قصص من الواقع

تعرف على الحالة المرضية الغريبة التي خيمت على قرية في كازاخستان جعلت سكانها ينامون بشكل فجائي ولأيام كاملة قسراً!

امرأتان نائمتان

تخيل أن تعيش حياتك بصورة طبيعية، ثم تسقط نائما بدون سابق إنذار، ثم تستفيق لاحقا بعد أيام وحتى أسبوع كامل ولا تملك أية ذاكرة عما كان قد حدث بالفعل! قد يبدو هذا جزءا من أحد سيناريوهات أفلام الرعب أليس كذلك؟ نحيطك علما عزيزي القارئ أنه ليس خيالا، ففي بلدة صغيرة تدعى (كالاشي) في (كازاخستان)، كانت هذه الدراما تجري منذ سنوات حيرت فيها الأطباء والباحثين.

لا يتعلق الأمر بحالة الخدار أو النوم القهري أو بالغيبوبة، غير أنه بالنسبة لسكان قرية (كالاشي) فإن ”مرض“ النوم هذا الذي خيم على بلدتهم كان مثل غطاء واسع من الغموض والرعب الذي أُسدل على جميع السكان، تضرب هذه الحالة بدون سابق إنذار، وتتسبب لدى المصاب بها في النوم المفاجئ والعميق والطويل، عندما يستفيق المصابون بعد النوم لأيام وحتى أسبوع؛ يجدون أنفسهم فاقدين للذاكرة بشكل جزئي، ويختبر الكثير منهم فقدان ذاكرة يستمر لسنوات لاحقاً.

جاء أول التقارير عن هذه الحالة المرضية المقلقة في ربيع سنة 2013، منذ ذلك اليوم حتى سنة 2015، اختبر حوالي واحد من كل أربعة من سكان البلدة حالة النوم المرضي هذه، التي تتضمن كذلك إرهاقا شديدا، وصعوبة في الكلام أو المشي، وخدارا عميقا يؤثر على الذاكرة بشكل كبير.

لا يوجد أي نمط ملحوظ على المصابين كذلك، فقد تصيب هذه الحالة أي شخص كان، وفي أي وقت كان، وفي أي عمر أو جنس أو أي حالة صحية. تعرض لها المصابون خلال أدائهم لمهامهم الوظيفية في مقرات أعمالهم، وفي الليل بينما كانوا نائمين أو يطهون وجبة العشاء، وحتى عندما كانوا يقودون سياراتهم، وعندما يستفيقون من نومهم الغريب والطويل هذا في نهاية المطاف؛ يكون معظمهم مشوش التفكير وبعضهم يتعرض حتى للهلوسة في الساعات الأولى من استيقاظهم وعودتهم إلى عالم المستفيقين، وكانت حتى امرأة من المقيمات في هذه القرية التي لُقبت بـSleepy Hollow قد صرحت بأن قطتها أيضا تعرضت لهذه الحالة في إحدى المرات!

بلدة (كالاشي) في (كازاخستان)

بلدة (كالاشي) في (كازاخستان) – صورة: The Siberian Times

اشتبه في بادئ الأمر في مناجم اليورانيوم التي تحيط بالبلدة على أنها مسبب هذه الحالة المرضية الغريبة والنادرة، وذلك لأن تركيز عنصر الرادون المشع في المنطقة كان أعلى بخمسة مرات تقريبا من المعدل الطبيعي، غير أن اختبارات إشعاعات اليورانيوم لم تأت بنتائج تؤكد على هذه الفرضية، وهذا إلى جانب العديد من الفحوصات والاختبارات على الأسباب البكتيرية والفيروسية كذلك.

على الرغم من عدم توفر رابط مؤكد بين حجم إشعاعات الرادون ومرض النوم الغريب هذا فإنه لم يتم شطبه من لائحة المسببات المشتبه فيها في نفس الوقت. كل ما كان الأطباء متأكدين منه هو أن الإصابات بهذه الحالة كانت تأتي في شكل موجات اجتياحية، فقد بدا أنها تكون أكثر شيوعا بعد فترة ذوبان الجليد، حيث بدا أن هناك ارتباطا بينها وبين حركة واتجاه الرياح، وتملي هذه العوامل على أن الحالة قد تكون راجعة لأمر ما متعلق بالبيئة.

في تلك الأثناء، كل ما كان الأطباء والعائلات يقومون به في خضم ذلك هو الاعتناء بالمرضى خلال دورات النوم القهري التي يمرون بها ومساعدتهم على العودة مجددا إلى عالم المستيقظين مع أقل قدر ممكن من الصدمات التي قد يتعرضون لها. اختبر بعض المصابين ارتفاعا في ضغط الدم وصداعا في الرأس بعد هذه الحالات، لكنه يبقى مجهولا ما إن كانت هذه الأعراض مستمرة ودائمة، كما يبقى مجهولا كذلك ما إن كانت هذه الأعراض بسبب تعقيدات ناجمة عن حالة النوم المرضي التي مروا بها، أم أنها بسبب كونهم أصبحوا يخافون من الخلود إلى النوم وعدم الاستفاقة منه أبدا مما يدفعهم إلى مقاومة النوم قدر الإمكان.

