقد تشجع للقيام بتجارب أكثر جرأة، وبأكثر جرأة أعني أكثر جنوناً، فلمعرفة تأثير الضغط على العين برؤية الألوان قرر نيوتن وضع ما يشبه إبرة معدنية في عينه وإدخالها بين كرة العين ومحجرها لمعرفة تأثير الأمر على رؤيته للألوان، وكونه عالماً يهمه أن التجربة -لتحقق الدقة- يجب أن تكون قابلة للتكرار (وربما لرفع مستوى كوابيس من يقرأ هذه السطور كذلك) فقد قام بتكرار الأمر لمرات عديدة مع مستويات وأماكن مختلفة من الضغط.

في الواقع، لم يكن نيوتن الوحيد الذي يمتلك هواية غرز أشياء حادة في جسمه، ففي الثلاثينيات قرر العالمان (توماس لويس) Thomas Lewis و(جوناس كيلجرن) Jonas Kellgren الاختبار على مصدر الألم وطريقة توزعه في الجسم (مثل الألم الذي يصيب اليد اليسرى عند الأزمة القلبية، فالألم يظهر في اليد بينما مصدره الذراع)، لذا فقد قاما بتجربة هي حقن سائل ملحي في مختلف مناطق جسميهما لدراسة تأثيرها وبالأخص في الأنسجة العضلية، والنتيجة بالطبع كانت ألماً مبرحاً وشديداً، لكن كل هذا الألم لم يكن كافياً ليثني العالمين عن مسعاهما حيث قاما بزيادة الأمر بمحاولة الحقن في العظام بدلاً من العضلات، ومع كون الإبرة التي يمتلكانها لم تكن كافية لثقب العظم، فقد استخدما شريطاً معدنياً لحفر ثقب في عظم فك (كيلجرن) ومن ثم حقنه، لم تكن هذه التجربة المجنونة دون فائدة (لحسن الحظ) بل أنها حملت فائدة كبرى وساهمت بشكل كبير بطريقة فهم الأطباء لآلية عم الألم في أجسامنا اليوم.

قام العالم (جورج ستراتون) قام بقلب عالمه رأساً على عقب (بشكل حرفي)

بالطبع فالنظارات التي استخدمت في التجربة لم تكن بهذا الشكل تماماً كونها صنعت منذ وقت طويل، لكنها كانت تمتلك نفس التأثير تماماً من حيث الصداع والإحساس بالتوهان وفقدان القدرة على تمييز الموقع والاتجاهات.

في حال كنت لا تزال تتذكر كتب علم الأحياء في المدرسة، فواحدة من لأمور التي تذكر دائماً عند الحديث عن العين البشرية هي أنها تستقبل الصورة مقلوبة بسبب آلية عمل عدسة العين، وبالتالي فالانطباع الذي يصل للشبكية يكون مقلوباً ويتم تصحيحه لاحقاً في الدماغ لنرى الأمور كما هي في الواقع.

كان هذا الأمر مذهلاً للغاية بالنسبة للعالم (جورج ستراتون) George Stratton، فقد كان مفتوناً بفهم آلية تعامل الدماغ مع الصور وتعديله لها، وكونه كان يعيش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ فخيارات التجارب لم تكن مفتوحة أمامه حقاً، لذا فقد فعل كما غيره وعمل التجارب على نفسه.

قام ستراتون باختراع نظارة خاصة مهمتها قلب كل ما يشاهده رأساً على عقب، فالأعلى بات في الأسفل واليمين بات في اليسار، وذلك لمعرفة تأثير الأمر على النظر لديه وعلى إدراك دماغه للأمور التي يراها، كانت مدة التجربة 8 أيام وقام بتطبيقها في البداية على العينين معاً، لكن الأمر كان مجهداً جداً لعينيه وتسبب بتشوش بصره وضعف قدرته على الإدراك مع ألم شديد لم يكن يستطيع تحمله، لذا قرر القيام بالتجربة على عين واحدة فقط وذلك بوضع رقعة سوداء فوق إحدى عينيه، حتى أنه كان ينام مع عصبة تغلق عينيه تماماً لألا يستخدم بصره بالشكل العادي في أي وقت.

