ميديا

منفذ السماعات: تقنية القرن التاسع عشر الموجودة حتى اليوم

نعرف جميعنا المأخذ الشهير المتطاول: مأخذ 3.5mm، أو بشكل منتشر أكثر: ”مأخذ السماعات“، فأي منا غالباً ما يمتلك أداة أو أكثر تستخدم هذا المنفذ الشهير، وسواء كنت تقرأ هذا المقال من هاتف ذكي أو جها لوحي أو حاسوب مكتبي أو محمول فالاحتمال الأكبر هو أنك تمتلك منفذاً من هذا القياس في جهازك هذا.

عندما نفكر بهذا المنفذ عادة فأول ما يخطر بالبال هو الهواتف حلياً، أو ربما أجهزة iPod ومشغلات MP3 الأخرى، لكن في الواقع فالمنفذ أقدم من أي من هذه الأدوات بكثير ويسبق حتى أجهزة Walkman الشهيرة من Sony.

هنا سنشرح أساس عمل هذا المنفذ وسبب شعبيته الكبيرة مع لمحة قصيرة عن تاريخ استخدامه والتغييرات التي حدثت عليه.

مبدأ عمل منفذ السماعات

منفذ سماعات 3.5mm

كلما زاد عدد الحلقات على المنفذ، كلما زاد عدد الخصائص التي من الممكن أن يقدمها والبيانات التي يستطيع أن ينقلها.

تتواجد منافذ السماعات بقياسات عديدة لكن هناك 3 قياسات معتمدة عادة هي 2.5mm و3.5mm و6.35mm مع كون هذا القياس هو القطر الخارجي للمأخذ والقطر الداخلي للمنفذ.

هذه القياسات الثلاثة تمتلك نفس البنية تماماً والتي تتكون من رأس وكم مفصولين عن بعضهما بحلقة عازلة (بلاستيكية عادة) مع وجود أنواع تأتي مع جزء منصف يسمى الحلقة، وأنواع أخرى تمتلك حلقتين وفي حالات نادرة ثلاثة حلقات.

القياس الخاص بالمنفذ لا يؤثر في الواقع على أداءه، فالقياسات الثلاثة تعمل بشكل مطابق لبعضها البعض، والاختلاف بينها يأتي نتيجة وجود الحلقات وعددها، فالمنفذ الأبسط المكون من قمة وكم فقط يتكون من سلك للطاقة وآخر للبيانات إما لسماعة وحيدة أو ميكروفون أحادي القناة، وإضافة حلقة وحيدة تعني إما سماعتين يوفران صوت Stereo مزدوجاً أو سماعة وحيدة وميكروفوناً، أما التصميم الأكثر شيوعاً اليوم يتضمن حلقتين أي أنه يدعم سماعتين تعطيان صوت Stereo بالإضافة لميكروفون وأزراراً إضافية أيضاً في حالة الهواتف (زر الرد على المكالمات وأزرار التحكم بالصوت).

بالطبع هناك حالات إضافية مثل أن يكون المنفذ يحتوي حلقة واحدة ويوفر قناة صوت وحيدة وقناة فيديو، أو يحتوي حلقتين ويوفر قناتين صوتيين وقناة فيديو وحيدة كما هو الحال في مشغلات ألعاب PlayStation 2 مثلاً.

السبب الأساسي لاختلاف الأحجام هو مدى قوة اتصال المنفذ بالمأخذ، فاليوم تستخدم المنافذ ذات قياس 6.35mm في الأجهزة الموسيقية الكهربائية وبالأخص الجيتار الكهربائي، فالمساحة الكبيرة تعني أنه لا مشكلة باستخدام القياس الكبير الذي يعطي استقراراً أكبر، فالسلك يحتاج لقوة كبيرة لإخراجه بسبب كبر حجمه وكبر الأخدود الموجود على قمته والمستخدم لتثبيته.

بالمقابل فمنافذ 3.5mm توفر حلاً أوسط بين الحجم والثبات، فهي صغيرة كفاية ليتم تضمينها في الهواتف وأجهزة الراديو مثلاً، وقوية كفاية لتحمل الشد المتوسط على السماعات غالباً ما يمكن حمل هاتف ذكي من سلك السماعات الموصولة به دون مشكلة.

