in

كيف أثرت اضطرابات الرؤية على أعمال هؤلاء الفنانين المبدعين

لوحات فنية لرسامين اعتُقد بإصابتهم باضطرابات في الرؤية

من المعروف أن الرؤية السليمة أداة مهمة لخلق الأعمال الفنية المبدعة، فهي تساعد الفنان على استكشاف المشهد وترشده في حركة الريشة على الورق، بالإضافة إلى إعطائه القدرة على استيعاب الألوان والأشكال للمنظر المطلوب، ولكن هل ستؤثر اضطرابات الرؤية وأمراض العين على أعمال الفنانين؟

لقد تحدث العلماء والأطباء لسنوات عن رسامين معينين عانوا من اضطرابات في الرؤية بناءً على أدلة في أعمالهم تشير إلى ذلك، فقد قال البعض أن رسامي الحركة الانطباعية كانوا يعانون من ضعف البصر، فكانت أعمالهم على سبيل المثال تمتاز بأسلوب متهور وواسع، مما يشير إلى رؤيتهم غير الواضحة للأشكال البعيدة عند عدم استخدامهم النظارات.

لوحة فنية
اعتقد الكثير من الأطباء والباحثين أن بعضا من ألمع فناني الحركة الانطباعية كانوا يعانون من اضطرابات في الرؤية.

للأسف لا يوجد دليل موثق عن هذه الادعاءات، وكل ما قيل عن اضطرابات الفنانين البصرية وأثرها على أعمالهم مجرد تخمينات ينقصها الدليل الطبي وسجلات التشخيص، ومن الصعب أيضاً إثبات هذه الحالات، فالفنان قادرٌ على تقديم أعماله بأي شكل يشاء، وربما أراد هؤلاء الفنانون تصوير العالم بطريقتهم الخاصة.

إذاً فهل أسلوب الفنان ناتج عن رؤية ضعيفة أم خيار شخصي؟ إليكم 3 فنانين يدعي العلماء إصابتهم بخلل في الرؤية:

1. الرسام والنحات الإسباني (إل غريكو):

لقد عُرف عن نحات ورسام ومهندس النهضة الإسبانية (إل غريكو) إطالته لبعض الأشياء والشخصيات طولياً في لوحاته، فقد قال طبيب وأخصائي العيون (جيرمان بيريتينز) عام 1913 أن هذه الإطالة ناتجة عما يعرف بـ”اللابؤرية“.

لوحة لـ(إل غريكو)
تشير الأدلة أن إطالة الأشكال في لوحات (إل غريكو) كانت خياراً فنياً وليست ناتجة عن مرض بصري. صورة: The Yorck Project/Wikimedia Commons

وتنتج اللابؤرية عادة عندما لا يكون شكل القرنية كروياً، بل أشبه بالبطيخة، والقرنية هي السطح الأمامي للعين والعنصر المسؤول عن التركيز الضوئي، ونتيجة لذلك ينعكس الضوء بكميات مختلفة بحسب اتجاه مروره خلال العين، وبالتالي سيكون تركيز الخطوط والملامح المحيطة بالشكل ذات الاتجاه المحدد في الصورة أقل وضوحاً.

كشف (بريتينز) هذه النظرية المتعلقة باللابؤرية لضيوف منزله باستخدام عدسات خاصة تنتج استطالات عمودية كتلك التي يراها (إل غريكو).

تحدث اللابؤرية عندما يكون شكل القرنية أشبه بالبطيخة بدلاً من كونه كروياً، ونستطيع أن نلاحظ أن حواف الحرف المرسوم غير واضحة في حالة اللابؤرية.
تحدث اللابؤرية عندما يكون شكل القرنية أشبه بالبطيخة بدلاً من كونه كروياً، ونستطيع أن نلاحظ أن حواف الحرف المرسوم غير واضحة في حالة اللابؤرية.

