معلومات عامة

هل يمكن اعتبار الكافيين عقاراً مثل المخدرات؟

ما هو أكثر عقار منتشر في العالم بين البشر؟ جوابك على الأغلب يعتمد على تعريفك للعقاقير والمخدرات، فالجواب بالنسبة لمعظم الأشخاص سيكون التبغ أو الكحول أو الماريغوانا (الحشيش) أو في حالات أخرى قد يعتبر الكوكايين أو الهيروين جواباً صحيحاً، لكن أياً من هذه الإجابات صحيحة في الواقع والجواب هنا هو عقار يشربه معظم البشر بشكل يومي، أو في حالتي شخصياً بشكل ساعيّ ربما وهنا أتحدث عن الكافيين أو بشكل أبسط: المكون الأساسي الذي يجعل القهوة والشاي والمشروبات الغازية منشطة إلى حد بعيد ومساعدة على الاستيقاظ.

القول بكون الكافيين عقاراً يصنف مع المخدرات قد يثير استياء ورفض الكثير من محبي المشروبات التي تحتويه وأنا منهم بالطبع، لكن بالنظر إلى الحقائق فالأمر لا يمكن إنكاره حيث أن جميع الأمور تشير إلى كون الكافيين من العقارات التي تعد قريبة جداً لتعتبر مخدرات، هو بالتأكيد ليس قريباً حتى من أن يكون مثل الهيروين والكوكايين والميثامفاتامين ربما، وتأثيراته ليست ظاهرة تماماً مثل الكحول والماريغوانا، لكن هذا لا يعني أنه ليس من المخدرات.

وهنا سأحاول شرح بعض الأسباب لهذا التصنيف الذي قد يبدو غريباً للوهلة الأولى.

السبب الأساسي لتعاطيه هو كونه يسبب السعادة

من الممكن أن نضع العديد من المبررات لشرب القهوة ومشروبات الكافيين الأخرى، لكن الحقيقية المثبتة هي أن الكافيين يؤثر على الدماغ ويجعلنا أكثر سعادة.

قد تقنع نفسك أنك تشرب قهوتك الصباحية فقط لأجل النشاط الذي تعطيك إياه أو بسبب طعمها اللذيذ، لكن ما تحس به صباحاً ليس مجرد دفعة من النشاط فقط بل أنه جرعة من السعادة في الواقع، حيث أن الأبحاث على الجهاز العصبي المركزي أثبتت أن القهوة والمشروبات الأخرى التي تتضمن الكافيين لها تأثير مباشر على الدماغ بتحفيزها لإفراز هرمون الدوبامين المسؤول عن السعاة لدى البشر عادة.

بالطبع فمجرد كون الكافيين يتسبب بالسعادة غير كافٍ لاعتباره عقاراً أو واحداً من المخدرات، لكن لاعتبار أحد العقاقير من المخدرات يفترض أن يكون قابلاً للتعاطي من قبل البشر وأن يكون يتسبب بالسعادة لمتعاطيه، ومع كون الكافيين كذلك فهو يحقق واحداً من الشروط على الأقل في هذا المجال.

بالطبع فتأثير الكافيين على الجسم لا يقارن بالمخدرات الأخرى وإحساس ”اليوفوريا“ الذي توفره مخدرات مثل الهيروين مثلاً، كما أنه أضعف من تأثير مواد مخدرة أقل تأثيراً مثل تلك الموجودة في الماريغوانا، لكن التأثير يبقى موجوداً وكوب القهوة الصباحية ليس فقط منشطاً بل حتى مثيراً للسعادة، بالإضافة لتأثيره على زيادة الإنتاجية. [مصدر]

من الممكن أن يكون له آثار جانبية لدى بعض الأشخاص

بالطبع فالعرض الأشهر للكافيين وأي منبه آخر هو الأرق وعدم القدرة على النوم بسبب التنبيه المستمر للدماغ.

الكثير من المواد اللي نتناولها في الواقع سواء كانت مخدرات أم لا تمتلك آثاراً جانبية تتراوح في شدتها بين أمور بسيطة نسبياً حتى أعراض قاتلة ربما، كما كون الكافيين يسبب السعادة لا يكفي لاعتباره مخدراً، فكونه يمتلك بعض الأعراض الجانبية لا يكفي للأمر لكنه مؤشر مهم وواحد من الشروط نوعاً ما حتى، وهنا لا أتحدث عن العرض الجانبي الأكثر شيوعاً مثل الأرق وفقدان النوم، لكن هنا أعراض أخرى ربما أنها أكثر ندرة وأقل انتشاراً لكنها لا تزال موجودة.