تضمنت الأعراض الجانبية لتسرب الغازات الآنفة الذكر والتي تركت سكان البلدة طريحي الفراش كلا من آلام على مستوى الرأس وفقدانً في الذاكرة

تضمنت الأعراض الجانبية لتسرب الغازات الآنفة الذكر والتي تركت سكان البلدة طريحي الفراش كلا من آلام على مستوى الرأس وفقدانً في الذاكرة – صورة: Max Avdeev/BuzzFeed

عمد الكثير من سكان (كالاشي) بعد ذلك إلى حزم أغراضهم والرحيل عنها بشكل كلي، آملين أنهم سيتركون المرض الغريب خلفهم، ودعمت الحكومة المحلية، التي حيرتها هي الأخرى هذه الحالة الطبية الغريبة، إعادة التوطين هذه وتركتها خيارا مفتوحا للمواطنين، ثم بدر تساؤل جديد مفاده ما إن كانت هذه الحالة قابلة للانتشار بعد رحيل المصابين إلى تجمعات سكانية جديدة أم لا، أي ما إن كانت معدية أم لا.

على الرغم من أن من بين أعراضها الجانبية صداع في الرأس وفقدان للذاكرة، فإن هذه القضية التي ظل الغموض يخيم عليها لزمن طويل، والتي راح ضحية لها حوالي 160 شخصاً منذ سنة 2012، قد تم اكتشاف سرها ومسبباتها أخيرا.

يرجع السبب الرئيسي في هذه المعضلة الطبية إلى منجم يورانيوم قديم منذ الحقبة السوفييتية الذي بنيت عليه البلدة، لكنه لا يتعلق باليورانيوم ولا بإشعاعات الرادون الكيميائية، حيث يقوم هذا المنجم بضخ مستويات عالية من أول أكسيد الكربون خارجاً، مما تسبب في تسمم سكان البلدة.

لفرحته الشديدة بفك لغز هذه الحالة المحيرة، صرح نائب الرئيس الكازاخستاني (بيرديبك سابارباييف) لصحيفة (مايل أونلاين): ”لقد تم الفصل في السبب الرئيس وراء داء النوم الغريب هذا، بعد عدة اختبارات طبية، تأكد الباحثون لدينا من أنه غاز أول أكسيد الكربون الذي أثر في سكان قرية (كالاشي)“.

عندما ارتفعت مستويات أول أكسيد الكربون والهيدروكربون في ذلك المنجم غير المستعمل، انخفضت مستويات الأكسجين في البلدة.

المنجم في قرية (كالاشي)، حيث يعاني السكان من آلام في الرأس وهلوسات غريبة.

المنجم في قرية (كالاشي)، حيث يعاني السكان من آلام في الرأس وهلوسات غريبة – صورة: The Siberian Times

أظهرت بعض الاختبارات التي قام بها خبراء في (براغ) و(موسكو) بشكل مستقل أن مستويات أول أكسيد الكربون في الجو كانت أعلى بعشرة مرات من المستويات الطبيعية، وأرجع العالم الروسي (ليونيد ريكفانوف) السبب وراء حالة النوم القسري تلك إلى منجم اليورانيوم أيضاً، هذا على الرغم من أنه قال بأن سببها هو الغازات التي تكونت عندما امتلأ المنجم غير المستعمل بالماء.

يقول (ريكفانوف): ”إن نموذجي هو الوحيد القادر على شرح ما يجري هناك، حيث يتكدس عنصر الرادون وبعض الغازات الهامدة الأخرى التي تتكون كنتيجة لتحلل اليورانيوم من طرف المياه الجوفية عبر تصدعات في الأرض مما يجعلها ترتفع إلى السطح، لوصف الأمر بطريقة بسيطة، عندما هُجرت مناجم اليورانيوم؛ بدأت تمتلئ بالمياه، مما دفعها إلى التجمع والتكدس في أقبية المنازل والمباني“.

الآن بعد أن عُرف سبب هذه الحالة المرضية الغريبة، تم إخلاء بلدة (كالاشي) التي تبعد حوالي 250 كيلومترا عن الحدود الروسية، وتم أيضا إخلاء بلدة (كرازنوغورسك) المجاورة التي تلقب بـ”مدينة الأشباح“، وتضمنت خطة الحكومة توفير أماكن للعيش لفائدة السكان في مناطق جديدة.

مدينة الأشباح: الآن بعد أن أزيل الغموض عن القضية، تم إخلاء سكان (كالاشي) —في الصورة— وقرية (كرازنوغورسك) المجاورة.