وفق (ستراتون)، فالتجربة تسببت بتشويش كبير للعالم حوله وجعلته يفقد إدراكه له تقريباً، كما أنه ادعى أن الآثار كانت تتسبب بـ”تجربة الخروج من الجسد“ عندما لم يكن بصره يطابق ما يحس به حوله، لكن بعد نهاية التجربة فقد عاد ليبصر العالم بشكل طبيعي مجدداً.

تعامل العديد من العلماء مع الفضلات والمفرزات البشرية، وحتى أكلوها

مرض Prllagra

قمت باستخدام صورة مرسومة للتوضيح بدلاً من صور حقيقية لمرض Prllagra، لأن مظهر المصابين به سيء جداً ولا يناسب ذوي القلوب الضعيفة.

في بداية القرن العشرين ظهر مرض باسم بلاغرا (Pellagra) في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، وسرعان ما انتشر المرض بشكل كبير مصيباً عشرات الآلاف من الأشخاص مع أعراض شديدة تتضمن الإسهال والخرف وتشقق الجلد وتقشره ونزيف بشكل كبير، لم تكن الأعراض بسيطة وكان المرض فتاكاً كفاية بحيث كانت نسب الوفيات تصل حتى 40٪ من المصابين مما جعل المرض أمراً خطيراً جداً، كان هذا المرض لسبب ما مشابهاً لمرض Grayscale الخيالي المعروف في مسلسل Game of Thrones الشهير.

قامت الحكومة الأمريكية بتوكيل الطبيب (جوزف غولدبرغر) Joseph Goldberger بالبحث في سبب المرض وعلاجه، ومع ملاحظته أن المرض يظهر لدى السجناء في السجون دوناً عن السجانين، كما أنه لا ينتقل من المرضى إلى الأطباء والممرضين الذين يعتنون بهم، مما دفع (غولدبرغر) للاستنتاج بأن المرض إذاً بيئيا وليس جرثومياً أو فطرياً، لكن الأمر لم يكن بسيطا لإقناع المسؤولين وحتى العامة بطبيعة المرض، فنظرية الأمراض الناتجة عن الجراثيم كانت ضمن فترة أوج انتشارها حينها، وبات كل شيء يربط بها سواء تعلق بها أم لا.

أجرى (غولدبرغر) العديد من التجارب لإثبات أن نقص التغذية السليمة هو مسبب المرض، ومع أن تجاربه أثبتت مرة بعد مرة أن التغذية السيئة تتسبب بالمرض والحمية المتوازنة تعالجه تماماً فقد تم تجاهل نتائجه ومحاولة معالجة المرض بالصادات الحيوية بدلاً من التغذية المتوازنة.

دفع هذا الأمر (غولدبرغر) لأمور متطرفة أكثر لإثبات أن المرض غير معدٍ، حيث حقن نفسه وزوجته ومجموعة من المتطوعين بدماء ومفرزات من أشخاص مرضى، وحتى أنه قام بتناول كميات من براز ومفرزات المرضى لإثبات عدم عدوى المرض، ولكن دون فائدة.

لسوء حظ (غولدبرغر)، فالأمر احتاج سنوات عديدة لاحقة ليتم اكتشاف أن المرض ناتج عن نقص فيتامين B وبعض الأحماض الأمينية (بالتحديد Niacin) ويتم علاجه بإضافة هذه المغذيات على الحمية، لكن ذلك كان بعد وفاة (غولدبرغر) بأكثر من 10 سنوات.

