in

إليك كيف تمكنت شركة روليكس من التربع على عرش الساعات الفاخرة منذ تأسيسها إلى يومنا هذا

ساعة روليكس

فكر قليلا في كل شخص يرتدي ساعة روليكس: المحامون ذوي النفوذ، رؤساء الشركات، رؤساء الدول، والأثرياء.. عند التفكير في هذا تدرك بأن ماركة الساعات الفاخرة هذه هي أشبه بمغناطيس بالنسبة لكل شخص يملك الكثير من المال، كما أنها تمثل مصدر جذب كبير لكل هاو لجمع الساعات الجميلة، وبالتالي فهي أقرب لقطعة فنية متقنة للغاية وعلامة تنم عن ثراء صاحبها ونفوذه.

كما أن امتلاك ساعة روليكس لطالما كان بالنسبة للكثيرين بمثابة الخطوة الأولى نحو تحقيق الثراء [وهم في ذلك مخطئون بكل تأكيد].

ما نحن هنا في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف» بصدد سرده عليك، هو أن تلك الآلة الصغيرة التي ترتديها على معصمك لها في الواقع مائة سنة من التاريخ الحافل، تابع معنا القراءة عزيزي القارئ لتعرف مدى عمق جذورها في التاريخ:

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

أصل الشركة:

هانس ويلسدورف.
هانس ويلسدورف. صورة: rolexmagazine

كانت شركة روليكس من بنات أفكار رجل ألماني ترعرع يتيما يدعى (هانس ويلسدورف). كان (هانس) قد فقد كلا والديه وعمره لم يتجاوز 12 سنة، فأرسل به عمه وعمته إلى مدرسة داخلية في (كوبورغ).

تعلم (هانس) في تلك المدرسة التحدث باللغة الإنجليزية بطلاقة منقطعة النظير، وقد كانت لغته الإنجليزية جيدة للغاية لدرجة أنه بعد أن تخرج شغل منصب مترجم لدى شركة في سويسرا، وكان اسم الشركة Cuno Korten والتي كانت من أكبر الشركات المصدرة للساعات في البلد.

في تلك الأثناء، وبينما كان يعمل مترجما لدى الشركة الآنفة، احتك (هانس) ببعض أكثر الأشخاص نفوذا في عالم صناعة الساعات، ومن بين هذه الشخصيات التي تعرف عليها كان (هيرمان إيغلر)، الذي كان قد ورث مؤخرا مصنعا ضخما لصناعة قطع تركيب الساعات عقب وفاة والده.

قرر (هانس) بعدها الانتقال إلى إنجلترا في سنة 1905 وهناك أسس شركته الخاصة التي أسماها (ويلسدورف ودايفيس)، و(دايفس) هو صهره الذي أعاره المال اللازم لتمويل مشروعه.

هانس ويلسدورف مع عائلته قبل أن يتيتم.
هانس ويلسدورف مع عائلته قبل أن يتيتم. صورة: Wikimedia Commons

كانت أولى خطوات (هانس) في تجارته الجديدة هذه هي الحصول على ساعات يكون بمقدوره بيعها. في تلك الأثناء، لم تكن ساعات اليد رائجة فقد كانت مهلهلة ودقيقة وكانت ترتديها النساء بشكل أوسع. كان الأشخاص الذين ينتمون إلى طبقات المجتمع العليا يفضلون ساعات الجيب، والتي كانت تعتبر ذات ديمومة أفضل كما كانت تتوارث بين الأجيال.

رأى (هانس) في ساعات اليد فرصة ذهبية، لذا تقرب من صديقه القديم (هيرمان آيغلر) الذي يقوم مصنعه بإنتاج ساعات يد من الطراز الرفيع ثم يقوم (هانس) بتصديرها إلى إنجلترا حيث يقوم ببيعها إلى تجار التجزئة.

كانت شركة (ويلسدورف ودايفيس) ناجحة إلى أبعد الحدود في بداياتها، ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى جودة الساعات السويسرية العالية.

كان (هانس) بارعا جدا في التسويق، وسرعان ما أدرك أهمية إقرار العلامة التجارية، فقد كان يريد أن يربط الناس ساعاتهم بشركته وليس بتجار التجزئة الذين يبيعونها، وهكذا في سنة 1908 قام بتسجيل علامته التجارية الخاصة: روليكس، لقد كان هذا الإسم قصيرا وسهل التذكر، فبدأ (هانس) بطباعته على ساعاته.

