ميديا

تقنيات قديمة لم تعد مهمة لكنها لا تزال مستخدمة

عبر التاريخ البشري كان التطور بطيئاً إلى حد بعيد في مختلف المجالات، أو أنه كذلك على الأقل عند مقارنته بالقرنين الماضيين، فبينما كانت الأمور تبقى على حالها لأجيال بأكملها في السابق، فالسرعة الكبيرة اليوم تعني أن معظم الأشياء التي تستخدمها في طفولتك ستكون قد سقطت من الاستخدام أو تقارب الاختفاء عندما تصبح شاباً.

وبقولي معظم الأشياء فهذا يعني أن نسبة منها تبقى وتستمر على الرغم من ذلك، وهنا لا أتحدث عن أمور حياتية معتادة كأدوات الطعام أو الأثاث ربما، لكن عن أمور كانت تعد تقنيات حديثة في وقتها، وصدر ما هو بديل عنها لكنها لا زالت في مكانها.

أسباب استخدام وتاريخ اختراع هذه المنتجات التقنية متفاوت، لكن الشيء الأساسي الذي يجمعها هو كونها أموراً أثرت في الحياة البشرية كتقنيات حديثة عندما ظهرت، لكنها استمرت لوقت أطول من المتوقع حتى في ظل ظهور منافسين لها أفضل منها.

وهنا سنقدم بعضاً من أهم هذه المنتجات التقنية:

راديو AM وFM

كونها لا تزال تأتي بشكل أساسي مع السيارات وتمتلك مدى طويلاً للغاية هما السببان الأساسيان لنجاة قطاع الإذاعة حتى الآن، لكن الأمور تستمر بالانتقال بعيداً عنها.

خلال الفترة الأولى من انتشار الراديو مطلع القرن العشرين، كان هذا الأسلوب من البث هو الشيء الجديد والمميز، ومع الوقت ومع تضمينه في السيارات تمكن الراديو من الاحتفاظ بنفسه كوسيلة إعلامية مهمة جداً حتى في ظل انتشار التلفاز الذي يوفر الصوت والصورة معاً، كما أن الراديو كان قد بات صغيراً كفاية ليكون قابلاً للحمل في الجيب في ذلك الوقت وهو ما جعله خياراً مفضلاً لوقت طويل من الزمن.

لكن الآن الأمور باتت مختلفة، والمنافسة لم تعد من التلفاز حقاً بل من بدائل ضمن نفس النوع لكن بجودة أفضل، مثل الراديو عبر الأقمار الصناعية وقوائم تشغيل الموسيقى على الهواتف وعشرات التطبيقات المختلفة التي تتيح البث المباشر عبر الإنترنت سواء للموسيقى أو البرامج الإذاعية وغيرها، وكل ذلك يأتي بشكل ”حسب الطلب“ بدلاً من أسلوب الراديو المعتاد، لكن على ما يبدو فكل ذلك ليس كافياً بعد لقتل الراديو حقاً.

ربما تعود أسباب استمرار الراديو بالتواجد حتى اليوم لأمرين أساسيين: الأول هو استمرار تواجد مستخدمين كثيرين كون السيارات لا تزال تأتي مع الراديو كأمر أساسي ضمنها، وكون الكثير من الأشخاص لا يزالون يستخدمون سيارات قديمة لا تدعم سوى الراديو وربما أشرطة الكاسيت التي انقرضت بشكل شبه كلي الآن.

على أي حال فالجزء الثاني من الأمر هو كون الراديو مخصصاً بشكل مناطقي أكثر من غيره من وسائل الإعلام، فعلى عكس القنوات التلفزيونية مثلاً فالراديو ليس مكلفاً جداً للتشغيل ولا يتطلب ميزانية ضخمة، مما يعني أنه ليس مرغماً على أن يصبح شمولياً أكثر ويغطي مناطق أكبر ليحقق الأرباح، وهذا الأمر يجعل الراديو في معظم الحالات خاصاً بالمناطق الصغيرة نسبياً التي يبث فيها ومرغوباً سواء من قبل المهتمين بالشؤون المحلية أو المعلنين المحليين حتى.

