شخصيات

الحياة بلا بصر أو سمع: قصة هيلين كيلر

لك أن تدرك حجم المأساة والمعاناة جراء فقدان إحدى حواسك الإدراكية كالسمع أو البصر فهما منفذاك للعالم الخارجي، فإن ولدت بغيرهما أو فقدتهما في سن مبكرة فلا أعلم وصفا حول نوع إدراك هذا الإنسان الذي لا يستطيع الكلام أو السمع أو البصر. كيف يستشعر العالم من حوله؟ ما فرصه في التعامل مع العالم الخارجي؟ كيف تكون حياته وحياة من حوله؟ (خاصة إن تعثر حظه ونشأ في عالمنا العربي).

”عندما يغلق باب السعادة يفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلا إلى الباب المغلق بحيث لا نري الأبواب التي فتحت لنا“. —هيلين كيلر ١٨٨٠-١٩٦٨

النشأة والطفولة

طفولة هيلين كيلر

في وقت كان التعليم فيه امتيازاً كبيراً لأي أحد، كانت كيلر محظوظة بولادتها لأسرة غنية وفرته لها.

ولدت الطفلة هيلين في 27 يونيو 1880 في ألاباما، في الولايات المتحدة، لعائلة ثرية من أصول ألمانية، تمتعت بصحة جيدة حتى بلغت 19 شهراً، حيث أصيبت بحمى شديدة شخصها الأطباء على أنها الحمى القرمزية والتهاب السحايا؛ فكان مرضها نقطة التحول في حياتها، إذ فقدت جراءه سمعها وبصرها، ونشأت الصغيرة الكفيفة صماء في بيت العائلة وبدأت بتعلم بعض الإشارات البسيطة للتواصل مع عائلتها ولتلبية حاجياتها.

كانت عدائية سريعة الغضب بسبب صعوبات التواصل وإحساسها بالنقص والاختلاف، حيث عرضها والدها على طبيب عيون مشهور إلا انه لم يقدم أي جديد؛ فذهب بها إلى العالم والمخترع الشهير ألكسندر غراهام بيل المعروف بتعامله مع مثل هذه الحالات، فنصح العائلة بضرورة إلحاق الصغيرة بأحد معاهد المكفوفين، وحققت فيه هيلين تقدما ملحوظا إلا انه لم يكن كافياً.

”إن أعظم شخصيتين في القرن التاسع عشر هما نابليون وهيلين كيلر“. —مارك توين

رحلة التعلم مع سوليفان

هيلين كيلر ومعلمتها سولفان

التعليم بحد ذاته مهنة صعبة، وعندما يضاف فقدان السمع والبصر للعوائق يضبح أصعب بكثير.

بدأت نقطة التحول في حياة هيلين عند دعوة عائلتها معلمة تدعى ”آن سوليفان“ للإشراف على تعليمها، وبعد الاستجابة الناجحة من طرف هيلين مع المعلمة الجديدة، حيث ذهبت سوليفان للإقامة في بيت العائلة. وطلبت المعلمة تخصيص غرفة خاصة لتدريس هيلين، والمثير أن سوليفان نفسها عانت من ضعف في النظر، إلا أن خبرتها العالية وصبرها الرهيب ساعداها على صنع المعجزة.

بدأت سوليفان تعليمها الحروف بطريقة ”بريل“، ثم بالتدريج انتقلت إلى ربط الحروف والكلمات بالإشارات، وبعد ذلك إلى مرحلة متقدمة بربط الإشارات بالأشياء الملموسة، حيث كان أول مثال هو ربط الماء بأحرفه بإشارة تدل عليه فكانت قفزة هائلة في مسار هيلين ومعلمتها.

واجهت هيلين بعض الصعوبات في التمييز بين الأسماء والأفعال إلا أنها بالممارسة والجهد استطاعت كتابة رسالة، وبعد شوط طويل بدأت المعجزة تكتمل مع تعلمها النطق والكلام. وذلك بوضع يدها على شفاه المتحدث، ومحاولة تقليد حركات الشفاه واللسان، فتعلمت هيلين الكلام وتم قبولها بمعهد هارفرد للفتيات، لم تفارقها معلمتها طوال سنوات دراستها، فكانت هي التي تترجم لها ما يقال وتقرأ لها الكتب فحصلت على شهادة البكالوريوس في العلوم والفلسفة.

إرادة تكسر الحديد

هيلين كيلر

مع إرادتها القوية، تمكنت هيلين من تحقيق ما عجز الكثير من الأصحاء عن تحقيقه.

بإرادتها القوية ومع معلمتها الفريدة، استطاعت هيلين تعلم لغات مختلفة كالفرنسية والألمانية واللاتينية، وأتقنت عدة مهارات منها الطرز وعلم النبات والجغرافيا بواسطة خرائط صنعت على أرض الحديقة. أتمت دراستها الجامعية وحصلت على درجة الدكتوراه، وأصبحت ناشطة حقوقية مهتمة بقضايا المكفوفين وأصبحت سفيرة لهم في أنحاء العالم، فقد زارت هيلين العديد من الدول وألقت محاضرات في قارات العالم الخمس.

التقت بعدة قادة وشخصيات مشهورة، وأنشأت صداقات عديدة، منها زيارتها للقاهرة وطلب لقائها بالأديب طه حسين، وقالت سوزان زوجته ”كنّا نشعر بانفعال شديد حين ذهبنا للقائها. ونتساءل كيف سيدور الحديث مع امرأة لم تكن عمياء فقط وإنما صماء وبكماء، والحق أن ذلك لم يكن صعبا على نحو ما انتظرنا أولاً، لأنها كانت امرأة بشوشة بقدر ما كانت لطيفة، كما كانت ذكية إلى حد خارق“.

إنجازات

حصلت هيلين على الكثير من الجوائز والأوسمة حول العالم، وألفت 18 كتابا ترجمت إلى أكثر من 50 لغة، ومن كتبها: ”قصة حياتي“، ”المعلم“ (مجموعة قصص عن معلمتها سوليفان)، ”الخروج من الظلام“، ”العالم الذي أعيش فيه“، ”التفاؤل“، ”ديانتي“. كما صنعت العديد من الوثائقيات والأفلام حول حياتها وكفاحها مثل فيلم The Miracle Worker الذي تناول قصة حياتها، وفيلم كرتوني تناول طفولتها.

عام 1968 وبعمر 88 سنة، توفيت هيلين بعد حياة من صنع المستحيل وتحدي الحدود، تاركة خلفها الكثير من الأمل وقوة الإرادة للبشر.

مقال من إعداد

mm

عبد الحق حفيضي