معلومات عامة

هل أقتل الركاب أم المشاة؟ المعضلة الأخلاقية للسيارات ذاتية القيادة

كيف يمكن لبرمجة سيارة بدون سائق تجاه المعضلات الأخلاقية أن تؤثر على قرارك بشرائها؟

سيارة بدون سائق

تصور بأنك تقود سيارتك مسرعا وفجأة يقفز أمامك أحد المشاة، الطريق ضيق وهناك حاجزين اسمنتيين على جانبي الطريق تمنعك من تفاديه، لذلك فإن خياراتك محدودة إما أن تستمر بالسير وتصدمه أو أن تنقذه بأن تصدم إحدى الحواجز الإسمنتية، أي الخيارين كنت ستختار؟ تخيل لو كان عدد المشاة خمسة أو حتى عشرة، هل سوف يتغير جوابك؟

إذا عدنا للواقع ورغم ندرة حدوث مواقف مرورية كهذه، فإن السائق سوف يضطر لاتخاذ هذا القرار بأجزاء من الثانية، خيار قد لا يتمكن قائد السيارة من التفكير به بشكل كامل.

تصبح معرفة الاستجابات المناسبة لهذه الحالات أكثر أهمية، حين نأخذ في عين الاعتبار احتمالية أن تتخذ السيارات التي تقود نفسها بنفسها تلك الاستجابات عوضا عنا، وهذا يعني أن المهندسين يجب أن يكتشفوا الطريقة الأفضل والأكثر أخلاقية لبرمجة هذه الاستجابات قبل أن تنتشر تلك السيارات.

معظم المشاركين بالبحث يعتقدون أن السيارات المبرمجة لتحمي أكثر عدد من الأشخاص هي الأكثر أخلاقية:

بحث جديد تم نشره مؤخرا يأمل في مساعدة الباحثين في الموضوع، حيث حاول البحث معرفة رأي العامة في القرار الذي يجب تتخذه السيارات ذاتية القيادة حين تتعرض لمعضلة أخلاقية من العيار الذي تحدثنا عنه سابقا، وكيف يمكن لبرمجة السيارة المتعلقة بهذه القرارات أن تؤثر على قراره بشرائها أو قيادتها.

بتحليل نتائج عدة استطلاعات رأي تحتوي على معضلات أخلاقية مماثلة لما طرحنا سابقا، تبين الباحثون بأن معظم الناس يعتقدون أن سيارات ”المنفعة العامة“ أي السيارات المبرمجة لتحمي أكثر عدد من الأشخاص هي الأكثر أخلاقية حتى لو قامت السيارة بالتضحية بركابها في سبيل تحقيق ذلك، لكن رغبتهم بشراء سيارة من هذا النوع تبقى أمرا مختلفا تماما.

خلال عدة سنوات أو عقود سوف تصبح السيارات ذاتية القيادة جزءاً طبيعيا من طرقاتنا:

السيارات ذاتية القيادة تلك السيارات المبرمجة لقيادة الركاب دون تدخل بشري كانت في يوم من الأيام فكرة من أفكار الخيال العلمي، ولكنها اليوم تتحول ببطء إلى أمر واقع.

جوجل تجرب بالفعل العديد من سياراتها الاختبارية على الطرقات العامة لعدد من المدن الأمريكية، وشركات أخرى كشركة تيسلا تعمل أيضا على رؤيتها الخاصة من تكنولوجيا القيادة الذاتية. خلال عدة سنوات أو عدة عقود سوف يصبح من الممكن تصنيع تلك السيارات على نطاق واسع وأن تصبح السيارات هذه جزءاً طبيعيا من طرقاتنا.

يعتقد الكثير من الخبراء أن حدوث هذا الأمر سيكون جيدا جدا، حيث تقتل حوادث السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية فقط عشرات الآلاف من الأشخاص حسب دراسات وزارة النقل الأمريكي، كما يصاب عدة ملايين في تلك الحوادث.

غالبية تلك الحوادث قد تم نسبها للأخطاء البشرية، والذي يعتقد العلماء بإمكانية تفاديها في حال وجود سيارات ذاتية القيادة تلتزم بقوانين الطريق. يعتقد بعض الباحثين أن ما يقارب لـ 90% بالمئة من حوادث السير قد يمكن تفاديها باستخدامنا للسيارات ذاتية القيادة.

يجب على تلك السيارات أن تبرمج للاستجابة لأي موقف محتمل قبل أن تنتشر تلك السيارات وهو ما يشكل معضلة لهذه الصناعة، هناك أسئلة أخلاقية صعبة كاختيار من يجب أن تضحي السيارة به في حال تعرضت لموقف يتحتم على أحد ما أن يصاب، هذه الأسئلة يجب أن تجاب قبل أن تخرج هذه السيارات إلى الطرقات.

