in

زجاجات الرضع من العصر البرونزي، والتي تكشف الطريقة التي كان أسلافنا يستخدمونها لإطعام أطفالهم

كل الآباء والأمهات يدركون مدى أهمية زجاجات الرضاعة لإطعام أطفالهم، ولكن هل تساءلت مسبقاً كيف كان البشر قديماً يطعمون أطفالهم؟ تم العثور على ثلاثة من أواني الرضاعة القديمة في اثنين من القبور الألمانية التي تبين لنا أنه منذ 3000 عاماً كان لهذه الزجاجات أهمية كبيرة لا تقل عن أهميتها في وقتنا الراهن.

عثر علماء الآثار بعد عمليات البحث والتنقيب في مختلف أرجاء القارة الأوربية على أواني فخارية بحجم نصف لتر في مواقع أثرية تعود للعصر الحجري الحديث، ومن بين هذه الأواني كان هناك أكواب صغيرة لها فوهات، لم يكن الغرض من هذه الاكواب واضحاً ولكن أشار بعض الباحثين إلى أنها كانت تُستخدم لإطعام العجزة والكبار في السن، كما افترض آخرون أنها كانت تُستخدم لإطعام الأطفال الرضع قديماً على الرغم من اعتماد أسلافنا على الرضاعة الطبيعية لتغذية الأطفال الرضع بشكل كبير.

بعد دراسة وتحليل المخلفات القديمة المتبقية على العديد من أكواب العصر البرونزي والعصر الحديدي التي عُثر عليها في تسعينيات القرن الماضي داخل قبور الأطفال، توصل الباحثون لاعتقاد أن هذه الأكواب كانت تُملئ بحليب الحيوانات وتقدم للأطفال أثناء فترة الطعام في حضانات ما قبل التاريخ.

وبحسب ما قالته الباحثة في عام الآثار (جولي دان) من جامعة بريستول البريطانية والتي شاركت في الدراسة التي نُشرت في مجلة (نيتشر) البريطانية: “هذا الاكتشاف هو في الحقيقية الدليل الأول على أن هذه الأواني لم تكن تُستخدم لفطام الأطفال فقط بل لإرضاعهم أيضاً، فمن المحتمل جداً أن الحليب الحيواني قد استخدم كمكمل غذائي لهم“.

مجموعة من الأواني التي تعود إلى العصر البرونزي المتأخر، ويعود تاريخها للفترة الواقعة بين العامين 1200 و800 قبل الميلاد. صورة: Katharina Rebay-Salisbury
مجموعة من الأواني التي تعود إلى العصر البرونزي المتأخر، ويعود تاريخها للفترة الواقعة بين العامين 1200 و800 قبل الميلاد. صورة: Katharina Rebay-Salisbury

عُثر على أوانٍ أخرى كانت تُستخدم للغرض ذاته، ولكنها على شكل حيوانات، تقول (دان): ”في الحقيقة يبدو أنهم قد صنعوا بعضاً من هذه الأواني على شكل حيوانات لرسم البسمة على وجوه أطفالهم، أليس كذلك؟“.

كما شاركت عالمة الأحياء في جامعة دورهام (ريبيكا جاولاند) رأيها بالأمر على الرغم من عدم مشاركتها بهذه الدراسة، حيث قالت إن موت الأطفال الرضع في سن الستة أشهر بعد أن كانوا يتغذون على حليب الحيوان أمراً يطرح الكثير من التساؤلات المهمة.

طرح (جاولاند) هذه التساؤلات عبر البريد الإلكتروني: ”هل من المعقول أن والدة الرضيع قد توفيت، ولذلك لم يرضع طبيعياً؟ أم أن هناك سبب آخر لعدم إرضاع الطفل لرضيع من ثدي والدته؟ فمن الممكن أن الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن الستة أشهر يتغذون على الحليب الحيواني المضاف لغذائهم باعتباره نوعاً من المكملات الغذائية، لكن الأمر الغريب هو سبب دفن هذه الزجاجات الطينية مع هؤلاء الأطفال الرضع!“.