مدينة الأشباح: الآن بعد أن أزيل الغموض عن القضية، تم إخلاء سكان (كالاشي) —في الصورة— وقرية (كرازنوغورسك) المجاورة – صورة: The Siberian Times

في حالة هجر: في وقت التقاط هذه الصورة تم ترحيل 68 عائلة من أصل 223 من قرية (كالاشي).

في حالة هجر: في وقت التقاط هذه الصورة تم ترحيل 68 عائلة من أصل 223 من قرية (كالاشي) – صورة: The Siberian Times

للعلم، فقد أثار هذا التسمم مخاوف عميقة بين المحليين عندما بدا وكأن الجميع لم يكن يدري ما يحصل بالضبط، فقد تحول معظم سكان المدينة إلى أشباه الزومبي أو ”الأحياء الأموات“.

روت إحدى الصحفيات المصورات ممن قضوا بعض الوقت في (كالاشي) قصصا عن أطفال تحت تأثيرات الهلوسة رأوا أن أمهاتهم كانت لديهن عيون إضافية في جباههن، ورأى أحد الصبيان أحصنة ومصابيح مضاءة تطوف فوق رأسه، وقالت نفس الصحفية أن بعض المرضى رفضوا التعامل مع الممرضات ولقبوهن بـ”العاهرات“ و”بائعات الهوى“.

في تلك الأثناء، صرحت الكثير من النساء أن أزواجهن وأصدقاءهن الحميميين كانوا يستفيقون من النوم الطويل وهم في حاجة شديدة لممارسة الجنس، تقول إحداهن: ”بمجرد استفاقة الرجال من ذلك النوم الغريب، يكونون في حاجة ماسة لممارسة الجنس على الفور وفي عين المكان، ويستمر هذا الشعور لديهم لمدة شهر تقريبا“.

وتفيد مواطنة أخرى من قرية (كالاشي): ”كان أحد الرجال قد غادر لتوه المستشفى، ولم يكن قادرا على المشي أو حتى تناول الطعام، لكنه لم يتوقف عن ممارسة الجنس مع زوجته، لقد بدا في حاجة ماسة إلى ذلك“، غير أن الرجال في البلدة امتنعوا كلهم تقريبا عن الحديث عن هذا الجانب من الأعراض الجانبية التي تصاحب مرض النوم الغريب هذا الذي أصابهم.

قالت امرأة أخرى في الأربعينات من عمرها، والتي كانت قد رحلت واصطحبت ابنها معها للعيش في بلدة مجاورة لحمايته من المرض الغريب: ”بعد أن استفاق زوجي من نومه الطويل والعميق اتصل بي وقال: ’اسمعيني جيدا، إما أن تأتي لزيارتي حالا أو سآتيك أنا‘“.

واحد من الأعراض المنهكة للتسمم الغامض الذي حصل في (كالاشي) هو عدم القدرة على التحكم في المثانة.

واحد من الأعراض المنهكة للتسمم الغامض الذي حصل في (كالاشي) هو عدم القدرة على التحكم في المثانة – صورة: The Siberian Times

صاحبت حالة التسمم الغريب هذه أيضا بعض الأعراض المنهكة على غرار عدم القدرة على التحكم في المثانة، تقول إحدى المقيمات في (كالاشي): ”تبول أحد الرجال المساكين في ملابسه عندما ذهب إلى المستشفى، وعندما أزالت الممرضات ملابسه لتغييرها وجدنه في حالة انتصاب، لم يكن واعيا بالشكل الكافي لكنه كان متحمسا جنسيا“.

قفز رجل آخر من فراشه بينما كان يتعافى في المستشفى وقام بتحية الأطباء المشرفين عليه بتحية النازيين، وصاح فيهم بعبارة ”هايل هيتلر“، بينما تخيل رجل آخر في العقد السادس من عمره أنه ديك وراح يضرب بذراعيه وكأنهما جناحان.

كما كان للمؤمنين بنظريات المؤامرة نصيب في هذه القصة، حيث اعتقد الكثيرون منهم أنهم تم تسميمهم عمدا من طرف مطوّري العقارات الذين كانوا يرغبون منهم أن يرحلوا عن تلك البلدة لأن بها منجم ذهب قيم جدا. اعتقد رجل آخر، الذي قال بأنه أجرى تجاربه العلمية الخاصة بنفسه، بأن الظاهرة سببها نشاط فضائي، فقال: ”يبدو وكأن شعاعا ما مر عبر القرية، لا أدري ما نوعه بالضبط“ واستطرد قائلا: ”لربما كان صادرا عن نوع خاص من المعدات، ربما جهاز إرسال، أنا ألاحظ أن تموقع المنازل المتضررة كان على خطوط مستقيمة واحدة، كما لو أن شعاعا ما مر خلالها“، وأنهى حديثه قائلا: ”أنا لست هنا أتحدث عن الصحون الطائرة، أنا أحاول فقط فهم ما يجري هنا“.

عدد القراءات: 744