شخصيات

لمحات مهمة من حياة دوستويفسكي

دوستويفسكي
mm

1. فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكي، في اليوم ما قبل الأخير من تشرين الأول عام 1821 ولد في مستشفى الفقراء في موسكو، لعائلة فقيرة معدمة.

2. كان والده طبيباً يعمل في الجيش الروسي، مكتفياً على راتبه الشهري الذي لم يكن كافياً لتلبية طلبات الأسرة. أحس أن عليه ترك هذه الوظيفة، عله يحسّن وضعه المادي، فترك الطبابة العسكرية وانتقل للعمل في مستشفى للفقراء حيث ولده ابنه فيودور.

3. كان عليه أن ينمو وسط بيئة تسيطر عليها تسلطية الوالد التي اكتسبها من كونه كان ضابطاً في الجيش، ولم يتمكن؛ أو لنقل لم يحاول أن يتخلص منها.

4. كان هذا الوالد يشعر بالمهانة بسبب العوز والحاجة، فكان يفجر غضبه على ذاته وعلى من حوله، وقد كانت علاقته بزوجته وأولاده شرسة إلى درجة مقيتة وتحول البيت إلى ما يشبه السجن، فلا نزهات ولا ذهاب للمسرح ولا زيارات للأصدقاء والأقارب، مما جعل كاتبنا يعيش في عزلة شبه تامة عن بقية بني البشر، حتى الفقراء منهم، مع أنه كان يعيش بينهم.

5. من خلف السياج الحديدي المشبك الفاصل بين منزل عائلته ومستشفى الفقراء، كان يحاول—خلسة عن أبيه—إقامة علاقات إنسانية مع أولئك المرضى المعانين من همين مقلقين: الفقر والمرض. هكذا تولدت عنده الثورة، الثورة ضد القهر والفقر والحرمان والمرض، وراح يتساءل ماذا فعل هؤلاء ليعاقبوا هكذا؟ وأي عقاب هو هذا، ومن أنزله بهم؟

6. تساؤلاته هذه وثورته، تجسدت في كتاباته. فصوّر أبطاله الصغار على شاكلة طفولته، وصورة طبق الأصل لما كان يرى في مستشفى الفقراء.

7. وجد كاتبنا نفسه على صفحات الكتب، فراح يقتل ضجره ويتغلب على معاناته في القراءة. أحب جورج صاند، تشارلز ديكنز في [قصة مدينتين] خاصة، وولتر سكوت وغيرهم. فولّدت القراءة عنده أحلاماً وردية ورغبة في السفر الي تلك المدن التي يقرأ عنها، وانجذب إلى قصص الحب المتفاني، ولربما هذا ما جعله يحب الآخرين دون أن يطلب منهم مبادلته الحب.

8. ماتت أمه وهو في السادسة عشر من عمره، يرسل بعدها إلى مدرسة المهندسين في سان بطرسبورغ مع أخيه ميشال. في هذه المدينة يتعرف إلى مجتمع غريب عنه كلياً. مجتمع مادي، لا مكان فيه للإنسان وقيمه، فما كان منه إلا أن ثابر على اتخاذ الكتاب صديقاً، مبعداً نفسه عن زملائه وعن أساتذته أيضاً.

9. مات والده على يد أحد الفلاحين الذين كانوا يعملون في أرضه وذاق ذرعاً بتصرفاته التعسفية وبظفاظة معاملته. ولم يحزن كاتبنا لموت والده، وقد جاء التعبير عن عدم حزنه على لسان إيفان كرامازوف حين صاح بصوتٍ عالٍ ”ومن منا لا يتمنى موت أبيه؟“.

10. بُخل أبيه وعدم مدّه بالمال أديا إلى تراكم الديون عليه، فصار يتوسل كل من يعرفه لإقراضه بضع (روبلات) يستغل قسماً منها في سداد جزء من دين قديم، ويبقى الجزء الآخر لسد حاجاته اليومية. والأنكى أن أصحاب دور النشر والصحف كانوا واعين لحاجته للمال، فأخذوا يستغلون هذا الوضع، فلا يدفعون له ما يستحق كأجر عن عمله الكتابي بل أقل منه بكثير، وهو يرضى.