منفذ السماعات من قياس 3.5 مم

بالنسبة لكونها وصلة ظهرت للمرة الأولى في القرن التاسع عشر، فمن الغريب كون منافذ السماعات المعتادة لا تزال حتى اليوم الطريقة الموحدة بشكل شبه كامل لوصل معدات الصوت.

كنت قد تحدثت في مقال سابق عن التاريخ الطويل لمنفذ السماعات الذي لا يزال مستخدماً اليوم، لكن باختصار فمنفذ السماعات الحالي يمتلك جذوراً تعود حتى القرن التاسع عشر في الواقع وهو موجود بشكله الحالي (قياس 3.5 ميلي متر) منذ أكثر من 50 عاماً وبشكله السابق (قياس 6.35 ميلي متر أو 0.25 إنش) منذ ما يزيد عن قرن الآن، مما يجعله واحداً من أقدم المنافذ التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم، فمنافذ USB لم تظهر حتى عام 1994 ومنافذ HDMI لم تظهر حتى عام 2002.

سبب صمود منفذ السماعات هذا هو كونه يعمل بكفاءة عالية، وخلال السنوات الخمسين الأخيرة بات المعيار الأساسي المتبع للصوتيات، فمنذ استخدامه في أجهزة Sony Walkman المحمولة في الستينيات بات هو الأكثر استخداماً ولاحقاً بات يستخدم في كل شيء من الحواسيب المكتبية والمحمولة إلى أجهزة التلفاز وأجهزة البث وبالطبع الهواتف الذكية، ومع أن المنفذ قديم جداً في الواقع، فحتى وقت قريب لم يكن هناك بدائل حقيقية ومقنعة له.

باتت اليوم مكانة هذا المنفذ مهددة بشكل كبير مع تخلي العديد من الهواتف الذكية عنه، فالأمر بدأ العام الماضي مع Motorola التي سرعان ما تبعتها Apple وHTC ومؤخراً انضمت كل من Google وHuawei إلى قائمة الشركات التي تخلت عن المنفذ.

حالياً، بات من الواضح أن مستقبل المنفذ في الهواتف سينتهي قريباً خلال العامين القادمين على الأرجح، لكن استخدامه ولو عن طريق وصلة تحويل سيستمر لسنوات تالية على الأرجح ريثما تصبح السماعات اللاسلكية أكثر قابلية للاعتماد عليها، سواء من ناحية جودة الصوت أو من ناحية حياة البطارية التي لا تزال غير كافية حالياً.

ألعاب الفيديو القديمة جداً

حتى بعد عقود من صدورها للمرة الأولى فألعاب مثل Super Mario Bros والألعاب الأقدم منها تأبى أن تموت، ولا تزال تجذب الكثير من اللاعبين حتى اليوم.

الكثيرون ربما لايزالون يتذكرون العصر الذهبي لمشغلات ألعاب Nintendo NES وSega Genesis وSony PlayStation 1، وبالنسبة لمن هم في نهاية العشرينيات من عمرهم فعلى الأغلب أن آلات الألعاب الكبيرة (Arcade) لا تزال عالقة بالذاكرة كذلك، فهذه المشغلات وألعابها ليست قديمة وحسب، بل أنها باتت تشبه أشياء أثرية بالنسبة للوقت الحالي والتطور الكبير الذي وصلت إليه حواسيب الألعاب ومشغلات الألعاب الحديثة بالأخص من Microsoft وSony.

تشبيه الألعاب القديمة بالآثار ليس مجرد كلمة هنا، فعلى ما يبدو فالألعاب القديمة تعامل كالآثار تماماً والقديم منها بات مرغوباً بشدة في الفترة الأخيرة؛ إما من الذين عاصروها ويودون استرجاع ذكريات ماضٍ جميل بلعب ألعاب مثل Pac-Man وSuper Mario Bros وPrince of Persia وغيرها، أو من قبل شباب ومراهقين لم يعاصروا هذه الألعاب أصلاً لكن فضولهم يدفعهم لتجربتها بعيداً عن الألعاب الحالية ذات الرسوميات عالية الدقة والأشكال الواقعية والتحكم المعقد.