لم تكن حالة (غولدبرغر) الوحيدة، ففي القرن التاسع عشر وعند انتشار مرض الحمى الصفراء والذعر الناتج عنه كان المعروف أن المرض معدٍ، لكن العديد من الأطباء لم يكونوا يصدقون بكونه معدياً ومن بينهم طبيب فرنسي اسمه Jean Louis Genevieve Guyon، ومع أننا نعرف الآن أن المرض لا ينتج عن لدغة من بعوضة خاصة، فالأمر لم يكن معروفاً حينها.

على أي حال فـGuyon كان مقتنعاً تماماً أن المرض لا يعدي بالطرق التقليدية وبالتالي فلا حاجة لعزل المرضى تماماً، ولهذه الغاية قام بارتداء ملابس متسخة ومتخمة بعرق وقيء مريض توفي حديثاً لإثبات وجهة نظره، وعندما وجد أن الأمر ليس كافياً قام بالنوم فوق سرير مريض سابق ممتلئ بالأوساخ والمفرزات و”مرمغا“ نفسه فيه للتأكيد على عدم عدوى المرض، حيث احتفظ بصحة تامة طوال تجاربه.

حالة أخرى إضافية هي حالة الطبيب الإيطالي (جيوفاني باتيستا غراسي) Giovanni Battista Grassi الذي كان طبيباً لامعاً في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذي حصل على ميدالية دارون (واحدة من أعلى الجوائز في مجال الأحياء) بسبب أبحاثه في عدة أمور واحدة من أهمها الملاريا، لكن الحالة التي نتحدث عنها هنا هي بحثه بخصوص الديدان الشريطية، حيث أنه عثر على ديدان شريطية أثناء تشريحه لأمعاء مريض متوفٍ حديثاً، وقرر تجربة فرضية منتشرة وقتها بأن بيوض الديدان الشريطية تحتاج لمرحلة انتقالية في مضيف آخر قبل أن تتمكن من إصابة البشر مجدداً، لذا فقد قام بتناول بيوض الديدان الشريطية (التي تطرح مع البراز البشري) بشكل مباشر لتجربة الأمر علة نفسه. تمكن لاحقا من إثبات أن البيوض لا تحتاج لمضيف وسيط لتصيب البشر بعد أن أصيب هو بالديدان الشريطية بعد أسابيع من تناوله للبراز.

قام (جوزف باركروفت) Joseph Barcroft بتجربة الأسلحة الكيميائية على نفسه

جوزف باركروفت Joseph Barcroft

بعد أن جرب سيانيد الهيدروجين على نفسه، نجا باركروفت دون أي ضرر حقيقي، وعاش لثلاثة عقود بعدها ليموت أخيراً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الأولى شهد العالم واحداً من أكبر سباقات التسلح في تاريخه، وبعد أن كانت المعارك تجري عن ظهور الخيل وببنادق بدائية، انتقل الأمر إلى دبابات وطائرات قتالية وأسلحة رشاشة، لكن كل هذا لم يكن هو نتاج الحرب الوحيد، فالأسلحة الكيميائية ولدت بشكل فعلي خلال هذه الحرب، وكان غاز الخردل واحداً من الأسلحة الفتاكة التي استخدمها الألمان بفعالية عالية مما أجبر البريطانيين على محاولة اختراع أو إيجاد سلاح كيميائي خاص بهم يوازن الكفة مقابل التفوق الألماني.

وقع الخيار على حمض سيان الهيدروجين المنحل في الماء، وبدأ البريطانيون ببناء مصنع يكلف مليون دولار تقريباً (24 مليوناً بأسعار اليوم) مهمته الوحيدة هي صنع قذائف مملوءة بحمض سيان الهيدروجين لتدمير القوات الألمانية، بالطبع ففي الحرب العالمية الأولى كان السلاح الكيميائي لا يزال حديثاً جداً ولم يحظر بعد (في الواقع، أتى حظره كنتيجة مباشرة لاستخدامه في الحرب العالمية الأولى).

