شخصيات

تعرّف على قصة (تارار)، الرجل الشره الذي كان بإستطاعته التهام كمية تكفي لإطعام 15 شخصاً

(تارار)، الرجل الشره الذي لم يكن يشبع وأكل كلّ شيء ابتداءً من بقايا الطعام المرمية في النفايات إلى أكل قطط بأكملها
صورة: Dahlia Katz

وُلدَ (تارار) عام 1772، وانخرط في تسعينيات ذلك القرن في صفوف الجيش الثوري الفرنسي كجندي، كان (تارار) ذو شهية غير طبيعية مما أرغم إدارة الجيش على تخصيص حصة طعام تماثل أربعة أضعاف حصة الجندي العادية، إلّا أنّهُ لم يكن يكتفي أبداً بل كان يقتات على بقايا الطعام المرمية في أكوام النفايات مُلتهماً أي قطعة من الطعام قام أحدهم برميها.

العجيب بأمر (تارار) أنّهُ رغم كميات الطعام الكبيرة التي كان يستهلكها يومياً إلّا أنّهُ كان جائعاً بشكلٍ دائم، أما وزنه فبالكاد كان يصل إلى 45 كيلوغراماً، وكان (تارار) مُتعباً ومُشتت الذهن بشكل دائم، وبدت عليه كل أعراض سوء التغذية بالرغم من أنّهُ كان يأكل ما يكفي لإطعام ثكنة عسكرية صغيرة.

لا نستبعد مطلقاً أن يكون (تارار) مكروها بين زملائه في الجيش وأن عددا كبيرا منهم أراد التخلُّصَ منه، وليست شراهته في الأكل هي السبب الوحيد في ذلك، بل لأنه كان كريه الرائحة أيضا حيث كانت تصدر منهُ روائح نتنة وكريهة، ويُقال أنَّ غمامة مرئية مثل تلك التي نراها في أفلام الكرتون كانت تصدر من جسمه.

أثارت حالة (تارار) اهتمام بعض الجراحين من أمثال الدكتور (كورفيل) والبارون (بيرسي) اللذان كانا يخدمان في الجيش في تلك الأثناء، فراحا يتساءلان عن مهية هذا الشخص الغريب، وأرادا بشدّة أن يفهما كيف يستطيع شخص أن يبتلع ما تحويه عربة كاملة من الأطعمة ويبقى جائعاً بعد ذلك!

الرجل الذي ابتلع قططاً بكاملها

رسم تمثيلي يرجع إلى عام 1630 يبين ظاهرة ”النهم“ التي كان يعاني منها (تارار). والشخص الذي يقف في الصورة هو (نيكولاس وود) الذي كان يلقب بـ”أعظم ملتهم طعام في مدينة كينت“. لم يجد المؤرخون أي صورة حقيقية لـ(تارار).

رسم تمثيلي يرجع إلى عام 1630 يبين ظاهرة ”النهم“ التي كان يعاني منها (تارار). والشخص الذي يقف في الصورة هو (نيكولاس وود) الذي كان يلقب بـ”أعظم ملتهم طعام في مدينة كينت“. لم يجد المؤرخون أي صورة حقيقية لـ(تارار).

رافقت الشهية المُفرطة (تارار) طيلة حياته فلم يكن يشبع أبداً، لدرجة أنّهُ عندما كان شاباً مراهقاً طردتهُ عائلتهُ من المنزل لأنّهم لم يكونوا قادرين على تحمّل نفقات كميات الطعام الهائلة التي كان يحتاجها يومياً. قام بعدها بشق طريقه بنفسه كرجل استعراضي رحّال حيثُ انضمَّ إلى مجموعة من السارقين والعاهرات الذين كانوا يجوبون فرنسا ويؤدّون عروضاً ويسرقون أثناء العرض ما في جيوب الجماهير، فكان (تارار) مُفيداً جداً بجذب أنظار الجمهور، كيف لا وهو الشخص الخارق الذي يستطيع أن يأكل أي شيء حرفياً.

لقد كان يفتح فكّهُ العملاق المشوه لدرجة يستطيع فيها أن يُفرغ سلة كاملة من التفاح في فمه وأن يحتفظ بدزينة منها في خدّيه كالسنجاب، وكان يستطيع بلع كل شيء مثل الضفادع والحجارة وحيوانات حيّة كاملة فقط لإسعاد الجمهور، الذي كان يضحك ويشمئزّ في نفس الوقت.

