in

دخلك بتعرف متلامزمة (مونخهاوزن)، حيث يدعي الشخص قهراً إصابته بالمرض في كل مرة

هو عبارة عن اضطراب مصطنع يفرضه الشخص على نفسه نفسياً، أو كما كان يُعرف سابقاً ولا يزال يُعرف الآن في بعض الكتب والمصادر باسم «متلازمة مونخهاوزن»، وهو مرض نفسي يتصرف الشخص فيه بشكل متكرر وكأنه يعاني من خلل جسدي ما على شكل مرض، أو أحياناً يتصرف وكأنه مصاب بخلل عقلي أو مرض نفسي، بينما في الحقيقة هو من يسبب هذا لنفسه وليس هناك أي مرض حقيقي أو فيروس أو جرثوم مسبب، ومنه فإن «متلازمة مونخهاوزن» هي اضطراب نفسي يرتبط بصعوبات ومشاكل عاطفية قاسية عانى منها المصاب خلال فترة حياته.

يدّعي الأشخاص المصابون بهذا المرض إصابتهم بأي مرض، نتيجة حاجتهم الداخلية بأن يُنظر إليهم من قبل الأشخاص الآخرين على أنهم مرضى، دون وجود أي منافع خفية كالحصول على إجازة من العمل مثلاً أو غيرها، فهم يدّعون المرض فقط لغرض الحصول على التعاطف من قبل الآخرين، وهم مستعدون للخضوع لعدة فحوصات واختبارات مكلفة ومؤلمة في بعض الأحيان وخطرة أيضاً، من أجل الحصول على التعاطف والاهتمام الذي يحصل عليه الأشخاص المرضى من قبل الآخرين.

كما قد يقوم بعضهم بجرح نفسه سراً لكي يُحدث بعض الأعراض التي تدل على المرض، كالدم في البول مثلاً، أو ازرقاق في طرف معين، وترتبط هذه المتلازمة بشكل وثيق مع مشاكل عاطفية يعاني منها الإنسان.

تعود تسميه هذه المتلازمة باسمها السابق «متلازمة مونخهاوزن» إلى ضابط ألماني يُدعى (كارل فون مونخهاوزن) كان يخدم في الجيش الألماني في القرن الثامن عشر، وكان معروفاً بكذبه الكثير فيما يخص تجاربه الحياتية وادعائه الدائم بالمرض.

ترتبط معظم الأعراض التي يدعيها المصابون بهذا المرض بأمور جسدية مثل ألم في المعدة، وألم في الصدر، وحمى أكثر من الأعراض النفسية مع أن الشخص قد يدعي الاثنين معاً.

هل هذا المرض شائع أم نادر؟

ليست هناك إحصائيات دقيقة لأرقام المصابين بهذا المرض، ولكن بشكل عام هذا الاضطراب هو اضطراب نادر، في الإحصائيات التي تقام في المشافي تقدر أن نسبة 1٪ من المقيمين فيها يدّعون إصابتهم بالمرض.

الحصول على إحصائيات دقيقة هو أمر صعب جداً بسبب عدم الدقة في تحديد كون الشخص فعلاً مصاباً بهذه المتلازمة أم بأمر آخر نتيجة التمثيل الذي يحدث، بالإضافة لأن المصابين بهذه الحالة يذهبون لعدة مراكز صحية لغرض تأكيد التشخيص الذين يدعونه، مما يشكل عقبة أخرى أمام وضع إحصائية دقيقة أيضاً.

على الرغم من أن هذه الحالة قد تصيب الأطفال، فإن الشباب هم الذين يصابون بها بشكل أكبر.

ما هي أعراض هذا المرض؟

يتعمد المصابون بهذه المتلازمة المبالغة بأعراضهم لدرجة كبيرة وبعدة طرق، وقد يكذبون ويلفقون أعراضاً غير موجودة، كما قد يؤذون أنفسهم لكي تظهر عندهم أعراض حقيقة، أو أن يلجأوا إلى الكذب ومحاولة تزوير الاختبارات الطبية كعدم القيم بها بعد الصيام أو تلويث البول قبل أخذه للمخبر وإلخ.

على كل حال تشير هذه الأعراض التالية إلى احتمالية الإصابة بهذه المتلازمة:

  • تاريخ مرضي متضارب ودرامية في الوصف.
  • أعراض غير واضحة ولا يمكن السيطرة عليها حتى أنها قد تتغير وتتبدل بمجرد البدء بالعلاج.
  • انتكاسات متكررة بعد هدوء الحالة.
  • معرفة واسعة بالمستشفيات والمصطلحات الطبية، بالإضافة للإلمام بشكل كامل تقريباً بأعراض المرض الذي يدعي الشخص الإصابة به في بعض الأحيان أكثر من الطبيب نفسه من كثرة القراءة حوله.
  • وجود ندبات جراحية متعددة.
  • ظهور أعراض جديدة وإضافية بعد نتائج اختبار سلبية.
  • ظهور الأعراض فقط عندما يكون المريض وحيداً من دون مراقبة، كنوبات الصرع مثلاً أو الإغماء.
  • الرغبة الشديدة بإجراء فحوصات طبية وعمليات وإجراءات أخرى لتأكيد شكه.
  • تاريخ طبي يتضمن علاجاً في العديد من المشافي والعيادات وحتى في مدن وبلدان مختلفة.
  • عدم سماح المريض للمختصين بمقابلة أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء او أحد مقدمي الرعاية الصحية له السابقين.
  • مشاكل مع الهوية الشخصية وحب الذات.
  • يشعر المصاب براحة كبير عند وجوده في المشفى لكونه يحصل على الاهتمام الذي يرغب فيه.

بعض المرضى قد يضيفون بعض الدم إلى بولهم، وقد يحقنون أنفسهم بالبراز، وقد يضعون ربطات مطاطية حول الذراع أو الساق لكي يزرق لونها.

هناك العديد من الأشكال المرضية لهذا المرض، منها: التظاهر بالإصابة بالسرطان، وأمراض القلب، واضطرابات الجلد، والالتهابات، واضطرابات نزفية، واضرابات إباضية للنساء، وإسهال مزمن وغيرها الكثير.

ما الأمور التي تسبب هذه المتلازمة؟

يبقى السبب الدقيق غير معروف للأسف، ولكن يعتقد الباحثون بأن للعوامل النفسية والبيولوجية الدور الأكبر في تطور هذه المتلازمة، حيث تفترض بعض النظريات بأن وجود تاريخ محفوف بسوء معاملة الطفل أو تعذيبه أو إهماله يمكن أن يسبب هذا الأمر، وقد يكون وجود تاريخ مليء بالإصابة بالأمراض ودخول المشافي من العوامل المساعدة للإصابة أيضاً، ويدرس الباحثون الآن أيضاً احتمالية ارتباط وجود أمراض نفسية سابقة أو حالية مع الشخص مع قدرتها على تطوير «متلازمة مونخهاوزن» عندهم.

كيف تشخّص الإصابة بهذه المتلازمة؟

التشخيص صعب جداً بسبب عدم المصداقية الموجودة لدى المرضى، فيجب على الأطباء استبعاد أي أمراض عقلية وبدنية محتملة تتشابه مع هذه المتلازمة، وعادةً ما يجرى العديد من الاختبارات والإجراءات التشخيصية قبل التفكير في احتمالية الإصابة بهذا المرض، فإن لم يجد الطبيب سبباً مادياً للمرض عندها قد يحيل المريض إلى طبيب نفسي مختص بتشخيص مثل هذه الأمراض، الذي ينظر إلى تاريخ المريض الطبي وقد يطلب صوراً شعاعية ودماغية بالإضافة لأدوات وطرق تستخدم في التقييم النفسي، ثم يقوم بتشخيص الحالة بالاعتماد على مبدأ الاستبعاد من خلال استبعاد الاضطرابات الجسدية والنفسية الأخرى التي يمكن أن تسبب مثل هكذا أعراض، ومن خلال ملاحظة سلوك المريض وتصرفاته كذلك.

أسئلة يجب أن يطرحها الطبيب على نفسه والمريض:

  • هل الأعراض التي يظهرها المريض متطابقة مع نتائج الاختبارات الصحية؟
  • هل لدينا دلائل تاريخية مرضية للمريض من مستشفيات أخرى تؤكد الحالة التي يصفها (في حال لم يرغب المريض بعرض هذا الأمر يعد هذا دليلاً نافعاً لإصابته بالمتلازمة).
  • هل يقبل المريض باتخاذ تدابير وإجراءات طبية خطيرة لدرجة لا يتوقع الطبيب قبول المريض بها؟
  • هل تعطينا العلاجات المتبعة على المريض النتائج المرجوة منها؟
  • إذا ادعى المريض أن الأعراض النفسية التي تحصل له هي بسبب وفاة شخص عزيز عليه أو حادثة حصلت معه حديثاً يجب التأكد من أهل المريض، هل حقاً حصل هذا أم مجرد قصة من مخيلة المريض؟

بعدها يقوم الطبيب بتحديد الأعراض ومقارنتها على نحو معين مع الكلام المكتوب في النسخة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية والنفسية DSM5، والذي هو الكتاب والمرجع الأول الذي يستخدم لتشخيص الأمراض النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

أهم عامل هو تزوير الأعراض والعلامات النفسية والجسدية، فالأشخاص المصابون بهذه المتلازمة يحاولون عمداً خداع الطبيب وحتى إلحاق الأذى بأنفسهم لكي يرى الطبيب أنهم محقون ولا يزيفون شيئاً، ولكنهم ينكرون أنهم قد قاموا بمثل هذه الأمور أمام الجميع.