أما القياس الأصغر 2.5mm فهو الأكثر توفيراً للحجم بالطبع، لكنه كذلك الأقل متانة، ومع أنه استخدم في عدة هواتف في بداية الألفية، فكون منفذ 3.5mm هو المعيار المعتمد من جميع مصنعي السماعات تقريباً حكم عليه بالانقراض بشكل شبه تام تقريباً.

تاريخ استخدام منافذ السماعات

منفذا سماعة بقياس ربع إنش و 3.5mm

بالمقارنة مع منفذ قياس 6.35mm الأصلي، يبدو منفذ 3.5mm صغيراً جداً بل قزماً حتى.

أول استخدام معروف للمنافذ التي لا زلنا نستخدمها حتى اليوم كان عام 1878 (قبل حوالي 140 عاماً) في مقاسم الهاتف الأولى والتي كانت تعمل بشكل يدوي بالطبع.

كانت المنافذ المستخدمة حينها من قياس ربع إنش -أي 6.35mm، واستخدامها الأساسي كان لوصل المتصلين بالهواتف الهدف، وبالطبع فقد أظهر المنفذ فائدة كبيرة حينها كونه يتكون من ثقب وحيد فقط ولا يوجد طريقة خاطئة لتركيبه، وهو قابل أيضا للدوران بحرية دون أن يؤثر الأمر على الاتصال.

لاحقاً ومع اختراع الجيتار الكهربائي وغيره من الآلات الموسيقية تم تبني استخدام هذا المنفذ بقياسه الأصلي وهو لا يزال مستخدماً حتى اليوم في العديد من الآلات الموسيقية، لكن الأمور تغيرت من ناحية سيطرته في الخمسينيات حيث بدأت أجهزة الراديو التي تستخدم الترانزستورات بالظهور وتطلب الأمر منفذاً أصغر وأكثر ملائمة للأجهزة المحمولة والصغيرة، لذا تم تطوير منافذ مطابقة للأصلي لكن بأحجام وأقطار أصغر عرفا باسم mini وsub-mini وهما القياسان الذان نعرفهما اليوم باسم 3.5mm و2.5mm.

عام 1964 أصدرت Sony جهاز راديو محمول باسم EFM-117J حقق انتشاراً واسعاً وساهم بشهرة منفذ 3.5mm على حساب المنافذ الأخرى، ومع إصدار Sony لجهاز Walkman واسع الشعبية عام 1979 أصبح منفذ 3.5mm هو المنفذ المعتمد في المجال وتمكن من الهيمنة منذ ذلك الوقت على مجال السماعات بالأخص، بالإضافة لمكبرات الصوت والميكروفونات كذلك.

في بداية الألفية ومع صعود كل من Nokia وSony-Ericson كالشركتين الأساسيتين في عالم الهواتف المحمولة التي كانت لا تزال جديدة حينها قامت كل من الشركتين بتقديم منفذ خاص بها للسماعات والاتصال بالحاسوب على شكل مشط مسنن، كان هذا الأمر محاولة لمنع المصنعين الخارجيين من استغلال منافذ السماعات المعتادة والاضطرار لاستخدام منافذ الشركتين وبالتالي دفع رسوم للشركة عند تصنيع الإكسسوارات، لكن محاولات الشركتين سرعان ما توقفت مع استمرار هيمنة منفذ 3.5mm حيث انتقلتا لاستخدامه في هواتفهما وأصبح منذ حينها أساسياً في عالم الهواتف الذكية.

انحدار الاستخدام والموت القريب للمنفذ

هاتف Motorola Moto Z

هاتف Motorola Moto Z كان من أوائل الهواتف الذكية المجردة من منفذ السماعة، ومع أنه يتضمن العديد من الميزات الإضافية فالمنفذ الشهير ليس واحداً منها.

في منتصف عام 2016 الماضي أصدرت Motorola هاتفها الرائد Moto Z الذي كان واحداً من أول الهواتف التي تتخلى عن المنفذ في السنوات الأخيرة، فالهاتف شديد النحافة (5.2mm فقط) ولا يتسع لمنفذ سماعات معتاد، لذا تم الانتقال إلى البديل المنطقي: منفذ USB-C الجديد.

