in

الاضطرابات النفسية وعلاقتها بالأذية الدماغية، وما هو دور الجينات في ذلك؟

صورة: tloaf

ليست كل الجروح المؤلمة مرئية من الخارج تماماً، مثل السرطان أو أمراض عضوية أخرى، فإنه يمكن للاضطرابات النفسية أن تؤثر بطريقة أو بأخرى على حياة المصاب. في هذا المقال، سنكتشف كيف يتم تحديد هذه الاضطرابات وأسبابها و تشخيصها بالإضافة إلى دراسة صلتها الوثيقة مع الإصابات الدماغية، مفسرين دور الجينات في ذلك أخذين كلاً من جين *APOE4 وجين*GALC 14q31 نموذجاً.

في البداية، قد تساور العديد من الأشخاص مخاوف جمة متعلقة بالاضطرابات النفسية وسبل علاجها من وقت لآخر، ولكن تصبح هذه المخاوف مرضًا عندما تُسبب العلامات والأعراض الحاصلة توتراً مستمراً مؤثرةً في قدرة الفرد على أداء وظائفه اليومية، ومن المحتمل أن تسبب له مشاكل في حياته اليومية في المدرسة والعمل و بالطبع في علاقاته مع المحيط.

لكن محاولة معرفة الفرق بين السلوكيات المتوقعة وما هي العلامات الدالة على الاضطراب النفسي ليس بالضرورة أمرًا سهلاً، فليس هنالك من اختبار واضح يسهل علينا معرفة فيما إذا كان شخص ما يعاني من اضطراب نفسي أم لا، أوحتى فيما إذا كانت الأفعال والأفكار التي يطرحها سلوكيات نموذجية لشخص طبيعي أم هي نتيجة لمرض جسدي أو لأذية معينة.

ماهو الاضطراب النفسي؟ وكيف يُفسر سبب حدوثه؟

الاضطراب النفسي هو مصطلح واسع يستخدم لتلخيص الأعراض الجسدية والنفسية التي تسبب الأفكار والسلوكيات غير الطبيعية، وغالباً ما يتم الإشارة إلى الاضطرابات النفسية باسم الأمراض العقلية.

إن النموذج الأكثر شيوعاً الذي يستخدمه علماء النفس لتفسير سبب حدوث الاضطراب النفسي يسمى النموذج (الحيوي النفسي الاجتماعي)، هذا يعني ببساطة أن مجموعة من العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية تساهم في زيادة فرص الإصابة بالاضطرابات العقلية، إذ تشمل المكونات البيولوجية كلاً من كيمياء المخ والوراثة، في حين أنه يمكن لعامل مدفوع اجتماعياً (سلوك مكتسب) أو ربما وصفة طبية أو تعاطي المخدرات أن يلعب دوراً في تغيير كيمياء الدماغ، إلا أنه وفي الواقع، فإن جميع العوامل الثلاثة: البيولوجية والنفسية والاجتماعية كلها مرتبطة ومتشابكة مع بعضها البعض.

الارتباط بالإصابات الدماغية:

كما ذكرنا آنفا فإن الاضطرابات النفسية ترتبط بكيمياء المخ إلا أنها أيضا تمتلك علاقة وثيقة بالأذية الدماغية والتي يتم تصنيفها إلى قسمين تبعاً للمنشأ:

الأول: هي الخارجية، والناجمة عن تعرض الرأس إلى ضربات أو اهتزازات عنيفة. كما يمكن للأجسام التي تخترق أنسجة الدماغ، مثل الرصاص أو جزء مكسور من الجمجمة، أن تُسببها.

الثاني: هي داخلية المنشأ والتي تنجم عن خلل أو تلف كلي او جزئي في البنى العصبية نتيجة الإصابة بمرض عضوي معين أو حتى كنتيجة مباشرة لمشاكل جينية موروثة.

وتجدر الإشارة إلى أن إصابات الدماغ الطفيفة قد تؤثر على الخلايا الدماغية مؤقتًا، أمّا الإصابات الأكثر شدّة، فيمكن أن تتسبب في إحداث الكدمات وتمزق الأنسجة أو ربما النزيف الدماغي.