دوستويفسكي

صورة لدوستويفسكي من تصميم Ilya Glazunov

11. أحب أن يتحرر من بؤسه وعذابه، لكنه لم يشأ أن يحرر نفسه فقط، فكل المعذبين في روسيا وفي كل مكان على وجه الكرة الأرضية هم إخوة له، ولا بد من تحريرهم جميعاً… هكذا وجد نفسه عضواً في حركة تراشيفسكي الثورية الداعية إلى القضاء على القيصرية.

12. في اجتماعات الحركة كان يتلو قصائد غوغول الثورية ويدبج العرائض المتهجمة على النظام. لم يكن ينقصه إلا أن يحمل علماً أحمر وينزل إلى الشارع، داعياً الجماهير لتحذو حذوه. ولو فعل ذلك لكان سبق لينين وتروتسكي وبيريا وستالين وغيرهم من رواد الثورة الشيوعية.

13. وضعت الأصفاد حول معصميه واقتيد إلى المحكمة بتهمة التآمر ضد نظام حكم القيصر. وتعريض حياة القيصر نفسه للخطر. وبعد أشهر أربعة، يصدر الحكم (الموت رمياً بالرصاص).

اعدام دوستويفسكي

اعدام دوستويفسكي

14. تأتي تلك اللحظة، يُعطى كفناً يضعه على كتفه، ويساق رفاقه إلى ساحة سيميونوفسكي حيث بانتظارهم شلة من الجند عليها إطلاق النار نحو صدور هؤلاء ”الخونة المتمردين المتآمرين“، ويخيم سكون مطبق… سكون ارتعاش الموت الآتي… عصبت عيون الذين ”يستحقون الموت“ لكن صاحبنا لم يخف، كان ما يزال يأمل أن ما من رصاصة قادرة على اختراق صدره. وبالفعل، كان له ذلك، إذ في اللحظة الأخيرة التي سبقت الأمر بقرع الطبول تمهيداً لاطلاق النار، يطل ضابط مسرعاً وهو يلوح بقطعة قماش بيضاء، لقد عفا القيصر عنهم واستبدل حكم الإعدام بالأشغال الشاقة لمدة تسع سنوات في سيبيريا، نفس المكان الذي سينفي ثوار ثورة عام 1917 القيصر وعائلته إليه، قبل الإقدام على قتلهم.

15. في الطريق إلى المنفى يتعرف في القطار على امرأة رق له قلبها، فأهدته الكتاب المقدس ليكون عزاء له في فترة عذابه الجديدة، وبين صفحاته خمسة وعشرون روبلاً. لم يجد في سيبريا المنفى إلا القتلة المجرمون فعلاً، ولصوص تعمدوا سرقة تعب الناس، وهناك أيضاً الحاقدون على الروس، إنهم البولونيون… وهل بمقدوره أن يصادق مثل هؤلاء؟ وهكذا وجد نفسه يعمل برفع الثلوج ونقل الحجارة أو صقلها، ونوبات الصرع لا تبارحه.

16. ثانية، جاء الفرج. إذ بعد أربع سنوات أطلق سراحه واستعاد حريته، إنما هل هو فيودور ميخائيلوفيتش ذاته الذي كان قبل اعتقاله؟ بالطبع لا… عاد إلى المدينة التي يحب. ولكن ما من أحد يذكره أو يتذكره، وما من أحد يرغب بالتعامل معه، فتطوع جندياً في الجيش، ولحسن حظه، أو لسوئه أرسل للخدمة في سيبريا، وتحمل المشقات فرقيّ إلى ضابط برتبة ملازم ثانٍ. لقد أمن مدخولاً شهرياً، لكنه خسر الكثير. لم يعد مسموحاً له أن ينشر كتاباً أو مقالة، فاحتال على هذا المنع فصار يكتب بأسماء مستعارة.