الأعراض تتراوح من آلام بسيطة في المعدة حتى آلام شديدة بالإضافة لغثيان ودوخة كبيرة، ومن الممكن أن تتقدم إلى تسرع في القلب وتشوش في الرؤية وارتفاع درجة حرارة الجسم والتعرق البارد وتجفف الجلد، بالإضافة لمشاكل في التنفس وحتى نوبات هلع قصيرة وتيبس في العضلات، هذه الأمور بالطبع لا تحصل لدى الجميع لكنها تؤثر لدى نسبة من الأشخاص خصوصاً لدى تعاطي كميات كبيرة فوق الحد الأعلى الذي لا ينصح بتجاوزه، وهو 400 ميلي غرام في اليوم.

بالإضافة للأعراض الجانبية الممكنة لأشخاص العاديين، فهناك فئات عدة ينصح بعدم استهلاكها للكافيين أبداً خصوصاً المصابون باضطرابات القلق وثنائية القطب حيث أن النوبات تصبح أسوأ تحت تأثير الكافيين، كما أن الحوامل ينصحون بالابتعاد عن استهلاك الكافيين كونه من الممكن ان يتسبب بتأثيرات سيئة على الجنين. [مصدر]

نفس الجرعات تتسبب بتأثيرات متناقصة مع الوقت

مع الوقت لا يعود كوب القهوة الواحد قادر على تأدية المهمة ويتحول إلى ضرورة بدلاً من إضافة مع كون الكمية اللازمة لتحقيق التأثير أكبر وأكبر.

واحدة من أكثر الأمور التي تتسبب بوفيات كبيرة لدى متعاطي المخدرات هي الجرعات الزائدة الي تنتج عادة عن ازدياد حاجة المدمن للمخدر لتحقيق نفس مستوى الرضى الذي كان يحصل عليه سابقاً بجرعات صغيرة، لذا فالجرعات عادة ما تزداد تدريجياً للحفاظ على نفس مستوى التأثير حتى تصبح جرعات زائدة تتسبب بأعراض خطيرة والوفاة حتى، ومع أن الأمر لا يصل عادة إلى هذا الحد بالنسبة للكافيين، فلا يمكن إنكار كون جرعاته تتناقص بالتأثير مع الوقت.

السبب في الأمر هو كون الجسم يعتاد الحصول على التأثيرات المرغوبة للعقار منه بشكل أساسي بحيث تصبح الطرق الأخرى غير مجدية أو غير مؤثرة، ومع الوقت تصبح جرعة العقار المعتادة كافية فقط لتعطي تأثيرات تحاكي الحالة الطبيعية ويحتاج المتعاطي للمزيد من العقار للحصول على نفس اللذة فوق المعتادة التي كان يحصل عليها سابقاً من الجرعة المعتادة، ومع أن الأمر قد يستغرق وقتاً طويلاً في بعض الحالات فالتعود على الكافيين من الممكن أن يبدأ خلال أربعة أيام من بداية استهلاكه فقط.

بالطبع فالوصول إلى مرحلة تراجع التأثير لا تحدث لدى الجميع، لكنها تحدث بشكل أساسي لدى المستهلكين بكثرة وبشكل يومي للكافيين، والنتيجة إما أن تكون ازدياداً متلاحقاً بالجرعات المأخوذة من الكافين والمشروبات التي تحتوي عليه، أو ببساطة الاعتماد الكامل على الكافيين للوصول إلى الحالة العادية التي كانت ممكنة دون الحاجة له سابقاً، وهذا العرض هو واحد من أقوى المؤشرات التي تدفع لكون الكافيين عقاراً ويصنف بين المخدرات. [مصدر]

يمكن تعاطي الكافيين بطرق عدة

البعض يدعي أن حقن القهوة شرجياً له آثار منظفة للجسم ومخلصة من السموم، لكن كما العادة مع هذا النوع من الادعاءات فهي غير مدعومة بأي أدلة حقيقية.

إن كنت من الغالبية العظمى من الأشخاص، فأنت تعرف طريقة واحدة لتعاطي الكافيين فقط: شرب أو تناول شيء يحتويه كالقهوة والشاي والمأكولات التي تتضمنه، لكن بالنسبة لمدمني الكافيين الحقيقيين فالأمر مختلف تماماً، والطريق الفموي ليس كافياً أو مرضياً كونه بطيء نسبياً وهناك كمية كبيرة من الكافيين الضائع دون امتصاص، بالنسبة للبعض الأمر يتم عن طريق السبيل الهضمي أيضاً، لكن من الجهة الأخرى له أي بالحقن الشرجي.

الحقن الشرجي للكافيين لا يتم بالضرورة بسبب حب امتصاصه، بل يعود جزئياً إلى معتقدات سابقة عن كون حقن القهوة شرجياً يعطي تأثيراً ”مفرغاً للسموم“ ومنظفاً للجسم، وحتى أنه يقي من سرطان القولون والشرج.