يقص هؤلاء الذين شاهدوا عروضه فيقولون: ”في إحدى المرات أطبق (تارار) بأسنانه على قطة حيّة فنزع أحشاءها ومصَّ دمها ثمَّ أكلها تاركاً فقط هيكلها العظمي، كما التهم (تارار) كلاباً بنفس الطريقة، ويُقال أنّهُ في إحدى المُناسبات قام بابتلاع ثعبان مائي (أنكليس) وهو حي من دون أن يمضغهُ“.

كانت سمعة (تارار) تسبقهُ أينما ذهب، حتى في مملكة الحيوانات! حيث ذكرَ البارون (بيرسي) –الجرّاح الذي أولى هذه القضية اهتماماً كبيراً– في مُلاحظاتهِ: ”كانت الكلاب والقطط تهرب حالما تراه كما لو أنّها تتوقع القدر الذي كان (تارار) يعدّهُ لها“.

جلد مُترهّل ورائحة لا تحتمل

لقد حيّرت حالة (تارار) الجرّاحين فقد كان يزن 45 كيلوغراما فقط عندما بلغ عمرهُ 17 عاماً، ورغمَ أنّهُ كان يأكل الحيوانات الحيّة وبقايا الطعام المرمية إلّا أنّهُ لم تظهر عليه أية أعراض تدل بأنه يعاني من مشاكل ذهنية، بل كان شاباً سليم العقل لا يشكو من شيء سوى شهيته الهائلة وغير العادية.

يمكننا تصور شكل جسم (تارار) على أنه لم يبدُ بالمنظر الجميل، فقد كان جلده يتمدد بشكل غير اعتيادي ليتكيّف مع كل ذلك الطعام الذي كان يضعه في حلقه، وكلّما كان يتناول الطعام كان بطنهُ ينتفخ مثل البالونة الهوائية خاصةً عند منطقة المعدة، لكنّهُ سرعان ما يذهب إلى المرحاض ويُفرغ كل شيء تقريباً تاركاً وراءه فوضى وصفها الجرّاحون بأنّها: ”ذات رائحة نتنة لدرجةٍ أبعد من كل التصوّرات“.

أمّا عندما تكون معدتهُ خالية فإنّ جسدهُ كان يترهّل ويرتخي كثيراً إلى حدٍ يُمكنك عنده ربط الطبقات المُترهّلة من جلده حول خصره كحزام، كما أن خدّيه كانا يرتخيان ويتدليان كأُذني الفيل، وهذه الطبقات المُترهّلة من جلدهِ كانت جزءاً من السر الذي يكمن وراء مقدرته على بلع كل ذلك الطعام بفمه، فإن جلدهُ كان يتمدد كرباط مطاطي مما كان يسمح لهُ باحتجاز الأشكال المُختلفة من الطعام في خدّيه العملاقين.

كان هذا الإستهلاك الكبير لكميات الطعام الضخمة السبب في انبعاث روائح كريهة منهُ كما أشار الأطباء في سجلّاتهم الطبيّة: ”غالباً ما كانت تصدر منهُ روائح نتنة إلى حدٍ كبير، والتي لا يُمكن لأحد تحمّلها ضمن مسافة تبعد عشرين خطوة منهُ“. لم تكن هذه الرائحة النتنة التي تصدر منه لتُفارقهُ، كما كان جسمهُ ساخناً دائماً لدرجة أنّ الرجل كان يتصبّب عرقاً بشكلٍ مُستمر وتُشبه رائحتهُ النتنة تلك رائحة مياه الصرف الصحي، ومن ثمَّ كان عرقهُ النتن يتبخّر بحيثُ يستطيع أيّ أحد رؤيته بشكلٍ جيد، باختصار لقد كانت تصدر منه غمامة مرئية من الروائح الكريهة.

مهمّة (تارار) السريّة

لمّا عثر الأطباء على (تارار) كان قد توقّف عن أداء دوره كرجل استعراضي وذلك من أجل الانضمام إلى الجيش والقتال في سبيل حرية فرنسا، لكن المُشكلة أن فرنسا لم تكن ترغب بهِ، فقد عزلتهُ قيادة الجيش عن الصفوف الأمامية وأرسلوه إلى الجرّاحين حيثُ أجرى عليه الدكتور (كورفيل) والبارون (بيرسي) اختباراً تلوَ الآخر محاولين فهم هذه الأعجوبة الطبيّة.

الجنرال (اليكسندر دي بوارنيه) الذي آمن بقدرة (تارار) على مساعدتهم في ساحة المعركة.

الجنرال (اليكسندر دي بوارنيه) الذي آمن بقدرة (تارار) على مساعدتهم في ساحة المعركة.