تشير البقايا الدهنية التي عثر عليها على هذه الأواني في مختلف أنحاء شمال البحر المتوسط إلى أن البشر كانوا قد بدأوا استهلاك الحليب ومشتقاته من الحيوانات المستأنسة قبل 9000 عاماً تقريباً، أي بعد فترة وجيزة من بدء قبائل الصيد وقطف الثمار باستخدام الحليب الحيواني والاستقرار ضمن مجتمعات أكبر بعد إنتاج غذائهم بنفسهم معتمدين على الزراعة وتدجين الحيوانات.

قدمت دراسة بقايا الحليب التي عُثر عليها داخل هذه الأواني القديمة أدلة مباشرة تثبت أن الأشخاص البالغين في العصر الحجري الحديث قد استهلكوا حليب الماشية والماعز والغنم في أوروبا منذ أكثر من 6000 عام، كما أثبتت الدراسات الوراثية إلى أن بعض الأشخاص كانوا يعانون من حساسية تجاه اللاكتوز لذلك بدلاً من شرب الحليب قاموا بصناعة الأجبان والألبان.

ومن بين العديد من التغيرات التي حدثت خلال ثورة العصر الحجري الحديث هي ازدهار وزيادة عدد الأطفال الرضع مما أدى إلى نمو سكاني كبير في تلك الفترة، ربما ساهمت أساليب التغذية الجديدة للأطفال في زيادة النمو السكاني، كما قام الباحثون بدراسة أخرى لاكتشاف طريقة إطعام الأطفال الرضع وفطمهم باستخدام هذه الأواني عن طريق تحليل العظام والأسنان.

زجاجات لإرضاع الأطفال من العصر البرونزي، عُثر عليها في فوسندورف، النمسا. صورة: Enver-Hirsch © Wien Museum

عثرت عالمة الآثار (دان) وزملائها على هذه الأواني في موقعين أثريين في بافاريا والتي يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين عامي 1200 و800 قبل الميلاد وبين عامي 800 و450 قبل الميلاد، كما تم العثور على أواني مشابهة في مواقع أوروبية يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين عامي 5500 و4800 قبل الميلاد، فهل من الممكن أنه بعد آلاف السنين قام أطفال العصر الحجري الحديث بشرب الحليب الحيواني كما فعل أطفال العصر البرونزي؟

وقالت عاملة الآثار في جامعة برلين (إيفا روزنستوك): ”الآن لدينا دليل ملموس يثبت لنا أن هذه الأوعية قد استخدمت كزجاجات الحليب التي نستخدمها حديثاً، ولكن الخطوة التالية فستتمثل بفحصنا لأواني أخرى تعود لفترات زمنية سابقة“.

كما قالت (دون): ”بالنسبة للأمهات الذين ينتمون لمجتمع الصيد وقطف الثمار فقد اتبعن طرق مختلفة لإطعام أطفالهن الرضع، ربما لم يكن الحليب والحبوب خياراً متاحاً لهم“.

فقد كن يعتمدن على الرضاعة الطبيعية بشكل كبير كما أن نسبة الإنجاب كانت قليلة، ولكن يفترض الباحثون أنه بمجرد استقرار هذه المجتمعات مع الحيوانات المستأنسة وزراعة النباتات واستخلاص المنتجات الغذائية المكملة زادت نسبة الولادات بشكل واضح وبدأ الانفجار السكاني.

تقول (روزنستوك): ”إن إطعام الأطفال حليب حيوانات قد لعب دواً كبيراً في الزيادة السكانية عبر تقليص مدة الرضاعة الطبيعية للأمهات، حيث تم إدراج الأطعمة التكميلية في النظام الغذائي الخاص بالطفل بوقت مبكر وبالتالي لم يكن على الأم القلق إزاء موضوع التباعد بين الولادات وبالتالي أصبح بإمكانها الإنجاب بعد فترة قصيرة من ولادتها“.

على الرغم من أنه لم يكن بالإمكان رؤية هذه البقايا العالقة بداخل هذه الأواني الأثرية التي تبلغ من العمر آلاف السنين بالعين المجردة ولكن الأمر هنا أشبه برائحة الحليب المسكوب في السيارة والتي لا يمكن إزالتها بسهولة.