هذا الحنين إلى الماضي هو ما يبقي العديد من صالات أجهزة ألعاب Arcade لا تزال تعمل في اليابان وشرق آسيا حتى اليوم، وهو ما سبب زيادة الطلب على مشغلات الألعاب القديمة بشكل كبير كفاية أن جعل Nintendo تعيد إطلاق إصدارات مصغرة من مشغلات العاب NES وSNES الصادرة أصلاً عامي 1985 و1990 على الترتيب مجدداً، حيث أن الطلب الهائل عليها أدى إلى فقدها من الأسواق بمجرد إتاحتها ونفاذها من المتاجر بسبب الطلب المسبق كذلك.

أجهزة التلفاز القديمة ذات المدفع الإلكتروني

على الرغم من كون الشاشات المسطحة والنحيفة بات في كل مكان وباتت أسعارها أرخخص بكثير من السابق، فأجهزة التلفاز القديمة لا تزال منتشرة بكثرة.

في حال كنت تقرأ هذه السطور فأنت على الأرجح تفعل ذلك عن شاشة مسطحة من نوع LCD أو OLED سواء على حاسوب أو هاتف ذكي، وبالطبع فكما يعرف الجميع فهذه الشاشات باتت المتعارف عليه منذ سنوات بسبب كونها صغيرة الحجم مقارنة بمساحة العرض عدا عن خفة وزنها وسهولة حملها واستهلاكها القليل جداً للطاقة الكهربائية، ومع أنها كانت في السابق تعاني من مشاكل بشأن الإضاءة وزوايا الرؤية فهذه الأمور تحولت على أشياء من الماضي منذ سنوات طويلة حيث باتت أفضلية الشاشات المسطحة أمراً مفروغاً منه اليوم.

حالياً من المستحيل إيجاد هاتف ذكي أو حاسب محمول بشاشة سوى من نوع LCD أو OLED، وحتى بالنسبة للحواسيب المكتبية فالشاشات القديمة باتت نادرة جداً، لكن بالنسبة لأجهزة التلفزيون فالحكاية مختلفة تماماً وعلى الرغم من أنها باتت اليوم قديمة جداً وغير عملية أبداً، فالشاشات القديمة التي تعمل بمبدأ المدفع الإلكتروني لا زالت مستخدمة على نطاق واسع وحتى في منازل يوجد فيها عدة حواسيب حديثة، فلسبب ما هناك تمسك كبير بأجهزة التلفاز القديمة (كونها توقفت عن التصنيع في معظم الأماكن حول العالم).

أسباب استمرار وجود هذه التلفزيونات يعود بشكل أساسي للأسعار الباهظة لأجهزة التلفاز الحديثة، لكن هناك نسبة كبيرة في الواقع ممن لا يرغبون بالتبديل أصلاً بغض النظر عن السعر، فهناك الكثير ممن يعتبرونها أفضل من حيث طريقة العرض، كما أنها تمتلك نسبة طول إلى عرض هي 3\4 التي لا زالت مفضلة لدى الكثيرين بدلاً من نسبة 9\16 أو 10\16 المستخدمة عادة في الشاشات المسطحة.

الكاميرات الرقمية غير الاحترافية

مع تطور الهواتف الذكية اليوم ومقدرتها على التقاط صور جيدة جداً فوجود الكاميرات الرقمية في الوسط بات مستغرباً جداً ولو أن سوقها في تراجع.

**للتوضيح فهنا نتحدث عن الكاميرات الرقمية العادية أو كما تسمى ”عديمة المرآة“ وليس عن كاميرات DSLR الاحترافية.

ظهرت هذه الكاميرات في النصف الثاني من القرن العشرين كبديل لكاميرات الأفلام القديمة التي كانت تحتاج لشراء الأفلام ومن ثم تحضيرها لدى مختصين، ومع أن هذه الكاميرات كانت قد بدأت بالظهور في السبعينيات، فهي لم تتطور كفاية لتكون بديلاً مقنعاً حتى بداية الألفية الجديدة حيث تمكنت من تحقيق حصة سوقية كبيرة في البداية، لكنها سرعان ما خسرت نسبة كبيرة منها بسبب الهواتف الذكية.

قبل سبعة أو ثمانية أعوام من الآن كانت فكرة اقتناء كاميرا رقمية للاحتفاظ بالذكريات الجميلة بدقة وجودة عالية فكرة جيدة لدى الكثيرين، فالهواتف حينها كانت تستطيع التقاط صور جيدة، لكن جودتها ودقتها عموماً لم تكن تلبي الحاجة.