آمن رجل واحد بقدرة (تارار) على مُساعدة بلاده وهو الجنرال (ألكسندر دي بوارنيه)، فقد كانت فرنسا في حربٍ مع بروسيا، وكان الجنرال مُقتنعاً تماماً بأن حالة (تارار) الغريبة ستجعل منهُ رسولاً مُمتازاً للجيش، ولإثبات ذلك أجرى الجنرال تجرُبةً بسيطة، فوضع وثيقة في صندوقٍ خشبي وجعل (تارار) يأكلهُ وانتظروا حتى يعبر الصندوق جسده ويطرحهُ (تارار) خارج جسمه، ثم أمر الجنرال أحد الجنود المساكين قليلي الحظ بتنظيف الفوضى التي تركها (تارار) وراءه والبحث عن الصندوق لرؤية ما إذا كانت الوثيقة ما زالت صالحة للقراءة.

لقد نجحت التجرُبة! وتسلّم (تارار) على الفور أولى مهامه حيثُ كان عليهِ أن يتسلل إلى خطوط الأعداء مُتنكّراً على شكل فلاح بروسي، لتسليم رسالة شديدة السريّة إلى كولونيل فرنسي أسير، وتم إخفاء الرسالة داخل صندوق محميٌّ جيداً ضمن معدة (تارار).

محاولة تجسّس فاشلة

مشهد من معركة (فالمي) التي قامت بين فرنسا وبروسيا عام 1792

مشهد من معركة (فالمي) التي قامت بين فرنسا وبروسيا عام 1792 – صورة: The National Gallery

لم ينجح (تارار) في أداء المهمّة المُوكلة إليه، فكان على القيادة أن تتوقّع أن جلد الرجل المُترهّل ورائحتهِ الفظيعة التي يُمكن شمّها على بعد عدّة أميال سيلفتان الأنظار إليه فوراً، كما أن هذا الرجل الذي من المفترض أن يكون فلاحاً بروسياً، لم يكن يعرف اللغة الألمانية فلم يطُل الأمر كثيراً قبل أن يكتشف البروسيون أن (تارار) هو جاسوس فرنسي.

جرّد الأعداء (تارار) من ملابسه، وبحثوا عن أي شيء بحوزتهُ، وعندما لم يعثروا على شيء جلدوه وظلّوا يُعذّبونه حتى انهار تماماً، فاستسلم وكشف الخطّة مُخبراً البروسيين عن الرسالة السرية المخفية في معدته.

قام البروسيون إثر ذلك بتقييده إلى مرحاض وانتظروا لساعات في الوقت الذي كان على (تارار) أن يجلس مُنتظراً أن تقوم أحشائهُ بمهمتها، وهو يشعر بالذنب والحزن لمعرفته بأنّهُ خذل أبناء بلده، ولما آن الآوان لم يعثر الجنرال البروسي داخل الصندوق إلّا على ورقة مكتوبٌ عليها جملة تطلب من مُستلم الرسالة أن يُخبرهم إن كان (تارار) قد أوصلها بنجاح، فاتّضحَ أن الجنرال (دي بوارنييه) لم يثق تماماً بقدرة (تارار) على نقل معلومات سرية بأمان، فقد كان الأمر برمّته مجرد اختبار آخر.

أمر الجنرال البروسي الذي كان غاضباً جدّاً بشنق (تارار)، غير أنّهُ بعدما هدأ شعر بالشفقة قليلاً تجاه هذا الرجل المُترهّل الذي كان يبكي بحزن أمام حبل المشنقة، فسمح له الجنرال بالعودة إلى الخطوط الفرنسية بعدما ضربهُ وحذره من تكرير حيلتهُ الخبيثة تلك.

(تارار) يأكل اللحم البشري

لوحة Saturn Devouring his Child للرسامة Giulia Lama

لوحة Saturn Devouring his Child للرسامة Giulia Lama – صورة: Christie’s

بعدما عادَ سالماً إلى فرنسا، ترجى (تارار) قيادة الجيش بأن تعفيه من مهمات توصيل الرسائل السريّة مرّة أخرى، وأخبرهم بعدم رغبته في مواصلة عمله كجاسوس سري. تضرّع بعدها (تارار) إلى البارون (بيرسي) ليجد حلاً لحالته تلك وأخبره برغبته الملحة بأن يصبح شخصا عادياً كسائر الأشخاص.

بذل (بيرسي) كل جهده في ذلك وجعله يتناول أدوية ومواد مختلفة كخل النبيذ، وأقراص التبغ، واللودانيوم (مُستحضر أفيوني) وأي دواء آخر خطر على باله آملاً في أن يستطيع تثبيط شهيته غير المحدودة، غير أن هذا الرجل الشره بقيَ على حاله رغم كل تلك المحاولات.