17. ترك الخدمة العسكرية وعاد إلى سان بطرسبورغ، إنما عاد هذه المرة انساناً مشهوراً، إنه مؤلف كتاب ”منزل الأموات“، الذي جعله على كل شفة ولسان. فأحس بالنشوة، واعتقد أن الحياة أخذت تبتسم له، فأسس بالاشتراك مع أخيه مجلة أدبية كان هو محررها الوحيد. يكتب بجد ونشاط آملاً أن يصبح من أصحاب الثروات. لكن توقعاته لم تكن في محلها، لقد منعت المجلة من الصدور دونما سبب واضح، وتموت زوجته وكذلك أخوه… هكذا عادت الهموم تتراكم على منكبيه وكذلك الديون، ويثابر على المقاومة، فكان يكتب ليل نهار غير آبه بنوبات الصرع، ويعيد نسخ كتاباته حتى لا يدفع أجراً لناسخ آخر، لكن جهوده تذهب سدى، ويكثر دائنوه والمطالبون بديونهم، فلم يجد بداً من إنقاذاً لشرفه وسمعته إلا الهرب إلى أوروبا برفقة فتاة في العشرين من عمرها، ما لبثت أن تخلت عنه واندمجت في حياة الأوروبيين الغربيين.

دوستويفسكي

دوستويفسكي في اوروبا

18. في أوروبا أحس بالغربة القاتلة، فلا الأرض أرضه ولا هؤلاء القوم قومه. إنه يحب روسيا رغم معاناته فيها، ورغم أن هناك من نبذه، لكن في الوقت ذاته هناك من أعطاه الشهرة وجعل اسمه على كل شفة ولسان. روسيا عنده هي مصدر الوحي والالهام. حتى في أوروبا، لم يكتب إلا عن روسيا ولأبناء روسيا. كان يقف ساعات طويلة أمام شباك البريد أملاً في استلام حوالة من ناشر أو صحيفة، رغم ارسال العديد من الرسائل مطالباً بحق يستحق له لقاء ما كتبه. من جديد وجد نفسه منغمساً في الكتابة ليل نهار: الجريمة والعقاب – المغامر – الأبالسة – الأبله وغيرها من آثار هزت مشاعر القراء وتحولت إلى غذاء روحي لعشرات الملايين في القرن التاسع عشر ولمئات الملايينن فيما بعد. ولا عجب في ذلك، إن قال عنه مكسيم غوركي: ”هذا الذي لم يجاره أحد موهبه فنية وقدرة على التعبير، إلا شكسبير وحده“.

19. خرج الناس إلى الشوارع يوم العاشر من شباط 1881 يبكون دوستويفسكي الذي جعله كتابه ”مذكرات كاتب“ رسول روسيا إلى العالم… ويتهافت الروس من كل حدب وصوب لإلقاء النظرة الأخيرة على ذلك الجسد المسجى في غرفة متواضعة ويتخاطفون الزهور التي نثرت على جسده وحوله، متباهين بالقول ”إن هذه الزهور لامست جسد دوستويفسكي… إنها كنز ثمين“.

20. في أوروبا، كان يخشى الموت، لئلا يسير خلف نعشه إلا الغرباء، لكن ها هو اليوم، مات في روسيا. وها هم الروس—رغم محاولات الشرطة تفرقة جموع المشيعين—يسيرون خلف نعشه حاملين السلاسل الحديدية التي كبلت أرجل وأيدي المحكوم بالأشغال الشاقة والمنفي إلى سيبريا. في حياته كان منبوذاً، إنما ها هي مئات الألوف تسير في جنازته أو تزور قبره: كتّاب، صحفيون، عمال، فلاحون، إنهم يسيرون في وداع رسول روسيا إلى العالم.

ضريح دوستويفسكي

ضريح دوستويفسكي

مقال من إعداد

mm

عدي الفران