● أولاً: الأذية الدماغية خارجية المنشأ

من بين جميع أنواع الإصابات، فمن المرجح أن تؤدي (إصابات الدماغ) TBIs إلى الوفاة أو الإعاقة البدنية أو العقلية الدائمة، ومع تزايد وتيرة العمليات العسكرية والهجمات الإرهابية والأنشطة الرياضية والحوادث المرورية، أصبحت إصابات الدماغ على نحو متزايد تشكل مصدر قلق على الصحة العامة.

إذ أنّ المرضى الذين تعرضوا لإصابات دماغية معتدلة إلى شديدة يعانون من كوكبة من العيوب المعرفية والأنماط الظاهرية* بسبب إصابة المحاور والمراكز العصبية، وعلى العكس من ذلك، فإن الأذية الدماغية المتوسطة والخفيفة ترتبط بالمضاعفات السلوكية طويلة الأمد، إذ يشار إليها عادة باسم اضطرابات ما بعد الصدمة PTSD، والتي تضم كلاً من (الاكتئاب والقلق والهلوسة الخ…)

1. ما هو دور الجينات في ذلك؟

خلال العقود الماضية، تلقت دراسة الآليات الجينية، مثل التعديلات الهستونية* أو ميثلة* الـ DNA والحمض النووي الريبي غير المشفر، اهتماماً واسعاً من قبل العلماء الذين درسوا البيولوجيا العصبية للإصابات الدماغية، والجدير بالذكر أن الطبيعة العكسية للتعديلات الجينية قد جذبتهم على وجه الخصوص نظرا لإمكانية استخدامها في التطوير العلاجي من خلال الملاحظات على المسارات الوراثية التي من المحتمل أن تشارك في تشكيل الوظائف العصبية والحفاظ على جاهزية علم الأعصاب في الاستجابة للإصابات الدماغية

دراسات الارتباط الجيني:

تقسم دراسات الارتباط الجيني للاضطرابات النفسية بالأذية الدماغية عادة إلى قسمين: مقاربة الجينات المرشحة للاختبار ودراسات الارتباط على مستوى الجينوم أو ما يعرف بـ GWAS.

في الدراسات الجينية المرشحة، يتوجب على الباحثين تكوين معرفة مسبقة لتشكيل فرضيات تتعلق بوظائف محددة من الجينات والأنماط الظاهرية لها، مثل الاختلافات في زوج أساسي واحد في تسلسل الحمض النووي SNPs والتي تعد متغيرات وراثية، قد توجد في مناطق حرجة في الجينات وقد تؤدي في النهاية إلى تغييرات في البروتين الذي من المفترض أنه مهم في مسار محدد للمرض المدروس.

بدلاً من ذلك، في حالة GWAS، لا يُطلب معرفة مسبقة عن جين محدد للمرض حيث تعتبر هذه الاستراتيجية مفيدة بشكل خاص في تحديد مجموعة من المتغيرات الجينية أو المناطق ذات الاهتمام داخل جينة محددة يمكن تحليلها بشكل أفضل لتمييز النواحي الفيزيولوجية للمرض بشكل أفضل، ومع ذلك فإن القيد الرئيسي على طريقة GWAS هو العدد الكبير من العينات المطلوبة لتحقيق دلالة إحصائية، ما يقارب الـ 100 ألف عينة.

2. دراسة دور الاليل APOE4:

يوفر جين APOE تعليمات لصنع بروتين يسمى apolipoprotein E إذ ُيجمع هذا البروتين مع الدهون في الجسم لتشكيل جزيئات تسمى lipoproteins وهي البروتينات الدهنية المسؤولة عن تعبئة الكوليسترول والدهون الأخرى وحملها عبر مجرى الدم.