كان (باركروفت) من بين العلماء المساهمين في تطوير سلاح بريطانيا الكيميائي، وكان يمتلك اعتراضات على التركيبة المستخدمة؛ ليس لكونها قاتلة ومؤذية بشدة، بل لأنها ليست مميتة بما فيه الكفاية.

لهذه الغاية قام (باركروفت) بالتجربة على نفسه حيث دخل إلى غرف مصمتة برفقة كلب لتجربة تأثير الغاز ضمن حالة قريب لتأثيره أثناء القصف، وبعد حوالي دقيقة ونصف كان الكلب قد مات، لكن باركروفت خرج سليماً مع بعض الدوخة والغثيان والتشوش فقط لا أكثر مثبتاً أن السلاح ليس قوياً كفاية، ما أدى إلى إلغائه نهائياً والتوقف عن تطويره كذلك.

تعرضت عالمة بيولوجيا للدغات 200 ألف من بق الفراش طواعيةً

لدغات 200 ألف من بق الفراش

قرصة واحدة من هذه الحشرات المزعجة كافية لجعل الشخص يستمر بالحكة لوقت طويل وتسبب إزعاجاً كبيراً، لكن بالنسبة لمن يمتلك مناعة ضدها، فالأمر مختلف للغاية.

بق الفراش هو واحد من أكثر أنواع الحشرات إزعاجاً وأذىً كذلك، فهذه الحشرة تتغذى على الدماء البشرية وتعيش في المنازل ضمن المفروشات وتتكاثر بسرعة رهيبة، بحيث أن واحدة منها فقط من الممكن أن تتسبب بتضاعف العدد ضمن منزل بأكمله خلال أسابيع فقط من إفلاتها.

تتسبب لدغات هذه الحشرات بحكة شديدة وتورم، لكن لحسن حظ العالمة Regine Gries فهي منيعة إلى حد بعيد ضد لدغات هذه الحشرات، ومقابل الحكة الشديدة والتورم الكبير الذي يعاني منه الآخرون، فالأمر لا يزيد عن حكة خفيفة وتورم بالكاد يرى يزول تماماً بعد ساعتين فقط.

يعمل كل من العالمة Regine Gries وزوجها في جامعة قرب مدينة فانكوفر الكندية، ويعملان منذ سنوات على إيجاد حل للتخلص من بق الفراش من المفروشات المنزلية دون الحاجة لاستخدام المبيدات الحشرية أو رمي المفروشات نهائياً، فالغاية هي صنع مادة تجذب بق الفراش أكثر من الدماء البشرية، وكما أي تجارب أخرى فالعينات هنا (وهي علب صغيرة تحوي كل منها حوالي 200 حشرة) تحتاج للتغذية للاستمرار بالتجارب عليها، ومع أن العالمة وزوجها كانا قد حاولا تجربة حيوانات لتغذيتها، فدماء الدجاج كانت سامة، واستخدام خنازير غينيا كان مكلفاً ومتعباً في نفس الوقت.

مع كون الخيارات الأخرى غير عملية، تم اختبار خيار جديد: أن تقوم بتغذية هذه الحشرات بدماء بشرية، ومع كون التجربة أظهرت انها تعاني من أعراض مخففة جداً تجعلها شبه منيعة، بينما زوجها يعاني من تأثيرات أكبر بكثير، فقد باتت العالمة هي مصدر تغذية هذه الحشرات، وطوال السنوات منذ عام 2006 حتى الآن تقوم كل يوم سبت بجلب العلب الصغيرة التي تحوي بق الفراش ووضعها على ساعدها لتتغذى من دمائها، لتعيدها إلى علبها لاحقاً حتى الأسبوع التالي.

قام الجراح August Bier بتجربة طريقة تخدير مبتكرة على نفسه وعلى مساعده

الجراح August Bier

إنجاز Bier بحقن الكوكايين في السائل الشوكي انتشر بسرعة كبيرة لاحقاً، واستخدم لمدة من الزمن على نطاق واسع في التخدير.