أصبح (تارار) في ذلك الوقت جائعاً أكثر من أيّ وقتٍ مضى ولم تكن أيّ كمية من الطعام تكفيه، بل راح الرجل النهم يبحث عن وجبات أخرى في أسوأ الأماكن المُمكنة، وأثناء إحدى نوبات جوعه اليائسة، عُثر عليه وهو يشرب الدم المسحوب من مرضى أحد المشافي، بل وأكل بعضاً من الجثث في المشرحة.

عندما اختفى طفل عمره 14 شهر سرت الشائعات فوراً بأن (تارار) هو المسؤول عن ذلك ووُجّهت أصابع الإتهام إليه، فطفح كيل البارون (بيرسي) منه وقام بمُلاحقته وإجباره على الإعتناء بفسه منذ ذلك الحين فصاعداً، و لم يسمع خبرا عنه لمدة طويلة بعد ذلك.

تشريح جثة (تارار)

صورة لـ(جاك دي فاليز) وهو رجل آخر مصاب بالنهم كان دائما في محل مقارنة مع (تارار).

صورة لـ(جاك دي فاليز) وهو رجل آخر مصاب بالنهم كان دائما في محل مقارنة مع (تارار) – صورة: ويكيميديا

بعد أربع سنوات من تلك الحادثة وصل نبأٌ إلى البارون (بيرسي) بأن (تارار) قد نُقِلَ إلى مشفى في (فرساي)، فالرجل الذي كان يلتهم كلّ شيء باتَ على سرير الموت، وعلمَ البارون أن تلك هي فرصتهُ الآخيرة لمُعاينة هذه الحالة الطبية الغريبة قبل دفنها، فعزم البارون على الذهب إلى المشفى وبقي مع (تارار) إلى تُوفيَ بداء السل عام 1789.

كانت الروائح التي تصدر من (تارار) وهو حي نتنة ومقرفة للغاية، إلّا أنها أصبحت أمرا لا يذكر أمام تلك الرائحة الفضيعة التي صدرت منه بعد وفاته، حتّى أن الأطباء الذين عاينوا جثته استطاعوا التنفس بصعوبة في تلك الغرفة، ووصفوا عملية التشريح تلك بأنها كانت مقرفة للغاية فقالوا: ”لقد تعفّنت الأحشاء واختلطت مع بعضها البعض وغُمِرت بالقيح. لقد كان الكبد هائل الحجم وغير مُتناسق الشكل ومُتعفّن أيضاً كما أن المرارة كانت كبيرة جداً. أمّا المعدة فقد كانت رخوة وتحوي بقعاً مُتقرّحة مُتفرّقة في كل مكان منها، وكانت تشغل حيز منطقة البطن كله“.

وجد الأطباء أن معدتهُ كانت ضخمة لدرجة أنها شغلت كامل التجويف البطني تقريباً، كما أن الحلق والمريء كانا عريضان بشكل غير طبيعي، أما فكه فيُمكن أن يُفتح ويتمدد بشكل كبير كما جاء في التقرير: ”باستطاعة الفك أن يتسع وتمر من خلاله أسطوانة بمحيط يفوق 30 سنتيمتر من دون أن تلمسّ الحنك“.

رُبّما كان بإمكان الأطباء فهم المزيد عن حالة (تارار) الغريبة، لولا انبعاث تلك الروائح النتنة من جثته حيث أنها كانت غير مُحتملة لدرجة أن البارون (بيرسي) نفسهُ فقد الأمل من ذلك واستسلم، وأوقف الأطباء تشريح الجثة بمُنتصف العملية بعد أن أصبحوا غير قادرين على تحمل تلك الروائح لثانية إضافية واحدة.

توصل الأطباء إلى نتيجة ظاهرة عن حالة (تارار) وهي أن مشكلة هذا الرجل لم تكن في ذهنه ولم يكن مطلقا قادرا على فعل أي شيء حيالها، بل أن كل تلك تصرّفات الغريبة التي صدرت عنه كانت ناتجة عن حاجة جسمه البيولوجية غير الطبيعية والتي كانت تدفعه للأكل دون توقف، وبالتالي فإن كل المواقف التي حصلت معه وعانى منها (تارار) المسكين كانت جرّاء أوامر يُمليها عليه جسمهُ الغريب الذي وُلدَ به، الجسم الذي جعلهُ يعيش حياته بلعنة من الجوع الدائم.

المصادر

عدد القراءات: 5٬273