وفي دراسة جديدة ربطت جين APOE4 بقضايا الصحة العقلية التي يواجهها بعض الأشخاص عقب الإصابة بأذية دماغية، أفاد باحثون بأن الأشخاص الذين لديهم جين APOE4 لديهم نتائج أعلى بشكل ملحوظ للإصابة بكل من الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة PTSD والقلق بعد تعرضهم لإصابة دماغية من أولئك الذين ليس لديهم النوع الجيني المذكور.

أجريت الدراسة على أكثر من 13000 من الجنود القدامى في مركز مينيابوليس لبحوث الأمراض المزمنة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، و تبين أن أكثر من 80 في المائة ممن عانوا من الأذية الدماغية لديهم أيضاً تشخيص للاضطراب النفسي حيث كانوا أكثر عرضة للإصابة بـ PTSD ثلاث مرات أكثر من أولئك الذين لم يتعرضوا للأذى الدماغي.

اقترح الباحثون عدة تفسيرات محتملة للأسباب التي تجعل أولئك الحاملين ل جين ـ APOE4 – أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية بعد التعرض للأذية الدماغية:

أولاً: قد يؤثر الاليل APOE4 بشكل أساسي على المناطق تحت القشرة الجبهية في الدماغ، والتي غالباً ما تتأثر بعد الإصابات الدماغية وتشارك هذه المناطق في تنظيم العاطفة والضيق النفسي.

ثانياً: من الممكن أن يزيد الـ APOE4 من خطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية، التي ثبت أنها تزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب.

ثالثاً: قد يتسبب وجود APOE4 في حدوث تأثيرات تنكسية عصبية ، في حين لا تظهر الأشكال الأخرى للجين.

● ثانياً: الأذية الدماغية داخلية المنشأ

عادةً ما يرجع الأمر إلى البالغين الموجودين في حياة الطفل لتحديد ما إذا كان الطفل يعاني من مشكلة صحية عقلية أم لا، ولكن للأسف، لا يعرف العديد من البالغين علامات الكثير من الأمراض العقلية وأعراضها لدى الأطفال، لذلك واستكمالاً للقسم الأول الذي تحدثنا فيه عن أثر الإصابات الدماغية في تفاقم الاضطرابات النفسية معولين على دور الجينات القوي في زيادة خطر الإصابة باضطراب نفسي محتمل بعد التعرض لأذية دماغية، لكن وعلى النقيض من ذلك سنتطرق في هذا الجزء إلى الدور المهم الذي تلعبه الإصابات الدماغية الداخلية في زيادة خطر الإصابة بمرض كراب أنموذجاً وذلك عن طريق دراسة الدور الجيني الذي من الممكن أن يفاقم هذه المخاطر.

أولاً: ماهو مرض كراب؟

مرض كراب: أحد الحالات العصبية الموروثة الحادة التي تؤدي إلى تدمير طبقة الميالين* في المخ وأجزاء أخرى من الجهاز العصبي، إذ يدخل مرض كراب ضمن مجموعة اضطرابات تعرف بـ (ضمور المادة البيضاء) Leukoencephalopathy، كما يتميز بظهور خلايا غير طبيعية في الدماغ تدعى بالخلايا القشرية (الحبيبية) والتي غالباً ما تكون عديدة النوى.

الأعراض:

غالبا ما يبدأ الشكل الطفولي للمرض عند عمر 2-6 أشهر وينقسم إلى 3 مراحل:

في المرحلة الأولى، تشمل الأعراض التهيج وصعوبات التغذية وتأخر نمو الرضيع، لينتقل في المرحلة الثانية إلى حدوث نوبات من التوتر متزامنة مع التشنجات العضلية، والعجز البصري وصولاً إلى المرحلة الثالثة، التي تشمل الإصابة بالعمى والصمم، ليتفاقم المرض بعد ذلك بدخول الطفل في حالة غيبوبة وبموته قبل عمر 2-3 سنوات.

في الأشكال المتأخرة من المرض لدى اليافعين والمراهقين، يلاحظ الإصابة باضطرابات في المشي مع فقدان تدريجي للبصر إضافة إلى انحدار في القدرة المعرفية وضعف في العضلات. يذكر أنه في الحالات المتأخرة للمرض يكون تقدم المرض أكثر بطء من حالة الرضع.