بالنسبة للطب الحديث هذه الأمور تعد مجرد ادعاءات دون أي أساس علمي ولا يوجد أي دليل على آثارها الإيجابية، لكن ما هو معروف هو الآثار السلبية المتعددة التي تتراوح بين العدوى البسيطة والالتهابات إلى أمور أخطر مثل السالمونيلا واختلال التوازن الكهربائي الشديد وحتى الإنتانات الشرجية. [مصدر]

من الممكن أن يتسبب الكافيين بأعراض الانسحاب

أعراض انسحاب الكافيين تتضمن صداعاً شديداً بالإضافة للتعب والإرهاق، لكنها بالطبع لا تقارن بأعراض انسحاب المخدرات مثل الهيروين أو الميثامفيتامين.

واحدة من الأسباب الأساسية لعدم قدرة المدمنين على الإقلاع بسهولة عن إدمانهم هي ما يعرف بأعراض الانسحاب، فهذه الأعراض تأتي نتيجة خروج العقار من الجسم بعد أن يكون قد اعتاد عليه لمدة طويلة حيث يحاول الجسم العودة لوضعه السابق لكن الأمر لا يكون سهلاً دون العقار الذي كان يتم الاعتماد عليه سابقاً.

هذه الأعراض متفاوتة في شدتها ومختلفة بشكل كبير من عقار لآخر، وأحياناً يكون هناك اختلافات بين المدمنين بحد ذاتهم لكنها تتراوح من بعض الصداع حتى اعراض شديدة قد تنتهي بالموت في حال لم يتم التدخل الطبي.

بالنسبة للكافيين، فكونه عقاراً يؤثر على الجهاز العصبي المركزي فالعرض الأول لانسحابه هو الصداع (آلام الرأس) بالدرجة الأولى والذي تحدث لدى حوالي 50٪ ممن يعانون انسحاب الكافيين من الجسم، لكن الأمر لا يقتصر على الصداع بالطبع بل أن الأعراض الأخرى تتضمن الإرهاق والأرق والعصبية والمزاج السيء وصعوبة التركيز والنعاس وحتى ”التعب الذهني“، بالإضافة لأعراض مشابهة لأعراض الزكام الموسمي تترافق مع آلام في العضلات.

أعراض انسحاب الكافيين لا تحدث جميعها معاً ولا تحصل بالضرورة للجميع، خصوصاً مع كون بعضها يناقض الآخر مثل النعاس والأرق، لكنها عموماً منتشرة بين من يتوقفون عن شرب القهوة والشاي بعد الاعتياد على شربها لمدة من الزمن حيث تبدأ الأعراض خلال 12 – 24 ساعة من آخر جرعة كافيين وتمتد لأسبوع حتى 9 أيام عادة.

ومع أن هذه الأعراض ليست قاتلة أو خطيرة جداً مقارنة بأعراض انسحاب الهيروين مثلاً، فهي موجودة ومن الممكن أن تتسبب بفقدان القدرة على إكمال الحياة المعتادة خلال فترة حدوثها. [مصدر]

من الممكن أن تأخذ جرعة زائدة منه

هناك عدة حالات مسجلة لأشخاص تعرضوا لجرعات زائدة من الكافيين وتوفيوا بالنتيجة حتى، ومع أن كل شيء له حد أقصى، يجب الحذر من الإفرا في استهلاك الكافيين.

هنا من المهم توضيح نقطة هامة: كل شيء في الحياة يمتلك ما يعرف بحد الجرعة الزائدة، فحتى أهم الأشياء لحياة البشر مثل الماء يمتلك حداً أعلى بعده يصبح هناك احتمال لحصول تسمم، وحتى الأوكسجين الذي نتنفسه قد يسبب أعراض التسمم في حال كان موجوداً بتركيزات عالية.

على أي حال فكون كل شيء يمتلك حداً للتسمم لا يعني أن كل شيء سام بل أن السمية تختلف حسب المادة، وبالنسبة للكافيين فمع أن التسمم به وأخذ جرعة زائدة هو أمر نادر جداً فهو ليس مستحيلاً بل ممكن.

بالمتوسط شرب فنجان صغير من القهوة يرفع معدل الكافيين في الدم إلى 5 أو 6 ميلي غرام\لتر، لكن بالنسبة للمشروبات التي تمتلك تركيزات أعلى مثل القهوة المصنوعة بطريقة تقليدية أو حتى الشاي المركز (الخمير) ومشروبات الطاقة تتلك كميات كافيين كبيرة قد تقرب الشخص من الوفاة بجرعة زائدة من الكافيين، في حال وصول تركيز الكافيين في الدم إلى حوالي 180 ميلي غرام\لتر.

