تاريخ

دخلك بتعرف (أتلانتروبا)؟ الخطة الألمانية لتجفيف مياه البحر المتوسط

مشروع (بانروبا) الألماني لسنة 1929

اقترح المخطط بناء سلسلة من السدود بنهايات معاكسة للبحر الأبيض المتوسط من أجل خفض مستوى مياه البحر، قد تبدو هذه الفكرة الألمانية في تجفيف مياه البحر المتوسط ذلك النوع من الأمور الشريرة الذي قد يفكر فيه فقط (الرايخ الثالث)، أو يخطط لتنفيذه والقيام به، لكنه لم يقم بذلك في واقع الأمر، فلم يكن النازيون مهتمين بالخطة على الإطلاق، لكنها كانت مخططا حقيقيا بالفعل.

كان هذا المخطط من بنات أفكار مهندس ألماني عرف باسم (هيرمان سورجل)، الذي هو ليس أحد النازيين، ولم ينتمي إلى الحزب النازي يوما، بل أن ارتقاء (أدولف هيتلر) إلى السلطة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي أقنع المهندس (سورجل) بضرورة إيجاد حلول جذرية جديدة تماما من أجل حل مشاكل قارة أوروبا المتعلقة بارتفاع نسبة البطالة، وما كان يرى فيه مشكلة طاقة وشيكة الحدوث ولا يمكنها الانتظار لوقت أطول.

قام (سورجل) في بادئ الأمر بنشر كتابه الذي كان بعنوان Mittelmeer-Senkung, Sahara-Bewässerung Panropaprojekt، أو فيما معناه (خفض مستوى مياه البحر الأبيض المتوسط، وسقي الصحراء الإفريقية الكبرى، مشروع بانروبا) وذلك في سنة 1929.

توسع بعد ذلك في طرحه هذا في كتاب آخر نشره بعد ثلاثة سنوات من نشر الكتاب الأول، وهو الكتاب الذي قدم مصطلح (أتلانتروبا) إلى العالم.

يدعو هذا المخطط إلى بناء سلسلة من السدود الضخمة في نقاط مفتاحية على البحر الأبيض المتوسط: يكون أولها على مضيق جبل الطارق ومضيق (الدردنيل)، وكذا بين كل من (صقلية) و(تونس)، مما يجعل البحر المتوسط يتحول إلى حوضين كبيرين، مع جعل مستوى المياه في الجهة الغربية ينخفض بنسبة متر واحد في السنة، والجهة الشرقية بنسبة مترين في السنة الواحدة.

مشروع (بانروبا) الألماني لسنة 1929

خريطة للسدود المقترحة في مضيق جبل الطارق، من طرف (هيرمان سورجل) بهدف خفض مستوى مياه البحر الأبيض المتوسط وسقي الصحراء الإفريقية الكبرى، ما عرف بمشروع (بانروبا) لسنة 1929.

على مر قرن من الزمن، سيجعل هذا الأمر مياه البحر كلها تنخفض بما يقارب المائة متر في الجهة الغربية والمائتي متر في الشرقية منها، مما يخلق مساحة 660 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الصالحة للزراعة.

قد يكون بالإمكان زراعة هذه المنطقة، التي سيفوق حجمها حجم دولة فرنسا، من أجل تغذية سكان أوروبا الآخذين في الزيادة.

تضمن المخطط بعض التفاصيل الرائعة:

كان هناك في بادئ الأمر السدود العملاقة الضرورية من أجل وقف تدفق المياه من المحيط الأطلسي غربا والبحر الأسود شرقا، واقترح (سورجل) كذلك تزويدها بمنشآت توليد الطاقة الكهربائية الهيدروليكية من أجل تزويد كامل القارة الأوروبية بالطاقة الكهربائية.

كما يقوم سد مضيق جبل الطارق بربط القارة الإفريقية بالقارة الأوروبية بواسطة الطرقات والسكك الحديدية، مع ربط كذلك جزيرة (صقلية) بباقي الأراضي الإيطالية، ويمكن كذلك استعمال السد الثالث، والمركزي، كهمزة وصل رابطة بين القارتين كذلك.

قنوات وسدود، مخطط وخريطة (هيرمان سورجل) الـ(أتلانتروبا)

قنوات وسدود، مخطط وخريطة (هيرمان سورجل) الـ(أتلانتروبا).

تضمنت بعض الأشغال الهندسية التي أدرجها (سورجل) في مخططاته تمديد قناة السويس، وإنشاء قناة جديدة كليا تربط (البندقية) بالبحر (سيختفي على إثر ذلك البحر الأدرياتيكي)، وإنشاء بحيرات ضخمة للغاية في مركز إفريقيا، التي أمل أن يتم استخدامها في سقي الأراضي الزراعية في المنطقة كلها.

العيوب:

كانت تشوب مخطط (سورجل) بعض العيوب نذكر منها:

ورد في تقرير لمجلة (الميكانيكيات الشعبية) Popular Mechanics نشر في شهر مارس سنة 1977 أن مخطط (أتلانتروبا) كان ليتسبب في غلق بعض أكثر البوابات البحرية حركة في العالم، كما قد يتسبب في تدهور اقتصادات الدول الواقعة في جنوب القارة الأوروبية وشمال القارة الإفريقية، وقد يتسبب كذلك في تغيير النظام البيئي في المنطقة كلها، وهو احتمال وارد بشكل كبير.

كما قد يتسبب نقص حجم المياه فوق قاع البحر الأبيض المتوسط البركاني بطبيعته، في التسبب بثورانات بركانية وزلازل هائلة وعنيفة، بينما سترتفع مستويات المياه في باقي البحار والمحيطات حول العالم، مما سيتسبب دون شك في الفيضانات في المناطق المنخفضة منها.

مخطط السلام:

كتب (ريكاردا فيدال)، وهو محاضر في الثقافة البصرية والتاريخ الثقافي في جامعة (كينغ) في (لندن)، أن ما جعل مخطط (أتلانتروبا) جذابا وملفتا للإنتباه في ذلك الوقت ”كان رؤياه في تحقيق السلام العالمي، ليس من خلال السياسة والدبلوماسية، بل من خلال حل تكنولوجي بسيط“.

كانت (أتلانتروبا) لترتبط مع بعضها البعض بواسطة شبكة إمدادات طاقوية واسعة، التي قد تمتد من المنشآت الكهربائية الهيدروليكية في سد مضيق جبل الطارق، وتزود كامل القارة الأوروبية إلى جانب القارة الإفريقية بالطاقة الكهربائية، يتم الإشراف على هذه المنشأة الطاقوية من طرف هيئة مستقلة تكون لها صلاحية قطع الطاقة عن أي دولة تشكل تهديدا للأمن والسلام العالميين.

أمل (سورجل) أن ترضي فكرة الـ(أتلانتروبا) الرغبة الألمانية الملحة في تحقيق ما أسموه بـ(الليبنسراوم)، وهو مصطلح ألماني يعني الوطن، وبدل ذلك، عمد (هتلر) إلى احتلال أوروبا الشرقية.

لم يأخذ النازيون (سورجل) ولا أفكاره على محمل الجد، لكن من يدري؟ في عالم موازي حيث قد تكون دول المحور قد فازت بالحرب العالمية الثانية، فقد تكون هذه الدول قد أعادت النظر في سياساتها وأخذت بالحسبان الـ(أتلانتروبا) من أجل إرضاء عطشها للتوسع.

عدد القراءات: 64٬946