بالوصول إلى نهاية القرن التاسع عشر، كان الطب متخلفاً جداً إذا ما قارناه بالطب الحديث الناتج عن الثورة التقنية والعلمية، وواحد من أكثر الحالات التي كانت تحتاج للتجديد في طب تلك الحقبة هو طرق التخدير لجعل العمليات الجراحية أسهل وأكثر قابلية للنجاح.

في عام 1898 كان الجراح الألماني August Bier واثقاً من أنه اكتشف أسلوباً جديداً للتخدير يتضمن استخدام جرعة صغيرة من الكوكايين وحقنها ضمن التجويف الشوكي ضمن العمود الفقري للتسبب بالتخدير العام للمريض.

للتأكد من كون الطريقة فعالة حقاً على البشر، قرر Bier تجربتها على نفسه في البداية، لكن خطأً في المعدات واستخدامها تركه مع ثقب في رقبته يتسرب منه سائله الشوكي، وكان من الواجب العثور على أحد آخر للتجربة، لذا فقد قلب الجراح ومساعده الأدوار وتقرر تنفيذ التجربة على المساعد وحقن الكوكايين إلى سائله الشوكي. نجحت التجربة وتخدر المساعد تماماً، وللتأكد من ذلك قام Bier بالتجربة عليه بطعنه، وضربه بمطرقة وحتى حرقه في بعض المناطق وشد شعر عانته.

لم توقظ أي من تصرفات Bier مساعده، وبالنتيجة كانت التجربة ناجحة على الرغم من معاناة المساعد للعديد من الإصابات وحاجته لأسابيع للتعافي من التعذيب الذي تعرض له أثناء تخديره.

انتشر لاحقاً التخدير بالحقن إلى السائل الشوكي بسرعة، لكن علاقة Bier بمساعده انحدرت إلى حد بعيد، حيث أصبح المساعد واحداً من أشد معارضي Bier وحتى أنه أنكر اكتشاف Bier للطريقة.

جرب العالم J. B. S. Haldane ضغط الغازات على نفسه مؤدياً إلى ثقب أذنه

العالم J. B. S. Haldane

نفث دخان السيجارة من الأذن أمر غريب بالتأكيد، لكن لا يمكن وصفه بإنجاز اجتماعي، وبالتأكيد فهو لا يستحق خسارة السمع في إحدى الأذنين.

قبل تجارب Haldane، كان والده قد قام بالعديد من التجارب والدراسات على التأثيرات الفزيولوجية على الغطاسين البحريين خلال الجزء الأول من القرن العشرين، وبينما كانت تجارب John Scott Haldane قائمة على الملاحظة والقياسات على عينات التجارب، فقد أراد Haldane الابن أسلوباً مباشراً أكثر لتجاربه المبنية على عمل والده، وبدلاً من المراقبة والقياس فقد كان يجري التجارب على نفسه محققاً في تأثير الكثير من الأمور ودافعاً ثمناً باهظاً بالنتيجة.

كان واحد من أهم نقاط البحث الخاصة بـHaldane هي سلامة البحارين ضمن الغواصات المصابة، لذا فقد قام بتجربة العديد من الغازات لمعرفة الاختلافات في الضغط المحيط ضمن غرف ضغط محكمة الإغلاق، ومع أن أبحاثه وتجاربه هذه قادت إلى الكثير من التحسن والتقدم في معدات التنفس تحت الماء للغواصين ومعدات التهوية في الغواصات، فقد دفع ثمناً باهظاً مع معاناته من نوبات دورية بسبب التسمم بالأوكسجين (والذي يحصل عند تنفس هواء غني جداً بالأوكسجين) كما أنه عانى من تمزق غشاء الطبل في إحدى أذنيه.