هذا التغيير الذي قامت به Motorola لم يتسبب بتغير حقيقي بحد ذاته، فالشركة الأمريكية التي اخترعت الهواتف المحمولة أصلاً لا تمتلك تأثيراً أو حصة سوقية كبيرة تسمح لها بالتأثير حقاً.

لاحقاً ومع الربع الأخير من عام 2016 أصدرت Apple هواتفها iPhone 7 وiPhone 7+ وكما كانت الشائعات السابقة قد اقترحت فالشركة أزالت منافذ السماعات من الهاتفين وحولت الاعتماد إلى المنفذ الخاص بها: Lightening Port والمستخدم عادة للشحن والتوصيل.

تصرف Apple هذا أتى كما تصرف Nokia وSony-Ericson سابقاً في بداية الألفية بهدف أساسي: جمع المال كون مصنعي السماعات التي تعمل مع هواتف iPhone باتوا مجبرين على استخدام منفذ Lightening Port الذي تمتلك Apple حقوق استخدامه.

نظراً لتأثير Apple الكبير في مجال الهواتف، سرعان ما تبعتها العديد من الشركات الأخرى، فكون Apple تمكنت من إزالة المنفذ دون أن تتأثر مبيعاتها بالأمر، فشركات مثل Xiaomi وHTC وHuawei وحتى Google (التي سخرت من إزالة منفذ السماعة العام الماضي) تبعت خطى Apple وبات منفذ السماعات ميزة إضافية بدلاً من شيء أساسي للهاتف، فحالياً Samsung وLG وSony هي الشركات الوحيدة التي تحتفظ بالمنفذ، وعلى الأرجح أنها ستتخلى عنه قريباً كذلك.

منفذ USB-C مقارنة بمنفذ USB التقليدي.

منافذ USB-C بدأت تهيمن على السوق منذ الآن، فجميع هواتف عام 2017 تقريباً تستخدمها وباتت أساسية في الحواسيب والسبب بسيط: حجم أصغر بكثير وسهولة للوصل وتعدد للمهام مع سرعات فائقة مقارنة بالسابق.

في الواقع، فالأمر ليس حكراً على الهواتف، فمع انتشار منافذ USB-C حالياً ستنتقل الحواسيب أيضاً لاستخدامها بدلاً من منافذ السماعات التقليدية، وخلال سنتين أو ثلاثة ستكون نسبة كبيرة من السماعات الجديدة تأتي مع منفذ من نوع USB-C مع نسبة موجودة لكن قليلة مع منفذ Lightening Port الخاص بمنتجات Apple المحمولة فقط، لكن الانقسام في السوق سيبقى مستمراً لسنوات قادمة على الأقل.

انتقال العديد من الشركات للتخلي عن منفذ السماعات المعتاد لا يعني أنه سينقرض تماماً، فـSamsung مثلاً لا زالت محتفظة بالمنفذ، وتهيمن وحيدة على ربع سوق الهواتف الذكية، لذا على الأرجح أن ما سيحدث هو انتقال تدريجي كما حدث عند الانتقال من قارئات الأقراص المرنة إلى الأقراص الضوئية ومن أشرطة VHS إلى أقراص DVD، فسواقات DVD مثلاً باتت اليوم دون فائدة كبرى وغالباً دون حاجة حتى، لكنها لا تزال موجودة في الكثير من الحواسيب ولو أنها اختفت من العديد منها وستستمر بالانحسار عبر السنوات القادمة.

في النهاية، على الأرجح أن الشركات ستتخلى عن منافذ السماعات عموماً لأنها لم تعد عملية كفاية، وحتى Samsung وLG ستكون مرغمة على اللحاق بالبقية، ومع انتهاء عصر منفذ السماعات في الهواتف فالأرجح أنها ستخسر معظم انتشارها وتصبح مثل شقيقتها الأكبر: منافذ 6.35mm مستخدمة لكن بشكل محدود جداً وغالباً مدعومة باستخدام وصلات تحويل فقط.

عدد القراءات: 1٬574