لطالما كانت الخصوصية أثناء النوم مفهوماً غريباً في تاريخ البشرية، فالكثير من العائلات الفقيرة عاشت في منازل صغيرة تحوي غرفة أو اثنتان، حيث تخصص أكبرهما للنوم والأخرى كغرفة معيشة، والجدير بالذكر أنّ كل مَن في المنزل يتشارك الغرفتين، وحتى في المنازل الأكبر والقصور، لم يكن غريباً أن ينام العاملون في المنزل في نفس الغرفة التي ينام فيها أصحاب المنزل.

قال (بريل برايسون) في كتابه بعنوان At Home: ”عندما تزوج الملك (هنري الخامس) من (كاثرين) ابنة ملك فرنسا (شارل السادس)؛ كان كلاً من الخادمة والحاجب يتواجدان معهما في الغرفة نفسها، وفي ظروف كهذه وفرّت ستائر السرير القليل من الخصوصية، ولكن في حال أردت خصوصية أكبر فعليك النوم في السرير الصندوقي“.

في العديد من المنازل الريفية في اسكتلندا وفرنسا وأجزاء من هولندا والمملكة المتحدة، نام الناس في أسِرّة صندوقية، والتي كانت عبارة عن خزانة وبداخلها سرير، ولها أبواب تغلق عندما ينام فيها الشخص، فكانت تلك الأسرة أثاثاً مستقلاً بحد ذاته. كما تم بناء بعضها في الاستراحات والبعض الآخر بجوار المنزل الأساسي، كانت بعض تلك الأسِرّة مجهزة بستائر بدلاً من الأبواب الأمر الذي كان يضفي مظهراً لطيفاً وحميمياً على تلك المقصورة.

كان لتلك الأسِرّة الصندوقية العديد من الاستخدامات والفوائد بعيداً عن الخصوصية، فإنّ المساحة الصغيرة المحدودة لذلك السرير جيدة جداً للتدفئة، حيث تُشعر النائم داخلها بالدفء خلال فصل الشتاء، كما قدّمت هذه الصناديق الحماية من الدخلاء خاصةً الذئاب والحيوانات الأخرى، وشكلت تلك المقصورات مكاناً آمناً لأبناء الفلاحين أثناء غيابهم للعمل في الحقول.

ووفقاً لموسوعة الأكواخ، البيوت الريفية والضخمة للعمارة والأثاث، تعود أول مرة صُنع فيها السرير الصندوقي لعام 1833م، وبالنظر إلى تصميم تلك الأسِرّة نجدها تحتوي على رف أو اثنين مثبتين أسفل السرير أو على ظهره، كما كانت بعض الصناديق تحتوي على رف بالقرب من السقف وبذلك كانت قطعة أثاث متعددة الاستخدام.
وحسب ما جاء في الموسوعة فقد تم تثبيت الأبواب بمسامير، وزُوّد بعضها بقفل من الداخل وبذلك يمكن للشخص النوم في مقصورته مع كل ما يملك من نقود أو مجوهرات، حيث يمكن وضعها على الرفوف الموجودة داخل المقصورة، كما يمكن تركها في المقصورة خلال النهار بعد إقفال الباب عليها.

أصبحت تلك الأسِرّة الصندوقية قطعة أثاث جميلة وذات طابع خاص، وحتى المنازل الكبيرة التي احتوت على عدة غرف حيث لها من الخصوصية ما يكفي، اقتنت واحدة من تلك الأسِرّة الصندوقية. صمم العديد من صانعي الخزانات في القرن الثامن عشر أسرّة صندوقية سرية متنكرة في خزائن جانبية أو مخفية خلف رفوف الكتب أو خلف الأدراج.

انتهى استخدام الأسِرّة الصندوقية بدءاً من مطلع القرن التاسع عشر، بعد تزايد المخاوف حول مدى نظافتها ونظافة الهواء الموجود داخلها، ومع ذلك فقد بقيت بعض المناطق في إسكتلندا تستخدم تلك الأسِرّة حتى بدايات القرن العشرين.