العلاج:

على الرغم من أن المصابين بهذه المتلازمة يبحثون عن علاج للأعراض المختلفة التي يخترعونها لأنفسهم، فإن ندرة قليلة منهم تسعى لعلاج المتلازمة بذاتها، وأغلبهم ينكر إصابتهم بمثل هذا المرض النفسي أساساً، وهذا يشكل تحدياً كبيراً لقدرتنا على علاج الأشخاص المصابين بها ويصعب علينا معرفة وتوقع مجرى العلاج وهل سيفيد حقاً أم لا.

إن استطاع مقدمو الرعاية الصحية حماية المريض من الأذى الذاتي الذي يمكن أن يسببه لنفسه، أو إطلاعه وتوعيته على العواقب التي يمكن أن تحدث له فهذا يعتبر أمراً نافعا وجيداً ومفيداً حقاً، كما يعتبر إقناع المريض بتخفيض عدد مقدمي الرعاية الصحية له والاقتصار على طبيب واحد مثلاً إنجازاً كبيراً وممتازاً أيضاً.

عندما يتم اللجوء للعلاج فإن الهدف الأول هو تعديل سلوك المريض والحد من الادعاءات المرضية والاستخدام السيئ لكل الخدمات الطبية والمنشآت الموجودة حوله، وبمجرد تمكننا من الوصول لهذا الهدف نبدأ بالهدف الثاني للعلاج وهو حل أي مشكلة نفسية كامنة داخل عقل الشخص المصاب، أو مساعدته لإيجاد حلول حياتية: كمشكلة سكنه مثلاً أو أي مشكلة أو احتياج اجتماعي آخر.

العلاج الأساسي والأولي للمريض المصاب بالمتلازمة هو العلاج النفسي (جلسات مشورة نفسية)، حيث سيركز العلاج على تغيير سلوك وتفكير الشخص (علاج سلوكي معرفي)، بعدها يتم اللجوء للعلاج العائلي من خلال توعية الأسرة بضرورة عدم مكافأة المصاب وإعطائه الاهتمام الذي يسعى له، فهذا سوف يعزز من رغبته بالتمارض أكثر وفي العديد من الحالات يُجرى إبعاد المريض عن عائلته، وقد يتم اللجوء أيضاً للعلاج الاجتماعي (جمع أشخاص يعانون من نفس القصة للتحدث) للتخفيف من العزلة الاجتماعية التي يعاني منها الشخص.

الحقيقة هي أنه لا يوجد أي دواء مادي لعلاج هذا المرض، وقد يتم اللجوء لأدوية أخرى لعلاج اضطرابات أخرى متعلقة أو مرتبطة بهذه المتلازمة كالاكتئاب والقلق، أو اضطرابات الشخصية مثلاً، كما يجب مراقبة استخدام هذه الأدوية بعناية لدى استخدامها عند من يعانون من المتلازمة للخوف من خطر تناول جرعة زائدة من قبل المصاب بهدف الذهاب للمشفى للرغبة بالشعور بالاهتمام من جديد.

ما هي مضاعفات الإصابة بـ«متلازمة مونخهاوزن»؟

الأشخاص المصابون بهذه المتلازمة معرضون لخطر مشاكل صحية كبيرة قد تصل للموت نتيجةً لإيذاء أنفسهم، بالإضافة لتحول الأعراض المدعاة إلى أعراض حقيقة نتيجة القيام بتصرف غير مسؤول كجرح النفس وغيره من الأمور، بالإضافة لإمكانية تعرضهم لمضاعفات تنتج عن الإجراءات الطبية الباضعة (الجارحة) التي قد تُستخدم للتشخيص، كالخزعة في حال الشك بالسرطان وغيرها، كما أن هؤلاء الأشخاص معرضون بشكل كبير لخطر الإدمان ومحاولات الانتحار.

الوقاية:

ليست هناك أي طريقة معروفة أو وسيلة يمكنها الحد من الإصابة بهذا المرض، ولكن قد يفيد الذهاب إلى أخصائي نفسي بمجرد الشك بالإصابة بأعراض هذه المتلازمة.

مآل سير المرض:

قد يعاني بعض الناس من نوبة واحدة من الأعراض النفسية ولكن البقية سوف يعانون من تكرار الأعراض على الأغلب مما يصعب عملية العلاج، وبعضهم قد لا يلتزم بالعلاج لأنه سينكر أنه يدعي التمارض أو أنه يزيف الأعراض.

حتى مع العلاج، فالهدف الحقيقي هو السيطرة على أعراض على هذه المتلازمة أكثر من علاجها، وأهم شيء منع إيذاء الشخص لنفسه وتقليل دخوله المتكرر للمشفى.

في الأخير، إذا كنت تعرف شخصاً كثير الشكوى من المرض لدرجة تجعلك تشك بكونه أحد المصابين بهذه المتلازمة، عليك بمساعدته بالطريقة المثلى.

*الصورة البارزة في المقال لـLiberty Antonia Sadler من موقع metro.co.uk

جاري التحميل…

0