الأسباب:

مرض كراب هو أحد الأمراض العقلية التي تؤدي إلى حدوث تلف في البنية العصبية خصوصا في المادة البيضاء وبالتالي الإصابة بأذية دماغية داخلية، ربما تتسائل عن الدور الذي تلعبه الجينات في الإصابة بهذا المرض و كيف من الممكن أن يحدث؟

حسناً! بداية تتسبب الطفرة في جين *GALC 14q31 المرتبطة بمرض كراب في الإصابة بالمرض فقط في حالة وراثة نسختين من الجين المذكور وذلك عند كون كل من الوالدين حاملاً لاليل واحد من المرض فيكون احتمال اصابة الأطفال بالمرض هي 25%.

تؤدي وراثة هذا الجين إلى زيادة تراكم بعض أنواع الدهون المعروفة بـ الجليكوليبيدات* الموجودة أصلا داخل الخلايا التي تنتج مادة الميالين وتتسبب هذه الزيادة في تنشيط خلايا الدبق الصغيرة المسؤولة عن عملية التهام بقايا الخلايا والأجزاء التالفة داخل الجهاز العصبي مما يؤدي إلى إلى تحويل الخلايا التي تحوي الجليكوبيدات إلى خلايا حبيبية كروية الشكل وعديدة النوى مسببة النقصان الشديد في مادة الميالين وبالتالي خلل في عملية نقل السيالة العصبية من وإلى الدماغ.

الوقاية والعلاج:

في الآونة الأخيرة اقترحت بعض الدراسات إمكانية استخدام أساليب حقن الخلايا الجذعية في مراحل المرض الأولى أو بعد الإصابة بأعراض متوسطة الشدة في مراحل متأخرة من العمر وتشمل هذه الأساليب التي يتم فيها تسليم الخلايا داخل المخ أو يتم إدخالها عن طريق طريق وريدي أو داخل الشرايين وتزويدها بعامل تغذية مناسب مما يمكنها من تدعيم الخلايا التالفة بعد تمايزها في النسيج العصبي مما يحسن الوظائف الحيوية للمريض. إذ هنالك إمكانية لكون هذه الطريقة فعالة في تثبيط تقدم المرض وربما توفر فرصا للنجاة وعيش حياة طبيعية مجدداً.

أخيراً، تجدر الإشارة إلى أهمية متابعة العلاج الفيزيائي والنفسي للأطفال المصابين و ضرورة القيام بالاختبارات الجينية اللازمة قبل الزواج مما يمكن أن يحد من تواجد المرض لدى الأطفال مستقبلاً كما أننا نؤكد أن هذا البحث ضروري لتطوير فهم أكثر اكتمالاً للعديد من العوامل الوراثية التي من الممكن أن تؤثر على دراسة سبل التعافي من الاضطرابات النفسية الناجمة في أعقاب الإصابة بأذية الدماغية وقد يكون لهذا العمل صلة بتطوير العلاجات المستقبلية لها.

الحاشية:

*النمط الظاهري: مجموعة من الخصائص الملحوظة للفرد الناتجة عن تفاعل النمط الوراثي مع البيئة.

*التعديلات الهستونية: يشير إلى التعديل الإنزيمي عموماً للبروتينات في هذه الحالة (الهستونين) بعد صنع البروتين.

*مثيلة: إضافة جزيء الميثيل إلى الحمض النووي.

*المايلين: هو الغطاء الوقائي حول الخلايا العصبية التي تضمن الانتقال السريع للإشارات العصبية.

*جين *GALC 14q31: جين مسؤول عن إعطاء تعليمات لصنع إنزيم يدعى galactosylceramidase، يستخدم هذا الإنزيم جزيئات الماء لتحطيم بعض الدهون المعروفة باسم الجليكوليبيدات، والتي توجد أساسًا في الجهاز العصبي والكلى.

*الجليكوليبيدات: عبارة عن مركبات ليبيدية كربوهيدراتية تدخل في تركيب الأغشية الخلوية.

جاري التحميل…

0