اليوم الأمور باتت مختلفة جداً عن السابق، فعلى مدار السنتين إلى ثلاث سنوات ماضية بات شراء هاتف ذكي (من الفئة العليا) يمتلك كاميرا سيئة أمراً شبه مستحيل في الواقع، وبالمقارنة بكاميرات رقمية عمرها سنتين أو ثلاثة فالهاتف اليوم قطعت شوطاً كبيراً بحيث أن أي دقة اعلى من الموجود لم تعد ضرورية حقاً.

على أي حال فهذا الأمر لم يكن كافياً لإسقاط الكاميرات الرقمية، فعلى الرغم من أنها كانت قد عانت من سقوط حاد في مبيعاتها عبر الفترة الماضية، فمبيعاتها قد استقرت مؤخراً وباتت ثابتة نوعاً ما في العام الماضي.

سبب استمرار هذه الكاميرات قد يكون غير مقنع للغالبية، لكن بالنسبة لمقتنيها فهو كافٍ، فالكثيرون اليوم يرغبون بصور ذات جودة عالية أفضل من الصور الخاصة بالهواتف الذكية، لكنهم بنفس الوقت لا يحتاجون للجودة العالية جداً والخاصة بكاميرات DSLR، لذا فوجود خيار في الوسط مناسب لهم، ومع أن الفرق في الجودة يتقلص يوماً بعد يوم، فالكاميرات الرقمية ستستمر لسنوات تالية على الأقل.

آلات الفاكس

حتى في عصر الإنترنت لا يزال الفاكس أداة مفضلة لدى الكثيرين على الرغم من كل محدوديتها ومشاكلها العديدة.

في عصرنا هذا حيث باتت الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة أموراً أساسية من الصعب تجاوز اليوم دونها، وشبكة الإنترنت متوفرة معظم الوقت حتى في بلدان العالم الثالث فالعديد من التقنيات مثل الهواتف الخلوية القديمة وأجهزة Pager باتت تعتبر أموراً منتهية الصلاحية، لكن قبل اختراع أي من هذا بقود طويلة كانت آلات الفاكس هي الشيء الجديد المثير للاهتمام بسبب قدرتها على مسح المستندات والصور وتشفيرها وإرسالها إلى الطرف المقابل لطباعتها هناك، وبالنسبة لكون هذه الأدوات كانت قد بدأت بالظهور قبل قرابة قرن من الآن، فمن المفهوم كونها كانت أمراً عظيماً بالنسبة لوقتها.

على أي حال فبالنسبة لمعايير اليوم، آلات الفاكس هي أقرب ما يكون لديناصور تقني يرفض الانقراض، ومع أن معظم شباب اليوم ربما لم يشاهدوا آلة واحدة في حياتهم بأكملها، فهذه الآلات لا زالت منتشرة وبكثرة في الشركات الكبرى وحتى في المكاتب الصغيرة، كما أنها لا تزال تستخدم للمعاملات الحكومية في العديد من البلدان حتى اليوم.

وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو غريباً، فاليابان بالتحديد لا زالت في عصر الفاكس إلى حد بعيد، وبالمقارنة بأي بلد آخر فهي تستخدم آلات الفاكس بشكل كبير جداً.

سبب بقاء آلات الفاكس حية حتى الآن يعود لعدة أسباب واحد من أهمها هو إدارة الكثير من الشركات من قبل المسنين حالياً ممن تعاملوا مع آلات الفاكس في شبابهم ولا يمتلكون أي ثقة بالوسائل الحديثة، وربما هذ الأمر أكثر صحة في اليابان بالتحديد حيث لا تزال الشركات وأماكن العمل تحكم من قبل الأجيال السابقة بشكل شبه حصري.

على أي حال فالسبب الثاني يبدو مقنعاً أكثر: الأمان العالي، فآلات الفاكس غير معرضة للاختراق بشكل رقمي مثلاً أو القرصنة عن بعد، ومع كونها باتت نادرة جداً فلا أحد مهتم بإيجاد طرق لاختراقها مما يزيد من أمانها، وعلى الأرجح يزيد من عمرها كذلك، حيث انها ستستمر لوقت دويل على الأرجح قبل أن تنقرض تماماً.