على عكس المتوقع، لم يكن Haldane مهتماً جداً لتأثيرات تجاربه عليه، فقد كان يمزح بشكل متكرر حول غشاء الطبل المثقوب في أذنه، مصراً على أنه يشفى بشكل تلقائي، وحتى لو لم يشفى فهذا الثقب يترك المجال لنفث دخان السجائر من الأذن، وهذا بحد ذاته ”إنجاز اجتماعي“.

الكيميائي Albert Hofmann وعقار LSD

الكيميائي Albert Hofmann وعقار LSD

المرة الثانية التي قام فيها Hofmann بتجربة LCD أدت إلى هلوسات أصابته بينما كان يقود دراجته الهوائية في طريقه إلى المنزل، ومنذ حينها تعلق بالعقار إلى حد بعيد.

خلال الأربعينيات وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تدمر أوروبا بمعظم مناطقها، فموقف سويسرا المحايد وتجنبها للغزو النازي من ناحية، وتدخل الحلفاء من الناحية الأخرى ترك الفرصة للبلاد لتستمر بحياة شبه طبيعية مقارنة بما يدور في كل مكان حولها ضمن أوروبا.

خلال تلك الفترة كان الكيميائي Hofmann يقوم بتجاربه على أحد أنواع الفطريات، ويدرس التأثيرات الدوائية المحتملة للمواد التي من الممكن إنتاجها أو اشتقاقها منه، وبالصدفة اكتشف عقار LSD الشهير اليوم وقام بتجربته دون أن يدري.

خلال عزل الكيميائي للمركب انسكب بعض منه على أطراف أصابعه، وسرعان ما دخل في ما بات يعرف لاحقاً بـ”رحلة حمضية“ حيث أدى المركب إلى الآثار المعروفة اليوم بكونها تتضمن الهلاوس والأحلام الحية جداً بالإضافة لإحساس باليوفوريا.

بعد التجربة التي أتت بالصدفة، قام Hofmann بعدة تجارب أخرى قام فيها بتعاطي العقار بعدة أشكال لدراسة تأثيراته المحتملة، ومع الوقت بدأ بالترويج للعقار كدواء من الممكن استخدامه في الطب والتحليل النفسي لعلاج بعض الحالات، واستمر بتعاطيه بانتظام حتى وفاته.

حالياً، تشير الدراسات إلى أن عقار LSD من الممكن أن يكون له بعض التأثيرات والفوائد في مجال ضيق جداً من الطب والتحليل النفسي، لكن أياً كانت تأثيراته النفسية، فشهرته الأساسية هي وسط المخدرات والحفلات عموماً، خصوصاً مع انتشار استخدامه عبر القرن العشرين بين الفرق الموسيقية كـ”محرض للإبداع“ والأفكار الجديدة.

جدير بالذكر أن Hofmann لم يكن وحيدا في تجربة المخدرات ذات التأثيرات النفسية والعقلية على نفسه، فقد اشتهر الكيميائي الأمريكي Alexander Shulgin بتجربته لعقار MDMA (ما يعرف اليوم باسم اكستاسي) على نفسه ويعد السبب الأساسي لاستخدامه لمدة من الزمن في الطب النفسي.

بالإضافة لـShulgin، فقد اشتهر عالم النفس Timothy Leary (والذي كان يُدرِّس ف جامعة Harvard الشهيرة) بتعاطيه المفرط لـLSD، وحتى طرده من عمله لاحقاً بسبب ترويجه للمخدرات كطريق سريع إلى ”التنور الروحي“.

تناول الطبيب Barry Marshall البكتيريا بشكل مقصود

تكريم الطبيب Barry Marshall

التقيؤ المستمر وألم المعدة هي أمور لا يريد أحد تجربتها بالطبع، لكن مع شرف كبير مثل جائزة نوبل الشهيرة (وأكثر من مليون دولار نقداً ضمن الجائزة) فالأمر يستحق بالنسبة لمعظم الاشخاص.