غير أن هذه النظرية تواجه عدة مشاكل: حيث يقول الاعتراض الأكثر شيوعاً أن الخلل الذي أصاب (إل غريكو) لن يؤثر فقط على رؤيته للأشكال المرسومة بل على ورق الرسم أيضاً، أي أنه سيرى الورق أطول وبالتالي لن تكون لوحاته متمددة بهذا الشكل، مما يعني عدم ظهور أثر اللابؤرية على لوحاته، والاعتراض الأكبر والأهم هو كون اللابؤرية تؤدي إلى صور غير واضحة وليس تغيراً في أحجام الأشكال داخلها.

كما تشير أدلة أخرى أن استخدام (إل غريكو) لهذا الأسلوب ليس سوى خياراً فنياً متعمداً، ففي لوحته St Jerome التي رسمها عام 1610 (الموجودة أعلاه)، يمكنك ملاحظة يد القديس الأفقية والتي تبدو فيها الاستطالة واضحة، فإن كانت الاستطالة في أشكال وشخصيات (إل غريكو) ناتجة عن الإطالة العمودية والخلل في مستقبلاته البصرية فلماذا كانت هذه اليد الأفقية أيضاً طويلة بدلاً من أن تكون قصيرة بالمقارنة مع الأشكال العمودية؟

2. الرسام الفرنسي (كلود مونيه):

قد يبدو تأثير اضطرابات العين مقنعاً في حالات أخرى، فقد يسبب مثلاً إعتام عدسة العين أو مرض ”الساد“ –ماء العين الأبيض– رؤية غير واضحة ومعتمة لا يمكن تصحيحها بالنظارات، والساد هو مرض يتطور ببطء ويصيب عدسة العين الطبيعية خلف الحدقة مما يسبب ضبابية في الرؤية وتلاشي الألوان.

يُحدث الساد صبغة بنية اللون في العين، بالتالي يتم تحوير اللون المار خلالها مما يؤدي إلى ضعفٍ في تمييز الألوان، ولا يمكن للمصاب في الحالات الشديدة رؤية اللون الأزرق على الإطلاق.

ونعود لمثالنا السابق، فقد شُخّص (كلود مونيه) بالساد عام 1912 وطلب منه إجراء عمليات جراحية لتصحيح بصره ولكنه رفض، ومنه تضاءلت قدرته على رؤية التفاصيل الدقيقة خلال العقد اللاحق وفقاً لسجله الطبي.

رُسمت هذه اللوحة، جسر فوق بركة من زنبق الماء، عام 1899. أي قبل 10 أعوامٍ من تشخيصه بالساد. من موقع Wikimedia Commons.
رُسمت هذه اللوحة، جسر فوق بركة من زنبق الماء، عام 1899. أي قبل 10 أعوامٍ من تشخيصه بالساد. صورة: Daniel Schwen/Wikimedia Commons

كما تضاءلت قدرة الرسام على تمييز الألوان، فلاحظ عام 1914 أن اللون الأحمر أصبح باهتاً، واضطر في عام 1918 إلى اختيار مجموعة مقتضبة من الألوان بناء على أسماءها على لوحة الألوان.

ويظهر تأثير الساد على بصره بوضوح في لوحتين من نفس المشهد، وهما اللوحة السابقة «جسر فوق بركة زنبق الماء» و«جسر المشاة الياباني»، حيث رُسمت الأولى قبل 10 سنوات من تشخيصه بالساد، ونستطيع أن نرى التفاصيل فيها بوضوح كما الاستخدام المتقن للألوان.

تظهر بالمقابل لوحته الثانية، التي رسمت قبل عام من اقتراح الأطباء عليه خضوعه للجراحة الطبية، ألواناً غامقة ومظلمة وغياباً شبه تامٍ للون الأزرق، كما نلاحظ انخفاضاً واضحاً في مستوى دقة التفاصيل في اللوحة مقارنة بالسابقة.