سيارة بدون سائق

الدراسة الجديدة اعتمدت على مجموعة من الاستطلاعات التي قدمت سيناريوهات أخلاقية صعبة، في إحدى تلك الاستطلاعات كان يجب على السيارة إما أن تنعطف عن الطريق وتقتل ركابها أو تنقذ ركابها وتقتل عشرة مشاة. في استطلاع آخر السيارة كان عليها إما أن تقتل ماشيا واحدا أو اثنان حتى لو نجا الراكب في جميع الأحوال. وفي استطلاع مختلف كان يجب على السيارة أن تقرر بين قتل عشرين من المشاة أو قتل السائق وطفله. الدراسة احتوت على ستة من أنماط هذه الأسئلة بشكل عام.

مشاعر المشاركين تغيرت حين سأل الباحثون عن الجهة التي ستسن القوانين بخصوص برمجة السيارة تجاه حماية الركاب أم المشاة.

تقول ”جين بونيفون“ المؤلفة الرئيسية للبحث:

ما تبين لنا هو أن غالبية كبيرة من الناس يشعرون بأن السيارة يجب أن تضحي بالسائق للمصلحة العامة

بشكل عام اعتقد أغلب من تم سؤالهم أن التضحية بالقلة لأجل الأكثرية كان الخيار الأكثر أخلاقية حتى في الحالات التي كان يجب التضحية بالراكب فيها.

على سبيل المثال في الحالات التي كان التضحية بالراكب الواحد مقابل إنقاذ عشرة مشاة، 76% من المشاركين اعتقدوا بأن الخيار الأكثر أخلاقية كان التضحية بالراكب.

من خلال السيناريوهات المختلفة فإن موافقة المشتركين على تلك التضحية ازدادت بزيادة عدة الأشخاص الذي تم انقاذهم.

لكن حين تمت إضافة أطفال وأفراد أسرة آخرين إلى السيارة أصبحت الإجابات أكثر تعقيدا فالمشاركون اعتقدوا بتدني نسبة أخلاقية التضحية بالركاب في هذا الموقف حتى لو كان عدد المشاة المضحى بهم أكبر لكن ومع ذلك أكثر من 50% منهم أصروا على أن التضحية بالركاب كانت أكثر أهمية.

مشاعر المشاركين تغيرت بشكل مفاجئ حين سأل البحث عن الجهة التي ستسن القوانين بخصوص هذه القرارات، كما أن مشاعر المشاركين تغيرت أيضا حين سئلوا إذا كانوا مستعدين لشراء سيارة مبرمجة للتضحية بهم مقابل المنفعة العامة.

تبين لدى البحث أن المشاركين كانوا ممانعين لفكرة أن تفرض الحكومات السيارات المنفعية (حصرا) أي تلك المصممة لحماية أكثر عدد من الناس حتى على حساب الركاب، كما عبروا عن عدم رغبتهم الشديدة بشراء السيارات المزودة بهذه القرارات الأخلاقية، بينما عبروا عن رغبتهم بشراء السيارات المبرمجة لحماية الركاب بأي ثمن ممكن.

يقول ”إياد رهوان“ من معهد ”إم آي تي“ وهو أحد مؤلفي الدراسة معلقا على الموضوع:

حتى لو كنت من هؤلاء الأشخاص النبلاء المستعدين لشراء سيارات قد تضحي بك مقابل المصلحة العامة، فإنك في حال لاحظت أن معظم الناس يشترون السيارات المبرمجة لحمايتهم، فإنك سوف تعيد التفكير بالموضوع وستسأل نفسك عن سبب تعريض نفسك وعائلتك للخطر مقابل حماية الآخرين في حال لن يقوم الآخرين بذات التضحية.

هناك العديد من الأسئلة التي ما زال علينا الإجابة عنها والتي لا شك بأنها ستصبح أكثر تعقيدا مع تطور التكنلوجيا واقترابها من الاستخدامات التجارية.

تمتلك السيارات ذاتية القيادة القدرة على إحداث ثورة في وسائل النقل والتخلص من معظم حالات الوفاة على الطرقات

كما يقول السيد ”رهوان“ ويتابع:

لكن وكما نعمل على جعل تلك التكنلوجيا أكثر أماناً، يجب علينا أن ندرك التحديات النفسية والاجتماعية التي تطرحها تلك التكنولوجيا.

هذا المقال مترجم بتصرف من المصدر.

المصادر

عدد القراءات: 9٬443