خطوط الهاتف الأرضية

في الكثير من الحالات باتت خطوط الهاتف الأرضي موجودة كديكور بالدرجة الأولى أو كحامل لخدمات الإنترنت فقط، كون استخدامها بات شبه منقرض بوجود الهواتف المحمولة.

في وقت من الأوقات كانت الهواتف الأرضية أمراً هاماً للغاية واختراعاً غير العالم بأكمله كونها كانت تتيح الاتصال المباشر بين الأشخاص والمحادثة حتى على بعد آلاف الكيلومترات بين الطرفين، وعلى الرغم من أنها ربما تأخرت للغاية لتصل وتنتشر في المنطقة العربية، فالهواتف اخترعت منذ ما يزيد عن قرن ونصف وباتت أمراً منتشراً في العالم الغربي منذ بداية القرن الماضي، وكانت هذه الخطوط لوقت طويل من الزمن هي الأفضل من حيث الاتصال.

تغير الأمر اليوم بشكل كبير عن الماضي، فالهواتف المحمولة جعلت الهواتف القديمة أمراً غير مستخدم في الاقع كونها وفرت العديد من البدائل الأفضل، بداية من كونها قارة على إرسال واستقبال المكالمات الصوتية والرسائل النصية، ثم بالوصول إلى الهواتف الذكية التي باتت تتيح الاتصال الصوتي والمصور بشكل مجاني عبر الإنترنت، فهذه التقنيات جعلت الهواتف الأرضية أمراً قديماً وكثيراً ما تبقى لفترات طويلة من الزمن دون استخدام، فالكثير من شباب اليوم ربما لم يستخدموا هذه الهواتف منذ سنوات.

هناك في الواقع عدة أسباب حالية لاستمرار وجود الهواتف الأرضية، واحد من أهمها هو كون العديد من شركات الإنترنت لا تزال تستخدمها لخدمات الإنترنت، ففي وقت باتت فيه كوابل الألياف الضوئية والاتصالات اللاسلكية باستخدام الشبكات الخلوية أمراً رائجاً جداً، لا تزال الخطوط الأرضية منتشرة بسبب كونها غالباً بديلاً أرخص بكثير للوصول إلى الإنترنت بسبب تقنيتها الأقدم وكون بناها التحتية مجهزة مسبقاً، أضف إلى ذلك كونها عادة ما تستمر بالعمل حتى في حالات الانقطاعات الكهربائية الكبيرة، فهي على الأرجح ستستمر بالوجود لمدة من الزمن خصوصاً مع كونها لا تزال شائعة نسبياً لدى كبار السن، كما أنها غالباً أرخص للاستخدام للمكالمات خصوصاً في بلدان العالم الثالث التي لا تزال تقدم خدمات الهواتف الخلوية والإنترنت ككماليات ومنتجات رفاهية لا كأمور أساسية في هذا الوقت.

ساعات اليد

باتت ساعات اليد اليوم تعد من الحلي وأدوات الزينة لا أكثر، فالجميع بات يمتلك هواتف ذكية اليوم ويستخدمها لتفقد الساعة حتى عند ارتداء ساعة يد.

واحدة من أكثر الأدوات التي لا تزال تستخدم بشكل دائم من نسبة كبيرة من البشر حتى الآن على الرغم من أنها لم تعد تقدم أي فائدة هي ساعات المعصم، فبينما كانت مفيدة للغاية خلال القرن الماضي كونها أسلوباً محمولاً ممتازاً لمعرفة الوقت وتنظيم المواعيد، فاليوم لم يعد هناك أي سبب حقيقي لحملها ومعظم من لا يزالون يرتدون ساعات يد لا يستخدمونها أصلاً وعند سؤالهم عن الوقت الجواب يأتي بعد تفقد هواتفهم لا معاصمهم.