لوحة «جسر المشاة الياباني» التي رسمت عام 1922، أي قبل تشخيص (مونيه) بعامٍ واحد. من موقع Wikimedia Commons.
لوحة «جسر المشاة الياباني» التي رسمت عام 1922، أي قبل تشخيص (مونيه) بعامٍ واحد. صورة: Google Cultural Institute/Wikimedia Commons

يوجد دليلٌ مقنع أن هذا التغير في اللوحات لم يكن مجرد خيارٍ خاص بالفنان، فقد اعترف (مونيه) في رسالة إلى المؤلف (مارك آلدر) عام 1922 بأن خلله البصري قد أفسد قدرته الإبداعية، وأن العمى الذي أصابه قد أجبره على التخلي عن الرسم بالرغم من صحته الجيدة.

وعدم رغبة (مونيه) بإجراء الجراحة نابعة عن خوفه من انحراف أو تبدل رؤيته للألوان. وبالفعل، فقد اشتكى (مونيه) بعد الجراحة من بصره حيث أصبح العالم يبدو أصفراً أو أزرقاً بشدة، وكان ذلك قبل عامين من عودة بصره إلى الحالة الطبيعية.

أثبتت التجارب كذلك أن إدراك الألوان قد يتغير بشكل ملموسٍ لعدة أشهر بعد الجراحة لمرضى الساد، وذلك بسبب الوقت الذي يحتاجه كل من الدماغ والعين للتكيف مع الضوء الأزرق الذي لم يكن المرضى قادرين على رؤيته أثناء المرض.

3. الرسام الأسترالي (كليفتون بيو):

يمكن للإنسان أن يعاني من اضطرابات في رؤية الألوان نتيجة عوامل وراثية وليس فقط بسبب الأمراض التي تصيب العين، حيث يولد حوالي 8 بالمائة من الرجال و0.5 بالمائة من النساء باضطرابات في رؤية الألوان، أو ما قد يسمى بـ«عمى الألوان».

يعاني المصاب عند تطور المرض إلى أكثر أشكاله خطورة من رؤية الألوان بدرجات متفاوتة من اللونين الأزرق والأصفر فقط، أي ليس باستطاعة الشخص رؤية الألوان ضمن تدرجات الأحمر والأخضر، لذلك لن يتمكن المريض من التفريق مثلاً بين الفواكه الناضجة وغير الناضجة.

لم يُعرف إصابة رسامٍ من قبل بهذا المرض، ولكن الأبحاث اللاحقة تشير إلى عكس ذلك. ومثالنا هنا هو الرسام الأسترالي (كليفتون بيو) الحائز على ثلاث جوائز Archibald في فن التصوير، والحائز أيضاً على ميدالية برونزية للرسم في دورة الألعاب الأولمبية (حيث كانت هذه الجائزة وقتها موجودة).

يبدو أن مشاكل الرؤية التي عانى منها (بيو) لم تؤثر على استخدامه للألوان في أعماله. صورة: Wikimedia Commons
يبدو أن مشاكل الرؤية التي عانى منها (بيو) لم تؤثر على استخدامه للألوان في أعماله. صورة: Wikimedia Commons

تم توثيق حالته الطبية ضمن سيرته الذاتية، واستطاع الباحثون اختبار رؤية الألوان لدى أفراد عائلته الذين مازالوا على قيد الحياة لدعم ادعائهم القائل بأن (بيو) قد عانى من عيبٍ في تمييز اللونين الأحمر والأخضر، وذلك بسبب الطبيعة الوراثية لهذا المرض.

ولكن تحليل الألوان الذي تم تطبيقه على لوحات (بيو) قد فشل في إظهار أي علامة دالة على إصابته بهذا المرض، ونستخلص من ذلك أنه من الصعب توثيق عيوب الرؤية لدى الفنانين بناءً على أعمالهم الفنية.

جاري التحميل…

0