نهاية القرن لعشرين، كان Marshall لا يزال طبيباً متدرباً، لكنه كان واثقاً تماماً من أن المؤسسة الطبية العالمية بأكملها مخطئة عند الحديث عن أسباب القرحة المعدية، فالمعلومة المتعارف عليها كانت أن الأسباب الأساسية لها هي نمط الحياة وأنواع الطعام الذي يتم تناوله، لكن Marshall وزميله عالم الأمراض Robin Warren كانا مقتنعين بأن السبب هنا هو مرض ناتج عن بكتيريا Helicobacter Pylori، لذا فقد خططا لتجربة فرضيتهما.

مع هكذا فرضية فالطريقة الأفضل للإثبات هي تجربة إحداث عدوى بالبكتيريا المذكورة أعلاه ومراقبة تطور تأثيرها مع الوقت، لكن Marshall رأى أن هكذا تجربة لا يمكن إجراؤها إلا على نفسه، لأن أي شخص آخر لن يكون مدركاً تماماً للتجربة والأخطار الممكنة لها، ومع كون معظم اللجان الأخلاقية في المستشفيات تحظر التجربة على النفس فقد قام Marshall بإخفاء الأمر عن اللجنة الأخلاقية في المشفى الذي يعمل ضمنه، وحتى أنه أخفى الأمر بداية عن زوجته نفسها.

قام Marshall لاحقا بابتلاع كبسولة تتضمن البكتيريا المذكورة، ولمدة ثلاثة أيام بقي دون أعراض ليبدأ بعدها بالتقيؤ المتكرر كما عانى من رائحة نفس سيئة جداً، وبعد إجراء تحليل اعتمد على عينات من معدته تبين أنه مصاب بالتهاب حاد للمعدة، وهو ما من الممكن أن يقود إلى قرحة معوية مزمنة لاحقاً.

في الفترة الأولى عانى Marshall من رفض واسع لنظريته حول القرحة المعدية، لكن الأمور تغيرت مع الوقت، وفي عام 2005 حصل مناصفة مع Warren على جائزة نوبل في الطب.

قام الطبيبان Herbert Woollard وE.A. Carmichael بتعليق أوزان إلى خصيتيهما

ميزان وأوزان

مجرد التفكير في هذه التجربة يتسبب بالألم بشدة.

من المعروف أن الخصيتين من أكثر المناطق حساسية في جسم الذكور، فأقل اصطدام أو تأثير خارجي من الممكن أن يتسبب بألم مبرح وبسقوط الشخص أرضاً في بعض الحالات، وعلى عكس معظم مناطق الجسد فالألم الناتج عن ضرب الخصيتين لا يبقى محصوراً فيهما، بل يمتد في باقي الجسم ويتوزع في الجزء السفلي من البطن ومنطقة الحوض، هذه الخاصية قادت العالمين لاستهداف الخصيتين في تجاربهما عندما قررا البحث في الألم غير المباشر والذي يحدث في أماكن مختلفة عن المكان المسبب للألم.

عادة ما تحصل حالة الألم غير المباشر عندما يكون مصدر الألم هو أحد الأعضاء الداخلية، فبدلاً من أن يشعر الشخص بالألم في المكان المعرض للخطر كالقلب مثلاً، من الممكن أن يشعر به في اليد اليسرى، فعلى الرغم من أن اليد هنا لا تعاني من أية إصابات أو مشاكل فالألم يظهر فيها لا في العضو الداخلي.

على أي حال فكون التجربة حصلت عام 1933 فقد وجد العالمان صعوبة في إيجاد متطوعين قادرين على تقديم معلومات كافية، لذا فقد نفذاها على بعضهما.

من الغير المعروف أي من العالمين قام بالتجربة، وأيهما كان من تعرض للألم، لكن فكرة التجربة كانت قيام أحدهما بتعليق أوزان متزايدة بخصيتي الآخر، وقيام الآخر بوصف ما يحس به وأماكن الإحساس بالألم وشدته.

عدد القراءات: 2٬249