في الواقع الأمر بات شائعاً جداً من حيث الاعتماد على الهواتف الذكية لهذه الغاية حيث أن الكثيرين لا يلاحظون توقف ساعاتهم عن العمل لأيام، وكثيراً ما أجد أصدقائي يبحثون عن هاتفهم وسط كومة من الأغراض في حقائبهم لمعرفة الوقت بينما ساعاتهم تحيط بمعاصمهم في مكان كان من المفترض أن يكون أسهل للوصول، لكن العادة جعلت الهاتف خياراً أفضل ببساطة خصوصاً مع كون معظم الساعات المباعة ميكانيكية لا رقمية وقد تعاني من تأخر الوقت أو تقدمه أحياناً وهو أمر لا يحدث في الهواتف التي تلتصق بوجوهنا معظم وقت اليوم.

على أي حال فتفسير الاستمرار باستخدام الساعات ليس صعباً حقاً، فهي اليوم ترتدى للعديد من الأسباب أهمها كونها اكسسوار لا أكثر كما أي سوار أو قلادة، وكثيراً ما أنتبه إلى أشخاص يرتدون ساعاتهم المتوقفة عن العمل ببساطة لأنها جميلة وتكمل منظرهم المحبب، وبالإضافة لهذا فالساعات من الممكن اعتبارها كرمز للازدهار والثراء أحياناً، خصوصاً الساعات الفاخرة باهظة الثمن التي لا تقدم أي شيء إضافي في الواقع إلا كونها مختلفة شكلياً وباهظة أكثر، وبشكل ما دخلت عالم الحلي بدلاً من الأدوات الضرورية.

أقراص الموسيقى القديمة (Vinyl Records)

بالنسبة لمحبيها فهي توفر صوتاً طبيعياً أكثر ومفعماً بالمشاعر حتى، لكنها في الواقع لم تعد أكثر من تقنية قديمة حان وقت انقراضها منذ عقود.

قبل أن تصبح الموسيقا الرقمية المحملة من الإنترنت أو المستخدمة عبر بث مباشر هي المسيطرة كانت الأقراص الليزرية هي الأهم وقبلها كانت أشرطة الكاسيت، وقبلها جميعاً كانت أقراص Vinyl المميزة بلونها الأسود المميز وحجمها الكبير نسبياً مقارنة بكونها لا تتضمن الكثير من الموسيقى في الواقع بل تتكون من أغنية واحدة أو اثنتين على كل وجه في الأنواع عالية الجودة، بينما يرتفع العدد إلى 8 في الأنواع السيئة ذات الجودة الضعيفة للصوت، وبنظرة سريعة إلى أي من هذه الأقراص يكون من الواضح أنها قديمة جداً بحيث يبدو استمرارها أمراً غير منطقي.

في الواقع ولمدة من الزمن وصلت هذه الأقراص إلى حافة الانقراض خصوصاً مع بداية حقبة الأقراص الضوئية ومن بعدها الموسيقى المضغوطة مثل mp3 وwma، لكنها عادت للانتشار مجدداً في الأعوام الأخيرة خصوصاً في أوساط محبي الموسيقى شديدي الهوس بها، وبعد أن كانت معظم الشركات قد توقفت عن إنتاج هذه الأقراص عادت مجدداً اليوم وبأسعار ليست رخيصة في الواقع فالأسعار الحالية تتراوح بين 10 حتى 40 دولاراً للقرص الواحد.

السبب الأساسي لعودة واستمرار هذه الأقراص بالوجود حالياً هو إحساس الحنين للماضي، فالكثير من محبي الموسيقى يفضلون اقتناءها كونها تجسيد فيزيائي للموسيقى الخاصة بهم كما أنهم يصفون الصوت الصادر عنها بأنه ”أكثر دفئاً“ من الصوت الرقمي.

العامل الآخر ربما يعود إلى الأغلفة الخاصة بهذه الأقراص، فبدلاً من أغلفة صغيرة أو دون أغلفة أصلاً؛ تأتي هذه الأقراص ضمن أغلفة من الورق المقوى مع رسم صورة الألبوم على غلافها الخارجي مما يفيد بجعلها زينة ممتازة.

على أي حال فعدا عن الأسباب الجمالية لا يوجد أي سبب حقيقي للاستمرار باستخدام هذه الأدوات المعمرة.

أضواء (لمبات) التنغستن

مصابيح التنغستن تصرف كهرباء أكثر مع ضوء أضعف وأقل طبيعية، لكنها لا تزال منتشرة بشكل كبير وتسبب فقداً كبيرا في الطاقة حول العالم.