هذا التركيز قد يبدو عالياً جداً بحيث أنه من غير الممكن، لكن هناك العديد من حالات التسمم بجرعات زائدة من الكافيين والتي لا تصل بالضرورة إلى الوفاة (التي تتطلب تراكيز عالية جداً) حيث أن الأعراض تتراوح من العصبية والتوتر الشديدين إلى خلل في الرؤية وردات فعل سريعة ومفاجئة حتى لأدنى لمحفزات نتيجة الحساسية العالية للألم واللمس في الجلد، وقد يصل الأمر إلى تسرع وعدم انتظام في القلب بالإضافة لتشنجات ونوبات عضلية مع تسرع كبير في التنفس.

كما ذكرنا، فالموت بسبب الجرعات الزائدة من الكافيين أمر نادر جداً، لكن الأمر لا يكون كذلك دائماً وفي بعض الحالات ومع الاستهلاك المكثف للمشروبات التي تتضمن الكافيين خلال وقت قصير من الزمن من الممكن أن تنتج اضطرابات أخرى تؤدي للوفاة، كما حصل مع مراهق أمريكي في شهر نيسان\أبريل من العام الحالي حيث توفي بسبب تسرع القلب بعد تناوله لفنجان قهو كبير من McDonalds بالإضافة لعبوة كبيرة من المشروب الغازي Mountain Duo ومشروب طاقة خلال أقل من ساعتين. [مصدر] و[مصدر]

لم يكن قانونياً الكافيين دائماً وكانت هناك محاولات لمنعه في السابق

بالنسبة لكون الشيوخ قاموا بتحريم الدراجات والبندورة (الطماطم) حتى في بعض الحالات، فالقهوة والمقاهي لم تكن خارج الاحتمالية للتحريم.

عندما تفكر بالمشروبات التي تتضمن الكافيين اليوم، فما يخطر بالبال هو القهوة والشاي والمشروبات الغازية عموماً بالإضافة لمشروبات الطاقة، وما يجمعها جميعاً هو أنها قانونية في كل مكان على الأرض ويتم التعامل معها كـ”ضيافة“ مما يزيد من تأثيرها كمشروبات اجتماعية خصوصاً، وأن الشاي الغني بالكافيين مثلاً هو أكثر مشروب مستهلك في العالم مع حوالي 6 مليارات كوب منه تشرب بشكل يومي وفق الـUN. على أي حال فهذا الأمر يجعل تصديق كون هذه المشروبات منعت في وقت ما يعد غريباً.

أشهر المشروبات التي ربط بالكافيين عبر التاريخ هي القهوة التي اشتق لفظ الكافيين من مرادفها في اللغة الإنجليزية، لكن هذا المشروب الشائع اليوم لم يكن كذلك دائماً، وعند بداية انتشاره بالأخص تمت محاولات عدة لمنعه، لعل أشهرها محاولة السلطان العثماني حظرها في القرن السابع عشر عندما انتشرت في مناطق سيرة العثمانيين وشكلت المقاهي وقتها أماكن تجمع كبيرة كان يخشى من أن تسبب تهديداً للسلطة، لكن المضحك ربما أن الأحكام الأولية التي كانت تصل حتى قطع رأس شاربي القهوة انعكست تماماً وباتت القهوة جزءاً مهماً من التاريخ التركي حتى في الفترات اللاحقة.

الأمر لم يكن مقتصراً على العثمانيين في الواقع، وعلى الرغم من أن الأمر لم يصل أبداً لأن يكون قانوناً فالحركات المعادية للقهوة انتشرت في إنجلترا مع نهاية القرن السابع عشر، وحتى العصر الحديث كانت ولاية نيوجيرسي الأمريكية تدرس مقترحاً لمنع السائقين من القيادة بعد شرب القهوة (بكل مشابه للقانون المشابه بخصوص الكحول)، على أي حال هذه المحاولة كان مصيرها الفشل ولا زالت القهوة وغيرها من المشروبات الغنية بالكافيين تجد مكانها في الغالبية العظمى من المنازل اليوم. [مصدر] و[مصدر]

بالمحصلة فمقارنة القهوة أو الشاي او الكافيين بحد ذاته بالمخدرات سيئة السمعة مثل الهيروين والكوكايين والميثامفاتامين ليست أمراً منطقياً من حيث التفاوت الكبير بالاستهلاك والتأثيرات كذلك، لكن ذلك لا يمنع تصنيف الكافيين كنوع من العقاقير، ولا يمنع كون استخدامه يحتاج لوعي كافٍ لمخاطره الممكنة في حالة الاستهلاك الزائد وغير المسؤول خصوصاً لدى اليافعين.

عدد القراءات: 333