هانس ويلسدورف في إنجلترا سنة 1909.
هانس ويلسدورف في إنجلترا سنة 1908. صورة: Wikimedia Commons

من أجل أن يمنح علامة روليكس التجارية بعض المصداقية، قرر (هانس) الاتصال باثنين من معاهد حفظ الوقت: في سنة 1910، منحت شركة (روليكس) جائزة الدقة الكرونوميترية السويسرية، وفي سنة 1914 أصبحت شركة روليكس أول شركة بيع ساعات يد في التاريخ تتلقى علامة A في الدقة على يد مرصد (كيو) في لندن.

وكان الدافع الأكبر لشهرة شركة روليكس للساعات هو جنود الحرب العالمية الأولى، الذين لم يكونوا يملكون آنذاك ساعات يد، بل كانوا يملكون ساعات الجيب التي لم تكن عملية جدا خلال زمن الحرب، وسرعان ما انتشرت ساعات روليكس الدقيقة والمتينة بين صفوفهم، وبعد وقت وجيز صارت الخيار الأول والأفضل للجنود.

بلغت الحرب بشهرة روليكس عنان السماء، وجعلت من اسمها مرادفا للديمومة والجودة، لكن وعلى الرغم من ذلك كان لنفس الحرب آثار وخيمة على الشركة، حيث قامت الحكومة البريطانية بفرض رسوم إضافية خاصة بالحرب على الواردات والتي كانت قيمتها 33 في المائة، واختصت حصرا بالسلع الفاخرة بما في ذلك الساعات، وقد كان لهذا الأمر وقع كبير على شركة روليكس.

لذا في سنة 1919، نقل (هانس) شركته إلى جنيف حيث قام بتسميتها Montres Rolex أو ”ساعات روليكس“.

المرحلة التالية من التحدي:

بعد أن جعلت شركة روليكس من ساعات اليد موضة رائجة وجعلت منها المعيار الأكثر طلبًا في المجتمع، كان التحدي التالي الذي امتثل أمامها هو أن تجعل منها مقاومة للماء.

كانت الساعات المقاومة للماء متواجدة منذ زمن طويل، حيث يعود تاريخ أقدم النماذج إلى سنة 1851، غير أنها كانت تصنع حسب الطلب ولم تكن ناجحة من الناحية التجارية، فقامت روليكس بتغيير هذا الواقع عندما أطلقت نموذج Oyster خاصتها سنة 1926.

ساعة روليكس أويستر من سنة 1926، أول ساعة مقاومة للماء.
ساعة روليكس أويستر من سنة 1926، أول ساعة مقاومة للماء. صورة: rolex

من أجل إنتاج أي ساعة مقاومة للماء يجب أولا تحقيق أمرين اثنين: الأول هو جعل إطار الساعة محكم الإغلاق ومنع التاج [التاج هو ذلك المفتاح الصغير على جانب الإطار الذي نقوم بتدويره من أجل ضبط الساعة] من فتحه.

وفي سويسرا، نجح مهندسو (آيغلر) في العثور على طريقة من أجل تحقيق كلا الشرطين، كما تمكنوا من اختراع آلية التدوير الذاتي في سنة 1931، والتي قبلها كان لابد من تدوير الساعة كل يوم حتى لا تتوقف عن العمل.

قرر بعدها (هانس ويلسدورف) التسويق لساعة Oyster المقاومة للماء من خلال منحها لفتاة تدعى (مرسيدس غلايتز)، التي كانت أول امرأة تسبح عبر القناة الإنجليزية سنة 1927، لكن عندما بدأ الناس يشككون في صحة ما أنجزته قررت عبور القناة سباحة مرة ثانية، وكادت تنجح في العبور قبل أن تنتشلها قوارب خفر السواحل على بعد سبعة أميال من الشاطئ. وكانت لا تزال ترتدي ساعتها الروليكس Oyster التي كانت ماتزال تعمل بشكل جيد.

لقد مثل ذلك نصرا تسويقيا مذهلا لروليكس وهو الأمر الذي استخدمته الشركة خير استخدام للترويج والتسويق خلال الخمسينيات من القرن الماضي.

كانت تلك أول مرة تستخدم فيها شهادة شخصية مشهورة للترويج لساعة، غير أن شركة روليكس لم تتوقف عند هذا، فبعد وقت ليس بطويل، أصبح اللورد (كليديسدايل) أول رجل يطير فوق قمة جبل إيفرست سنة 1933، وقد كان يرتدي ساعة روليكس أثناء قيامه بذلك.