بالنسبة لكونها أسلوب إنارة اخترع في القرن التاسع عشر ويربط خطئاً بكون توماس إديسون هو من اخترعه (إديسون طور الضوء لكنه ام يخترعه في الواقع) فمن الغريب استمرار أضواء التنغستن القديمة ذات الإنارة المائلة للاصفرار لا زالت شائعة الاستخدام حتى الآن، فهي سريعة التخرب وغير مريحة تماماً للرؤية والأهم أنها مبذرة بصرفها للطاقة كونها تعتمد على تسخين شريط من التنغستن حتى يتوهج ويصدر الضوء.

عبر السنوات تم اختراع العديد من التقنيات البديلة بداية من أنوار الفلورسنت (النيون) المعروفة وصولاً إلى الأضواء الموفرة للطاقة وبالطبع أضواء LED ذات الاستهلاك لصغير للطاقة، لكن مع أن كل من هذه التقنيات قد أثبتت نفسها كبديل أفضل وأكثر اقتصادية بمراحل من أنوار التنغستن فهي مستمرة بالوجود حتى الآن، وعشرات الملايين منها لا تزال تصنع وتبع على مدار السنة.

أسباب استمرار هذه الأنوار متعددة، فالبعض يفضل نورها الذي ”يبدو طبيعياً أكثر“ وآخرون يفضلونها لأنهم اعتادوا استخدامها، لكن السبب الأساسي هو كونها رخيصة الثمن إلى حد بعيد فهي تباع بجزء من سعر أنواع الإنارة الأخرى، ومع أن الأنواع الأخرى باتت أرخص بكثير من السابق وهي بالتأكيد أكثر توفيراً للمال على المدى البعيد، فالسعر الرخيص جداً لأضواء التنغستن جعلها تستمر حتى الآن ولا يبدو أنها ستختفي في أي وقت قريب.

الأقراص الضوئية (CD – DVD)

لا يمكن إنكار أن عصر الأقراص الضوئية قد رحل دون رجعة مع انتشار وسائط التخزين الحديثة، لكن حتى اليوم لا تزال بعض الحواسيب المحمولة تأتي مع سواقات لهذه الأقراص القديمة.

عندما اخترعت الأقراص الضوئية للمرة الأولى عام 1982 فقد كانت ثورة كبرى في عالم الموسيقى بالأخص، والتخزين عموماً، فقبل وجودها كانت أفضل طرق التخزين المحمول هي الأقراص المرنة (Floppy Disk) التي كانت على الرغم من قابليتها لإعادة الكتابة غير عملية أبداً خصوصاً وأن القياس الأكثر شيوعاً كان بالكاد يتسع لأقل من 1.5 ميغا بايت من المعلومات.

على أي حال فأيام تميز الأقراص الضوئية وكونها ثورة في عالم التخزين قد رحلت منذ زمن بعيد الآن.

اليوم لم يعد هناك حاجة لأقراص CD أو DVD، فوحدة تخزين خارجي صغيرة (Flash Drive) تصل سعتها حتى 1TB من المعلومات في حجم صغير جداً مع قابلة لإعادة الكتابة في أي وقت يريده المستخدم، أضف إلى ذلك أن المجالين الأساسيين لأقراص CD وDVD هما الموسيقى والأفلام الذان باتا يستهلكان من الإنترنت اليوم، فمن غير المستغرب أن العديد من الحواسيب المحمولة وحتى بعض الحواسيب المكتبية قد تخلت عن هذه الأقراص بشكل شبه كامل حالياً.

السبب باستمرار هذه الأقراص حتى الآن غير واضح في الواقع، فهي لم تعد كبيرة السعة نسبياً كما السابق من ناحية، ولا زالت غير قابلة لإعادة الاستخدام والأهم انها سهلة التخرب بشكل كبير وخدش واحد قد يودي بها ويتركها تالفة تماماً (معظمنا جرب المعاناة التي هي محاولة تنظيف ومسح هذه الأقراص المخدوشة بشدة لعلها تعمل مرة إضافية).

على أي حال فيبدو أنها مستمرة بالوجود حتى مدىً غير محدد خصوصاً مع تمسك مشغلات الألعاب بتضمينها، وكون معظم الحواسيب لا تزال تمتلك سواقات تدعمها.

عدد القراءات: 4٬801