طفل يشرب الحليب من آنية شبيهة بتلك التي عُثر عليها. صورة: Helena Seidl da Fonseca
طفل يشرب الحليب من آنية شبيهة بتلك التي عُثر عليها. صورة: Helena Seidl da Fonseca

ولكن لماذا لم يكن بالإمكان رؤية هذه البقايا إلا تحت المجهر؟ كان رأي عالمة الآثار (دان) بخصوص هذا الموضوع كالتالي: ”لم تكن هذه الأواني مصقولة لذلك عند سكب الحليب بداخلها كان تعلق جزيئات دهنية داخل المسام وبقيت هناك لآلاف لسنين، إنه لأمر رائعة اكتشافها بعد كل هذه المدة“.

قام الباحثون بمقارنة هذه الأحماض الدهنية القديمة مع الجزيئات الدهنية المستخلصة من الحليب ودهون الحيوانات اليوم، ولكنهم لم يتمكنوا من تحديد نوع الحليب الذي كان يملأ هذه الأواني القديمة وخاصةً بعد أن تم العثور على عظام تعود للأغنام والماعز في مواقع المستوطنات البشرية عبر عصور ما قبل التاريخ.

وقالت (روزنستوك) معلقة على هذه النقطة أنه إن كان من الممكن تحليل البروتينات التي تم العثور عليها داخل هذه الأواني القديمة فلبرما سنحصل على صورة أكثر وضوحاً لما كان يتناوله الأطفال في ذلك الوقت، ربما كان يتم خلط الحليب مع بعض الحبوب.

وأضافت: ”إن مزج الحليب بالحبوب أمر مفيد للغاية، حيث يحتوي هذا المزيج على مجموعة من الأحماض الأمينية المفيدة والصحية، كما أنه يمكن اعتباره من الأطعمة التي يمكن تقديمها للطفل بعد مرحلة الفطام“.

ولكن في الوقت ذاته أثبتت لنا هذه البقايا التي تم اكتشافها بعد آلاف السنين أن آباء العصر الحجري الحديث قد واجهوا مشكلة حقيقية فيما يتعلق بتنظيف زجاجات أطفالهم.

مشهد تخيلي لعائلة تنتمي لعصر ما قبل التاريخ يبين لنا كيف كانت تتم عملية إطعام الأطفال باستخدام أواني مشابهة لتلك التي عُثر عليها. صورة: Christian Bisig/Archäologie der Schweiz
مشهد تخيلي لعائلة تنتمي لعصر ما قبل التاريخ يبين لنا كيف كانت تتم عملية إطعام الأطفال باستخدام أواني مشابهة لتلك التي عُثر عليها. صورة: Christian Bisig/Archäologie der Schweiz

تقول (جاولاند): ”من غير المحتمل أن تكون هذه الأوعية معقمة، لذلك لم يكن استخدامها أمراً جيداً، فلربما كانت السبب في ظهور العديد من الأمراض“. يفتقر الحليب الحيواني أيضاً للكثير من المواد المغذية التي يحتويها حليب الأم كالخلايا المناعية التي تحمي الجسم البشري من التقاط العدوى، كما يساعد على تشكل بكتريا الميكروبيوم المعيارية في أمعائنا والضرورية للحفاظ على صحة أجسامنا.

طبعاً لن ننسى أن هذه الأواني قد عثر عليها داخل قبور أطفال رضع، ولكننا لا نعلم ما إذا كان تناول حليب الحيوانات بدلاً من الرضاعة الطبيعية قد لعب دوراً في وفاتهم المبكرة.

تقول (دون): ”في علم الآثار قد يحدث هذا التواصل الفوري مع القطع الأثرية وبالتالي مع الناس من ذلك الزمن، فعندما تمسك بهذه القطع ستفكر بهؤلاء الأمهات وأطفالهن الصغار، كيف دفنوا في هذه القبور الصغيرة مع أواني الرضاعة الخاصة بهم، اعتقد أن هذه القطع الأثرية تروي لنا قصة حب ورعاية كبيرة قدمتها أمهات ما قبل التاريخ لأطفالهن”.