أصبح كذلك (مالكوم كامبل) أول رجل يصل سرعة 300 ميل في الساعة على الأرض في سنة 1935، وقد كان يرتدي كذلك ساعة روليكس أثناء تحقيقه هذا الرقم القياسي.

أصبحت كذلك (ذا تريست) أول مركبة مأهولة تبلغ قاع أخدود (ماريانا) البحري سنة 1960، وقد حققت ذلك وساعة روليكس مربوطة بسطحها الخارجي، وتستمر لائحة الإنجازات البشرية الكبيرة التي اقترنت بها ساعة روليكس، وهو ما يستظهر مدى براعة (هانس ويلسدورف) في التسويق والمحافظة على بريق علامته التجارية.

تيودور للساعات.
تيودور للساعات.

أراد كذلك (هانس) توسيع قاعدة زبائن شركته لذا أسس ماركة Tudor للساعات في سنة 1946، وهي شركة ساعات تشبه كثيرا ساعات روليكس في الديمومة والجودة والمتانة غير أنها ليست غالية الثمن، وقد استهدف بها (هانس) الطبقة المتوسطة من المجتمع.

وفاة المؤسس (هانس ويلسدورف):

مثلت وفاة (هانس ويلسدورف) سنة 1960 نهاية حقبة بالنسبة لساعات روليكس، وانتقلت على إثر ذلك ملكية الشركة إلى «مؤسسة هانس ويلسدورف» التي ماتزال تملكها إلى يومنا هذا وتنفق عائداتها على الأعمال الخيرية.

جاء موت (هانس) في وقت عصيب وسيئ للغاية، حيث منذ أواخر ستينيات القرن الماضي إلى غاية أوائل السبعينيات بدأ ما عرف بـ”ثورة الكوارتز“، أي اختراع ساعات الكوارتز التي تعمل بالبطاريات، وهو ما مثل ضربة قاصمة بالنسبة لسوق الساعات السويسرية الميكانيكية.

أغرقت ساعات الكوارتز رخيصة الثمن القادمة من اليابان والولايات المتحدة السوق العالمية، وبحلول سنة 1983 كان 2 من أصل كل 3 شركات لصناعة الساعات السويسرية قد أعلنت إفلاسها، حيث لم يكن بمقدور الساعات الميكانيكية منافسة الوزن الخفيف والدقة العالية التي اتسمت بها ساعات الكوارتز.

تمكنت شركة روليكس من النجاة من عاصفة الكوارتز هذه من خلال الاعتماد على سمعة علامتها التجارية وشهرتها، حيث بالنسبة لزبائنها، لم يكن مهما ما إن كانت الساعة الميكانيكية أقل دقة من نظيرتها التي تعمل بالكوارتز، وما كان مهما هو حجم المجهود المبذول في سبيل صناعتها وتركيبها، حيث تتم صناعتها وتركيبها باليد بعناية فائقة، ويستغرق صناعة ساعة روليكس واحدة سنة كاملة، مما يجعل النوعية والجودة هي ما تفوقت فيه ساعة روليكس على منافساتها.

ميكانيك ساعات روليكس ذو الجودة العالية هو الدافع الأكبر وراء شهرتها.
ميكانيك ساعات روليكس ذو الجودة العالية هو الدافع الأكبر وراء شهرتها وديمومتها. صورة: rolex

حتى في يومنا هذا، تعتبر شركة روليكس أكبر شركة مصنعة للساعات في سويسرا، وعلى الرغم من أن مبيعاتها من الساعات لا تمثل إلا 1 في المائة من مبيعات الساعات في العالم، فإنها تمثل ربع قيمة السوق العالمية، كما أنها الحافظة الرسمية للوقت لاثنين من بطولات التنس العالمية الأربعة، واثنين من منافسات الغولف العالمية الأربعة، وبطولة الفورمولا وان، وسباق (لو مان) الذي يدوم لـ24 ساعة.

حضور ماركة روليكس في سباق (لو مان) الفرنسي.
حضور ماركة روليكس في سباق (لو مان) العالمي للسيارات السريعة. صورة: Wikimedia Commons

إنه لمن المذهل كيف تمكنت شركة روليكس من التربع على عرش الساعات الفاخرة لأزيد من قرن من الزمن، فقد أصبحت أكثر من مجرد ساعة غالية الثمن، فهي تمثل رمزا للثروة للرجال الأغنياء وذوي النفوذ على حد سواء.

مقالات إعلانية